X

لماذا أميركا تملكُ كلّ الأجوبة؟

لفهم مسار العلاقات الدولية على أساس عقلاني لا بدّ من فهم منهجية صانعي القرار بشكل عام في ابتكار المصطلحات وفي تعميمها على الرأي العام العالمي  بما يتناسب مع مصالحهم، وبما يُظهرهم بمظهر القوى العُظمى التي ما زالت قادرة على التحكّم بمفاصل العلاقات الدولية، والتي ما برحت تعتبر نفسها المُشرفة على سيرورة النظام العالمي، باعتبارها القوى التي تمتلك الحلول الناجعة في مواجهة الأزمات والتحديات الدولية الجديدة أياً كان نوعها سواء اقتصادية أم بيئية أم سياسية.

وما اتجاه الأنظار إلى موقف البيت الأبيض من أي أزمة غير واضحة المعالم قد تشهدها دولة ما  إلا خير دليل على التسليم بمنطق أن هناك دوماً من يمتلك الإجابة عن أي ظاهرة غير مفهومة، وإن كانت هذه الظاهرة هي نتاج سيرورة تطور اجتماعي في بلادنا، وهو ما قد يفقهه صُنّاع القرار  في تلك الدولة وما لا تفقهه القوى الكُبرى وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية.

وهنا يُطرح السؤال؟  لماذا هذا التسليم بقدرة الولايات المتحدّة على تشخيص أو توصيف أي ظاهرة أو  أي حركة أو أي حدث ؟

قد يرى البعض أن هذه الدولة تملك دائماً الإجابة لأن لديها أقوى جهاز استخباراتي في العالم. فيما يرى آخر أن الجواب موجود في حوزة البيت الأبيض نتيجة القوّة الدبلوماسية الأميركية،  ما يجعلها قادرة على الإلمام بتفاصيل أي حدث له تداعيات إقليمية أو دولية.

وقد يتجه الباحثون إلى القول بأن الجواب  موجود في جُعبة  “العمّ سام” وتحديداً في نتائج الأبحاث الذي تقوم بها مراكز الدراسات الأميركية، والتي قد تستنبطُ مُسبقاً إحتمالات  وقوع أزمة هنا أو مشكلة هناك، نتيجةالتفكير بعقلية الإنذار المُبكر .

 يسعى صّناع القرار في الإدارة الأميركية بشكل دائم للبحث عن مصطلحات تبدو مفيدة لمصالحهم وذلك في تحليل المشاكل والتحديات المعاصرة المطروحة، وذلك إنطلاقاُ من الواقعية السياسية التي يؤمنون بها والقائمة على المذهب البراغماتي.

من الممكن أن تصحّ جميع تلك الفرضيات المذكورة أعلاه، ولكنّ السرّ الحقيقي يكمن في  تميّز و إنفراد المنهجية الأميركية بالتعامل مع أي مسألة،  والتي تعتمد في الأساس على اعتناق البيت الأبيض للمذهب البراغماتي. وهو مذهب فلسفي –سياسي   يؤمن معتنقوه أن نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة.

فصنّاع القرار الأميركييون يتصرّفون  من خلال النظر إلى النتائج العملية المثمرة التي قد  يحصلون عليها من خلال قراراتهم ، إذ أنهُم لا  يتخذون قرارهم بوحيّ من أيديولوجية سياسية محددة ، أو فكرة مُسبقة، وإنما من خلال النتيجة المتوقعة لقرارهم في مسألة ما في وقت معين وفي إطار نظري معين ومن أجل مصالح مُحددة.

وعليه، فإن  صّناع القرار في الإدارة الأميركية يسعون بشكل دائم للبحث عن مصطلحات تبدو مفيدة لمصالحهم وذلك في تحليل المشاكل والتحديات المطروحة في الأوقات الحاضرة. فهذه الطريقة الإنتقائية  تفسح لهم المجال باستخدام المصطلحات الجديدة تبعاً لمصالحهم ومن دون الإكتراث إلى المفاهيم العامّة السائدة عند الرأي العام العالمي.

فعلى سبيل المثال، ابتكرت المدرسة الأميركية البراغماتية في العلاقات الدولية العديد من المصطلحات كـ” Fragmegration  ” للدلالة على التشرذم السياسي و “integrations” أي الإندماجية السياسية، وهم أيضاً أول من روّجوا مصطلح “creative chaos” أو الفوضى الخلاقة لوصف وتبرير الحروب والنزاعات الشرق أوسطية وفق مخططاتهم لشرق أوسط جديد، كما أنهم أول من  تحدّث عن مفهوم ” governance”  الذي يُثبت مساعيهم بوجود هيئة عالمية غير حكومية تُدير العالم بإيعاز منهم، بالإضافة إلى تعويم مصطلح “الإرهاب” الذي لم يُتفق حتى اليوم على تعريف عالمي موحد له.. وغيرها العديد من المصطلحات المُستخدمة في العلاقات الدولية.

باختصار، إن إيجاد الأميركييون سواء من صنّاع قرار أو من باحثين لمصطلحات جديدة تُظهرهم بموقع القويّ الفاهم لما يحدث من ثورات وحروب وحتى أوبئة وتحديات بيئية من كوارث طبيعية، كما تجعلهم بموقع المُتحكّم بزمام الأمور.

وكل ذلك يأتي في إطار التكيّف مع الواقعية السياسية ذات المعطيات الجديدة ، فهل نحن مُدركون لأهمية المصطلحات في صناعة التاريخ؟

سحر ناصر :