فكر

مراجعات في زمن التحدي (حلقة ثانية)

Feature image

   إنّ إنسان التغيير والإصلاح والحضارة والشهادة يحتاج إلى عادات جديدة في حياته اليوميّة ومع محيطه، وهذا يجب أن يستند إلى منظومة معرفيّة وسلوكيّة تنقله نقلةً نوعيّة يتعلّم منها أن يأتي وظيفته وعمله في الوقت تماماً بعد أن اعتاد على التأخّر والغياب، وأن يحترم الموعد الّذي أعطاه مهما كان نوعه ، وهكذا …

هذه النقلة ليست بالأمر الهيّن، لكنّها واجبة وضروريّة إذ من الصعب على من تعوّد اللامبالاة أن تدبّ فيه روح المسؤوليّة، ومن الصّعب على من تكيّف مع العمل غير المتقن أن ينجز أعمالاً متقنةً، ومن الصّعب على المسؤول أو الموظّف الّذي أصبحت الرشوة جزءًا من حياته أن يصبح متعفّفاً… كلّ هذا صَعب جدّا لكنّه حتميّ إذا أردنا للأمّة أن تغادر مربّع التخلّف الحضاريّ، والّذي يجب ملاحظته بوضوح والفصل فيه بكلّ جرأة أن النّقلة الّتي نتحدّث عنها لن يُحدثها وصول فصيل معيّن أو حزب أو حركة جادّة إلى السّلطة، إنّما هي مهمّة التربيّة بواسطة البيت والمسجد والمدرسة وحلقة الذكر والمحضن التربوي ونحوها، ذلك أنّ قطاعاً كبيراً منّا يربط إحداث التغيير النفسيّ والاجتماعيّ بالتربّع على كرسيّ السلطة وإصدار التّشريعات، ورغم أهميّة الحكم الرّاشد فإنّ التجارب التاريخيّة أثبتت أنّ مناهج التغيير الناجحة هي ما صعد من القاعدة لا ما نزل من القمّة، وهي حقيقة نفسيّة واجتماعيّة أشار إليها قول الله تعالى: ” إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ” ..  فالتغيّر مرتبط بالأنفس أي بالتربيّة سلباً وإيجاباً، وليس بتغيير الحكّام، ويجدر بنا – هنا – الانتباه إلى الفرق الشاسع بين آلية الأفكار – أي التربيّة والتوعيّة – وبين آلية العضلات – أي السعي لبلوغ الحكم بأيّ ثمن – رغم أهمية السلطان عندما يستند إلى الحقّ والعدل وإرادة الإصلاح، والذي لا تتوّج عملية التغيير إلاّ به، وكثيرا ما تبقى القيم الكبرى مجرّد شعارات أو موادّ مَتحفيّةً ما لم تُحوّلها السلطة الشرعية العادلة إلى حقائق ينعَم بها الناس.

وما دمنا نتخبّط في دائرة التخلّف ونريد الخروج منها لكن بالأساليب الّتي أنتجها التخلّف ذاته فلن نذهب بعيداً، ذلك أن أغلب الحركات الّتي تنشد الإصلاح تستصحب أمراض المجتمع وتجدّدها وتُطيل حياتَها، مثل رفع شعار الشورى والعمل بالاستبداد، ومثل انتقاد فكرة الزعيم الأحد عند الحكومات، وهي من جانبها تقدّس الزعيم وتربط نفسها به وجوداً وعدماً وتُضفي عليه هالات القداسة وتُنزّهه عن الخطأ وتُحصّنُه من المساءلة.

  • صناعة النجاح بدل الفشل :

من التقاليد السيّئة المثبّطة الّتي انتشرت في مجتمعاتنا وأصبحت من ثوابته ما نلاحظه من محاربة سياسيّة وإعلاميّة وثقافيّة غير معلَنة للناجحين وتحطيم المتفوّقين وتهشيم رؤوس النوابغ إلى درجة أنّ هناك أنظمة وجهات ظلاميّة متعدّدة تعتبر النّجاح خيانةً عظمى وتتحرّج من كلّ إبداع علميّ وحضاريّ وتعمل على إشاعة الفشل وتتويج الرّداءة وتكريم أهلها في مجالات الأدب والفنّ والريّاضة ، فضلاً عن النشاط السيّاسيّ والعمل النّقابي والاجتماعي، وكم استقبلت السجون والمعتقلات في البلاد العربية من نُزلاء ليس لهم من ذنب سوى النبوغ العلمي وذيع الصيت الأكاديمي، بينما يتربّع على عرش السلطة هناك من هم أقرب إلى الأمية وما لهم من مُؤهّلات إلاّ السلاح أو القرابة العائلية.

وهذا أورثنا حالة نفسيّة جعلتنا نعتاد على الوضع المقلوب ونحافظ عليه خوفاً من المفاجآت، تعضدنا فتاوى دينيّة ووصايا سيّاسيّة هي – بالضبط – ما ينبغي البداية بإصلاحه لنعود إلى الوضع الطبيعيّ، لنرى – في بلادنا العربية الإسلامية –  الورود تنهال على النّاجحين واللّوم ينصبّ على الفاشلين كما هو الشأن في بلاد الدنيا، حتّى نصل – أو قل حتّى نعود – إلى نقطة الانطلاق الصحيّة فيقود أمّتَنا الناجحون بدل الفاشلين، سواءً في السيّاسة أو التوجيه أو الإدارة، فقد أصبحنا تحت رحمة عقليّة العبيد – نحن الّذين شرّفنا الإسلام بالحريّة – نرضخ للأمر الواقع حتّى إذا طال علينا الأمد تشبّثنا به ودافعنا عنه وأسندناه بالمسوّغات لنبقى تحت نير الانحراف والباطل، وقد امتدّ ذلك إلى المساجد، فترى أكثر المنابر- في بعض البلاد الإسلامية –  يصعدها خطباء لا يملكون من المؤهّلات سوى الاشتغال بأحكام التلاوة  ومخارج الحروف – وأحكام التلاوة جزء من الثقافة الإسلامية من غير شكّ – لكنّ بضاعتهم العلمية مزجاة في الفقه والحديث والتفسير والأصول، فكأنّنا الأمّة الوحيدة الّتي تتعلّم لتقرأ بدل أن تقرأ لتتعلّم !  لذلك كاد الناس أن يهجروا بيوت الله وخطبها ودروسها، وكيف يستقيم الظلّ والعود أعوج؟

وأحبّ أن أذكّر أنّ الّذي قاد أحداث الحرم المكّي المؤسفة سنة 1979 ميلادية – التي سالت فيها دماء في أقدس مكان على الأرض ارتبط منذ القدَم بالأمن والأمان والعافية –  وادّعى أنّه المهديّ المنتظر كان شابّا  انقطع عن الدّراسة مبكّرًا ! و مع ذلك وجد أتباعًا أسلموا له زمام أمرهم في قضايا الموت والحياة وإعلان الخلافة النهائية في أرض الله !  فكيف لنا أن ننتصر على اليهود وغيرهم من المعتدين وهُم أممٌ يقودها العباقرة،  بينما نحن  أسلمنا قوَادنا للفاشلين من مثل هذا الطالب؟

  •  الخلافة والمرض والموت

خوّفنا الحديث النبوي من ” الوهـن ” وهو المرض أو الوباء الاجتماعي الّذي يعتري روح الأمّة فيطفئ فعاليّتها لأنّ همّها يصبح العبّ من متع الدنيا والسعي الحثيث خلف زينتها واستهلاك أشيائها، وبالتّالي رفض العطاء والتضحيّة من أجل المثل العليا والغايات النّبيلة، ومرحلة الوهن مصيبة كبرى، لكنّ الملاحظ أنّنا تجاوزناها إلى مرحلة الموت الحضاري الّذي يعني انقراض الأمّة وهلاكها معنويّاً ونفسيّاً وثقافيّاً ، ألسنا نقتني المنتجات من آخر طراز لنوهم أنفسنا أنّنا امتلكنا ناصيّة الحضارة في حين أنّ الحضارة هي الّتي تصنع المنتجات وليس العكس؟

وكيف بنا في هذه الحال أن نعيد الخلافة الرّاشدة ؟ إنّها لن تأتي من فراغ ولا بالخوارق وإنّما تصنعها الأمّة الرّاشدة، ولا بدّ إذاً أن نعود إلى الحياة أوّلاً كفاعلين ومنتجين ومبدعين لنستطيع تخطيّ عقبة الوهن الحضاريّ الّذي جعل وقت الإنسان عندنا عبأ عليه يورث الكآبة والملل والضياع والعبث، فما فائدة أن يقتني أحدنا ساعةً غاية في الدقّة ثم لا يفعل شيئاً بوقته؟ إنّ اهتمام إنسان التخلّف منصبٌّ على الساعة لا على الوقت، وماذا تفعل السّاعة في يد عاطلة؟ وماذا قد تفعل عصا موسى  عليه السلام  في يد ضعيفة هزيلة مرتعشة؟ إن العبرة باليد الموسويّة الطاهرة الفاعلة التي يباركها الله فيحدث بها من المعجزات ما يشاء، فإذا أمسكت بالعصا حوّلتها  بإذن الله  إلى أداة خارقة ، وكم خدعتنا – نحن المسلمين – السيوفُ الخشبيّة في الأيدي المتوضّئة !

وبعد ، فالقضية ليست مسألة تفاؤل أو تشاؤم بل هي مسألة نقد جريء للذات يعيد لها الحياة والوعي والبصيرة لتتصالح على كتاب ربّها وسنّة نبيّها وسنن الكون والنفس والمجتمع فتعيد صياغة نفسها على كلّ الأصعدة لتستحقّ أهلية البقاء والريادة، وليس أنسبَ للمراجعة والمحاسبة الذاتية من جوّ الحرية الذي أنعم الله به علينا في عدد من بلاد الربيع العربي وأتاح للأمّة أن تضع قدَمَها على طريق النهضة الجادّة بإسهام فاعل واضح من الحركة الإسلامية.


هذه المقالة تتبع سلسلة " مراجعات في زمن التحدي"
  • مراجعات في زمن التحدي (حلقة ثانية)

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة