فكر

كأس العالم نموذجٌ حي لفلسفة الحياة الدنيا

Feature image

انشغل العالم أجمع بما في ذلك العالم الإسلامي بأحداث كأس العالم، ومن لم يعتكف لذلك ويشد مئزره ويجمع ربعه ويحيي ليله؛ عاش الأحداث في ناديه أو تابع أخباره على أقل تقدير.

ويأتي هذا الاهتمام العالمي بهذه الظاهرة كأحد مظاهر ما يسمى بالعولمة، ولم يعد مجرد لعبة أو هواية؛ بل مهنة من أهم المهن المعاصرة، يعيش عليها أصحابها ومن يعولون. في ظل هذا التغير الفظيع والذي فرض نفسه على واقع حياة الناس، بحب الناس لها لا بحد السيوف؛ سقطت آراء كان يحلف أصحابها بحرمة كرة القدم، وبأنها لعبة “شيطانية”، وليست الكرة التي في الملعب وتركل هنا وهنالك في مجملها إلا تمثيلا بضرب رأس الحسين رضي الله عنه (وقد قيل للكاتب هذا الكلام كثيرا وهو في صباه).

وشاءت الأقدار أن تتغير الآراء تجاه ذلك شيئا فشيئا بعلة الأحكام تدور مع علتها وجوبا وعدما، أو تغيير الفتوى بتغيير الزمان. فالتدين بهذا – وأمثاله كثيرة لا تحصى- منوطٌ بآراء الرجال وفهمهم الدقيق، ومنوط بخلفية هؤلاء الرجال وثقافتهم؛ فلا عجب أن لا يتوافق تدين الأمس مع تدين اليوم. قرأ الكاتب عبر سطور كأس العالم أن مثل كرة القدم مثل الحياة الدنيا في فلسفتها وبيان حقيقة الإنسان، (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو).

 

الجهاد في تحقيق المنى

يُربى الإنسان على المشي والكلام وعلى مهنة من المهن، ليقضي حياته من بعد مجاهدا في تحقيق ما من شأن الحياة أن تستمر به.

وسعْي الإنسانِ في هذا لشتى؛ أمل وتحقيق، وإعادة بناء أمل والسعي نحو تحقيقه من جديد..إلخ، وفي ثنايا ذلك يكدر حياة قوم ويسعد آخرون، بينما يعتبر آخرون أن كل سعي الإنسان واتخاذه الأسباب عبادة؛ لأن الإنسان ما خلق إلا لذاك -ابتلاء-. فما على الإنسان أن يحزن أو يخاف.

هذا مثل الحياة الدنيا، ومن جهة أخرى نرى في الملعب رجالا طوالا وضخاما زادهم الله بسطة في الجسم والقوة، يُسخرون هذه القوى ذهابا وإيابا وراء هذا السراب، فإذا ما تمكنوا منه ركلوه إلى مكان آخر ليبنوا آمالا وطموحات جديدة في البحث عنه أيضا في مكان وظرف مغاير.. وهكذا إلى أن يرمي في الصندوق المخصص لذلك، وينتهي الوقت المحدد بنجاح هذا وشهادة ذلك، أو بالكر مجددا

وحدة الإنسان

لا يمكن استمرار الحياة إلا بوجود فعل وفاعل ومفعول به، والفاعل في الحياة هو الإنسان بتسخير الله المفعول به –الحياة وما فيها- له، وتستمر الحياة بأحداثها، والتي بمثابة فعل.

يلاحظ أن الحياة تقر بأن الناس في الأصل واحد من حيث المكونات، والإمكانات أو القدرات العقلية والبدنية، ومن حيث الفرص وأن كلهم على قدر المساواة أمام الخالق الذي ليس كمثله شيء، ويفهم من هذا أن كل من عاداه مثله شيء.

ولعل هذا هو الفهم السطحي العادي والبراءة الأصلية أو الفطرة. ومن جهة أخرى فإن ظاهرة كرة القدم تتكون أيضا من اللاعب؛ الفاعل، ومن المفعول به الكرة وما يخدم سيرها، والفعل هو الأحداث التي تحدث أمام الجميع في المعلب.

ولعل هذا يوحي إلى أن الجميع متساوون في الملعب، وأن الكرة في ملعبهم. وهذا أيضا هو الفهم العادي الذي يراه الناس. وكم يُذكرني ما يقال بأن كرة القدم لعبة خبيثة وراءها أيادي خفية، وأن النتيجة معروفة قبل المباراة؛ بالاختلاف القديم في الفكر الإسلامي حول هل الإنسان مسير أم مخير؟!

احتمالات تصرفات الناس

بما أن الإنسان هو الفاعل بتسخير الله الكون له؛ والذي بمثابة المفعول به، يمكن أن يصنع الإنسانُ الحدث “بمثابة الفعل” بطريق حسن أو بطريق قبيح. فيسعى في الحياة عزيزا كريما نحو هدفه مع مراعاة حقوق الغير الذي هو يتساوى معهم في الحياة، وفي الوحدة الإنسانية، وإن حدث في سبيل ذلك خطأ فالاعتذار كفيل لإرجاع السيف إلى قرابه عادة، ويمكن التصرف على عكس ذلك تماما، التصرف الأول هو الأكثر وهو المحمود وهو الأصل من حيث البراءة الأصلية أو الفطرة.

وعليه فالتصرف الثاني جريمة وإثم يكون مرفوضا ويعاقب عليه. وهذا المثال كحال وضع الكرة في الملعب بين اللاعبين، يتنوع تصرفات الناس في ذلك، فمنهم من يسعى إلى هدفه بكل احترام مرعيا حرمة الغير وحقه، وإن حدث خطأ يقر بذلك ويعتذر، ويمكن للقانون التدخل، كما يمكن التصرف الثاني، الذي يعاقب عليه، لأنه ليس أصلا وهو ضد الفطرة.

دور الشريعة في حفظ الحقوق

وهنا قد يضطر الإنسان “الفاعل” إلى الشريعة والقانون؛ في ضبط الأمور والتحقق من أن جميع التصرفات على اتساق مع الفطرة، وضمان أن التصرف الأول الذي يتولد من السجية والفطرة والبراءة هي السائدة؛ -بناء على احتمالية تعدد التصرفات-، وحين الخروج عن هذا الأمر السوي يتدخل القانون بقوته لإرجاع الأمور إلى نصابها.

وعلى فلسفة الأديان يتولد هنا الحاجة إلى إرسال الرسل، والتأكيد على وجود الله وعبادته وحده، والحكم بشريعته. وعلى فلسفات أخرى فإن الناس بحاجة إلى شرائع مطلقا، فلا ضير من وجود حكام في الملعب لضمان الحقوق. وهذا سر التنظيم الظاهري لظاهرة كأس العالم ودور الاتحاد العالمي لكرة القدم، في كل ما يتعلق بالأمور التنظيمية والتنفيذية وآليات إجراءاتها. ودائما يؤكد لنا القانون الوضعي سموّ القانون الإلهي في هذا الصدد. ويلاحظ في أمر القانون بنوعيه أنه لا بد أن يكون سلسلا مرنا قابلا للتغيير، خاضعا للمقاصد..

فطرية التدين

من جهة فلسفة الحياة وطبيعتها يقر لنا التاريخ والمؤرخون أن جميع المجتمعات البشرية عاينت معابد ودورَ عبادات، بدون استثناء. ما يدل على فطرية التدين عند الإنسان. وظاهرة كرة القدم تؤكد لنا هذا، وإليك على الأقل ثلاث مظاهر دالة :

1.  مظهر اللاعب المتدين قبيل وعند دخوله الملعب، -والكاتب هنا لا يتكلم عن دين معين-. فكثيرا ما تُرينا الشاشات حالات اللاعبين لدى دخولهم الملعب وأثناء التغيرات يقبلون أيديهم بحركات التثليث، أو رافعين أيديهم إلى السماء مخاطبين وناجين إلهم، ويقرأ مسلموهم الفاتحة أو يدعون بالطريقة التي تفرد بها الإسلام في الدعاء.

2. ويؤكد هذا مظهر اللاعب الذي ينجح في مهمة تسجيل هدف. أيضا نجد أن المسيحيين أو النصارى يثلثون شاكرين من هداهم إلى هذا الإنجاز، ونجد أن المسلمين يسجدون سجود شكر، كما أن آخرين -وكيرا ما يحيرني هذا- يكتفون برفع أيديهم إلى السماء، ويقلبون بوجوههم في السماء ويدلنا هذا بدون شك أنه يشكر ربه الذي جعله ناجحا؛ لكن لا يمكن البت بمجرد هذه الحركة ببيان الدين الذي يؤمن به هذا الرجل؛ رغم دلالة الحركة على التدين.

3. بل وإن حالات المشجعين لتوحي في بعض الأوقات إلى التضرع إلى ربهم، آملين أن يفتح على فِرقهم بهدف، وأن يخرجهم من هذه المأساة التي   قاربت المباراة على الانتهاء بها.

الأخلاق العالمية .. احترام الإنسان لإنسانيته

بحكم نظرية وحدة الإنسان السالف ذكره، وبناء على واقع تعدد ألوان الفرق المشاركة، بل تنوع الألوان في الفريق الواحد، رأى الباحث أن من الجميل الوقوف على شعار كأس العالم والاتحاد العالمي لكرة القدم في الآونة الأخيرة. وهو “قل لا للعنصرية”. ويدل هذا على أمور:

  1. تفشي ظاهرة العرقية والعنصرية في أحداث كرة القدم، وهي أحداث يفترض أن تكون مبنية على الوحدة الإنسانية، فمن الخطأ وجودها، لذا يُسعى إلى قلع جذورها من الوجود. ومن هنا اهتم به المعنيون من حيث الظاهر. وهذا يعكس لنا دور الأديان جميعا من قبل في محاربة هذه الظاهرة، بناء على وحدة الخلق الإنساني ووحدة خالقهم؛ إلا أن بعض التفسيرات الدينية تحاول إرجاعهما من جديد.
  1. وهذا يدل على أن هذه الظاهرة مرض من الأمراض التي يعتري الإنسان، ويزينه الشيطان له، فالأمريكي الشمالي أفضل من الأوروبي، والأمريكي اللاتيني أفضل من كذا وكذا..!!
  1. من الجميل الذي يحسب للاتحاد العالمي لكرة القدم الاهتمام العلني بحل هذه الظاهرة، وتوعية اللاعبين والإداريين والمشجعين على احترامها. ومن هنا يجب أن ينص قائد الفريق على ذلك في مخاطبة جماهيره واللاعبين من قبل. مع احتمال وجود عدد غير قليل لا يؤمن بالشعار إلا أن الواقع فرض نفسه.
  1.    ومن هنا يُتأسف على حال من يملكون آلاف النصوص الدينية الدالة على المساواة وعلى وحدة الخلق، إلا أن عقولهم الباطنية ما زالت تنظر النظرة الجاهلية المنتنة، وتراهم يرددون هذا النصوص ليل ونهار، وأفعالهم وتصرفاتهم مختلفة تماما مع هذه النصوص.

دور العصبية في النجاح عموما والفوز بالكأس خصوصا

لا يقصد بالعصبية هنا العصبية الجاهلية المنتنة، والتي فرغنا من الحديث عنها، وإنما الاستفادة من مصطلح ابن خلدون، وتعني الدافع للإقدام على أمر ما، وعدم الرضا إلا به، فثمة مبدأ كبير يجمع الجميع ويناضل من أجله كل من انغمس في هذا المبدأ، وهذا من أكبر أسرار النجاح، وبناء حضارة عالمية، إذ تكون العصبية بهذا وازعا للنجاح مُبعدا للفشل، وما ذاك إلا أن التصورات دوافع سلوك، وعلى قدر ما تحمل من تصور ورؤية؛ تتكون قوة الدافعية السلوكية.

يلاحظ أن أغلب الفرق المشاركة في كأس العالم لها مكانتها في كثير من مجالات الحياة الأخرى، ولها كلمة مسموعة وحضور ملموس؛ لا ينكر، فكلما أثبت منتخب نفسه بنجاح بلده أمنيا، واقتصاديا –اكتفاء ذاتي على الأقل-، وسياسيا وفكريا، وثقافيا؛ كلما تأهل للمشاركة في الكأس أولا واضعا أقرانه في نقطة التفرج، بل وكلما أثبت دولة المنتخب نفسه خارج الملعب كلما قوي ترشيحه لنيل الكأس.

بعد كل ما سبق من -بداية المقالة إلى الآن-؛ يلاحظ أن رغم تساوي الفرص ظاهريا من حيث استحقاق الإدارة، والتنظيم، ومن حيث الفوز والحصول على اللقب، ورغم تساوي عدد اللاعبين في الملعب نجد أن ثمة فرق كبرى هي من في طليعة المرشحين دوما للفوز ونيل الكأس، فما السر يا ترى؟ هل هم مجبرون على الفوز، أم أن الآخرين مسيرون على الخسارة؟ ولماذا هذا الدراما الخارجي الذي يستمر في 64 مباراة؟

الجواب هو أن الجميع بشر، يملكون حق الفعل لأنهم الفاعلون، ويجاهدون بما أعطوا من قوة لتحقيق مناهم، ويعضدون ذلك بمناجاة ربهم ودعوته، والفرصة هي عينها، لكن لعل كل من رشح لنيل الكأس توفر لديه عامل آخر بالإضافة إلى كل ما سبق، وهو عامل العصبية. فلا يمكن للفريق الفلاني أن يخسر وهو يمثل كذا، وبخاصة وهو يلعب ضد الفريق الفلاني. وعليه فإن عوامل النجاح في الدنيا قريبة من عوامل الفوز بكأس العالم، ويمك إجمال هذه العوامل على النحو التالي:

–              وضوح الهدف وتوافر عوامل النجاح من العدد والعدة، وأحيانا الوازع والدافع يغلب العدد.

–              المجاهدة في بلوغه أو الموت دونه. (عبادة)

–              قوة العصبية ووجود وازع النجاح والمساندة من الجميع (فهو يقوم بعمل شريف، وقومه معه).

–              إمكانية دفع الناس بعضهم لبعض، ولو فقد ذلك اضمحل الآخر وتلاشى.

الخاتمة

لماذا يكتب في مثل هذه الأمور، وعندنا من القضايا ما يستحق الكتابة، مثل تأكيد أهمية التوحيد، وإرجاع الناس إلى دينهم، وبيان الدين للناس والدعوة إليه، ومحاربة البدع والضلالات، والسعي إلى وحدة المسلمين، والنهضة الإسلامية، وإرجاع الأراضي المغصوبة، والجهاد في سبيل الله، ووجوب الولاء والبراء، وأهمية الصيام وفضله، والتفرغ لعبادة الله..إلخ. ولعل حال هذه المقالة يصلح جوابا فعليا لهذا السؤال!!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة