حسن حسني عبدالوهاب العالم و الأديب والباحث، من أشهر رجالات تونس في العصر الحديث ومن أكثرهم خبرة في شؤون التراث العربي الإِسلامي وما يتصل به.

المولد والنشأة

ولد حسن حسني عبد الوهاب في تونس في (شعبان 1301هـ = يوليو 1884م) بعد احتلال فرنسا لتونس بنحو ثلاثة أعوام، فنشأ في بلد مبتور السيادة، خاضع لدولة أجنبية تتولى إدارة شئونه وتسعى بكل وسائل القهر والإغراء إلى إدماجه في القومية الفرنسية، لسانا وثقافة وحضارة.

وكانت أسرته من أسر تونس العريقة التي كان لها شأن في الأدب والسياسة؛ فأبوه كان متخرجا في الزيتونة، وتعلم الفرنسية حتى أجادها وتولى وظائف مرموقة بالدولة، وقد عني والده به عناية فائقة، وحرص على تنشئته نشأة إسلامية عربية. ولما انتقل أبوه إلى ولاية المهدية وتولى أمرها ألحقه بأحد الكتاتيب فحفظ شيئا من القرآن ثم التحق بالمدرسة الابتدائية حيث حفظ الربع الأخير من القرآن، ودرس شيئا من علوم اللغة والدين، ثم انتقل إلى تونس بعد رجوع والده إليها، فأتم دراسته في مدرسة فرنسية، ونال الشهادة الابتدائية سنة (1317هـ = 1899م).

ثم التحق بالتعليم الثانوي بالمدرسة الصادقية التي تأسست قبل الاحتلال الفرنسي وكانت منارة للعلم بعد جامع الزيتونة في تونس، وعنيت بتعليم اللغة والأدب على يد نخبة من شيوخ الزيتونة، وبتعليم الفرنسية وجملة من العلوم والفنون الحديثة، وكان يمكن للمتخرجين في هذه المدرسة الالتحاق بالجامعات الفرنسية، وكان حسن عبد الوهاب يتردد على جامع الزيتونة ويتصل بشيوخه الأعلام، ويتخذ منهم قادة له وروادا، وتردد على خزائن الكتب به، يطالع فيها نفائس المخطوطات في اللغة العربية وآدابها، والتاريخ الإسلامي وحضارته.

ولما أتم دراسته الثانوية سافر إلى فرنسا، والتحق بمدرسة العلوم السياسية بباريس، حيث توسع في دراسة القانون والسياسة والاقتصاد، ثم شاءت الأقدار ألا يستمر في دراسته، فعاد بعد عامين إلى وطنه سنة (1323هـ = 1904م)؛ نظرا لوفاة والده.

الوظائف الإدارية

وبعد عودته إلى تونس انخرط في العمل الإداري، فالتحق أولا بإدارة الفلاحة والتجارة سنة (1324هـ = 1905م)، ثم انتقل بعد أربع سنوات رئيسا لإدارة الغابات بالشمال التونسي، ثم انتقل إلى الإدارة الاقتصادية التي تُعنى بشئون المال والتجارة، ثم عين في سنة (1340هـ = 1920م) رئيسا لإدارة المحفوظات التونسية فأحسن تنظيمها وتنسيقها، ووضع لها النظم التي يسرت عملها وفهرسة محتوياتها، وقد استفاد من عمله في هذه الإدارة التي كانت من محاسن مؤسسات الوزير المصلح ” خير الدين التونسي “، وجعلته يقف على التاريخ التونسي منذ الفتح التركي حتى وقت نهوضه بعمله.

ثم بدأ في تولي شئون الولايات التونسية منذ سنة (1345هـ = 1925م)، فتولى ولاية المثاليث والمهدية والوطن القبلي، وقضى في ذلك نحو خمس عشرة سنة، قام خلالها بخدمة تلك الولايات ثقافيا وعمرانيا، فأسس المدارس والمكتبات، وعبّد الطرق، وزود القرى بوسائل الإضاءة ومياه الشرب الصالحة، وكان يلقي محاضرات ثقافية في تلك الولايات، ويدخل في حوار مع أهاليها.

وعلى الرغم من بلوغه سن التقاعد فقد احتاج المسئولون في تونس إلى خبرته وكفاءته؛ فعين في سنة (1361هـ = 1942م) مديرا لمصلحة الأوقاف، فحافظ عليها وحماها من أيدي الطامعين في الاستيلاء عليها، ثم اختير في سنة (1362هـ = 1943م) وزيرًا للقلم (الخارجية)، حيث أشرف على الشئون الداخلية للبلاد، وتولى أمر المراسلات مع الدول والهيئات الأجنبية، وظل في منصبه هذا حتى سنة (1366هـ = 1947م) حيث أعفى نفسه من أعباء هذا المنصب، وتفرغ للتأليف والسفر إلى الأقطار الشرقية والعربية.

ولما نالت تونس استقلالها، وترك الفرنسيون وظائفهم الإدارية دعي من جانب الحكومة التونسية الجديدة لرئاسة المعهد القومي للآثار والفنون فلبى الدعوة في سنة (1376هـ = 1957م) على الرغم من كبر سنه، وأقبل على عمله مملوءا همة ونشاطا، وقضى في تلك الوظيفة خمس سنوات، نقل خلالها مصلحة الآثار من مقرها القديم المتهالك إلى دار فخمة كان يسكنها قائد الجيش الفرنسي، وأسس خمسة متاحف، أربعة منها للآثار الإسلامية، والخامس للآثار الرومانية في قرطاجنة.

النشاط العلمي والأدبي

وإذا كانت حياة حسن حسني عبد الوهاب حافلة بأنواع النشاط في الأعمال الإدارية فإنها كانت مليئة بالإنجازات العلمية الجليلة، حيث لم ينقطع عن البحث والكتابة وإلقاء الدروس والمحاضرات والمشاركة في حضور المؤتمرات، والكتابة بالعربية والفرنسية إلى المجلات والدوريات. وقد بدأ نشاطه العلمي بحضور مؤتمر المستشرقين الذي عقد في الجزائر سنة (1323هـ = 1905م) بترشيح من صديقه وراعي نشأته “محمد الأصرم” رئيس الجمعية الخلدونية، وقدم في هذا المؤتمر الحافل بحثا محررا بالفرنسية عن العهد العربي بصقلية، والتقى بجمع من علماء العرب والمستشرقين، من أمثال “محمد فريد” رئيس الحزب الوطني المصري، ولويس ماسينيون من فرنسا، وآسين بلاسيوس من أسبانيا، وجورج براون من إنجلترا، وتوثقت صلته بهم، وحرص على أن يشهد مؤتمرات المستشرقين بانتظام، وكان له فيها مساهمة ملحوظة وتعقيبات مشكورة، وغيرة محمودة، فحين قدم الأب لافيس والأب لويس شيخو اليسوعيان بحثا عن وصف النبي بما لا يليق في مؤتمر كوبنهاجن سنة (1326هـ = 1908م) نهض حسن حسني عبد الوهاب للرد عليهما في لغة ناصعة وبرهان قوي، وكان لمعارضته صدى كبير لدى الحاضرين، وتأييد عظيم منهم.

ثم سنحت له فرصة التدريس على يد محمد الأصرم حين انتدبه لتدريس التاريخ بالجمعية الخلدونية لنشر العلوم العصرية سنة (1326هـ = 1908م) فوجد في ذلك ميلا ورغبة ورضا لطموحه، وأقبل يبث في طلبته روح البحث والدرس، ويوجههم إلى دراسة الوثائق والآثار؛ لاستنباط ما ليس موجودا في الكتب، أو لدعم الأخبار المنقولة عنها بما تشهد به النقوش والنقود، وبذلك خطا بالدراسات التاريخية التونسية أشواطا بعيدة، وجعلها تتسم بالدقة والأمانة، والاعتماد على الآثار باعتبارها أحد المصادر المهمة لتاريخ البلاد.

ولا شك أن تمكنه من الفرنسية واطلاعه على المؤلفات الغربية وطرائقها في دراسة  التاريخ، أفاداه في الدرس والكتابة، كما أن مطالعته لكتب المستشرقين ومخالطته لهم جعلته يعتني بالآثار وتتبع الحفريات، وتعاون في ذلك مع المختصين في الآثار الإسلامية بالمغرب، وكانت له يد طولى في التنقيب عن الآثار الإسلامية، وبخاصة في المهدية والقيروان ورقادة.

عضوية المجامع العلمية

كان حسن حسني عبد الوهاب كثير الأسفار للمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية في الجزائر والمغرب وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والدانمارك والسويد وغيرها، وقد لفت الأنظار إليه بثقافته الواسعة، وبيانه الواضح القوي، فدعته المجامع العلمية لعضويتها، فاختير عضوًا مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق منذ أول تأسيسه في سنة (1340هـ=1921م)، وكان أحد الخمسة العرب من غير المصريين الذين اختيروا لتأسيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة في سنة (1351هـ=1932م). ويذكر له موقفه المعارض للاقتراح الذي قدمه أحد أعضاء المجمع باتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية.

ولم تقتصر عضويته على المجامع العربية، بل دعته بعض المجامع الأوروبية لنيل عضويتها، فكان عضوًا مراسلاً لمجمع الآداب والكتاب الفرنسي، وعضوًا مراسلاً لمجمع التاريخ الأسباني، وعضوًا عاملاً باليونيسكو.

مؤلفاته وبحوثه

أخرج حسن حسني عبد الوهاب عشرات من الكتب والرسائل في الأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد بعضها كان تأليفًا، وبعضها الآخر كان تحقيقًا.

أما مؤلفاته فهي:

* بساط العقيق في حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق، وهو أول كتاب يصدره ويخرجه للناس سنة (1330هـ=1912م).

* خلاصة تاريخ تونس، ونشره بتونس سنة (1332هـ=1914م) وقد اشتهر هذا الكتاب وأعيد طبعه مرات عديدة.

* المنتخبات المدرسية للناشئة التونسية، وصدر سنة (1336هـ=1981م)، ثم أعيد طبعه بالقاهرة باسم المنتخب المدرسي من الأدب التونسي.

* الإرشاد إلى قواعد الاقتصاد، ونشر بتونس سنة (1337هـ=1919م).

* شهيرات التونسيات، وصدر سنة (1342هـ=1924م).

* الإمام المازري، وهي رسالة صغيرة عن حياته، وطبعت بتونس سنة (1375هـ=1955م).

* ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية، جمع فيها بعض مقالاته المنشورة في المجلات وصدر في ثلاثة مجلدات.

* كتاب العمر.

* مشاهير أحبابي.

وقد أولع حسن عبد الوهاب منذ شبابه المبكر بجمع النفائس من المخطوطات، وتكونت لديه مجموعة نادرة منها، أخرج منها تسعًا، سلك في تحقيقها مسلكًا علميًا دقيقًا، ومن هذه الكتب:

* أعمال الأعلام بمن بويع قبل الاحتلام من أئمة الإسلام للسان الدين الخطيب، وطبع في بلرم سنة (1328هـ=1910م)، والمنشور من الكتاب قطعة متعلقة بصقلية.

* رسائل الانتقاد لمحمد بن شرف القيرواني، ونشرت لأول مرة سنة (1329هـ=1911م) في مجلة المقتبس الدمشقية التي كان يصدرها محمد كرد علي.

* ملقى السبيل لأبي العلاء المعري، وقد نشر في مجلة المقتبس مصدّرا بكلمة عن المعري وشوبنهور سنة (1330هـ=1912م).

* وصف إفريقية والأندلس، وهو مأخوذ من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، ونشر بتونس سنة (1339هـ=1920م).

* كتاب يفعول للصاغاني ونشر بتونس سنة (13433هـ=1924م).

* كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون، ونشر بتونس سنة (1350هـ=1937م).

الوفاة

كان حسن حسني عبد الوهاب موضع تقدير دولته وثقتها، تعهد إليه بالأعمال فينهض بها على أحسن ما يكون، ومثلها في كثير من المؤتمرات والمنتديات العلمية فكان خير سفير لها، ورأس كثيرًا من بعثاتها، لعل من أكرمها أنه ترأس بعثة الحج الرسمية لتونس مرتين: الأولى في سنة (1358هـ=1939م)، والأخرى سنة (1344هـ=1963م)، وفي هذه الرحلة الميمونة مر بمصر ممثلاً للحكومة التونسية في عيد جامعة القاهرة، ومُنح في هذا المهرجان درجة الدكتوراه الفخرية من كلية دار العلوم.

ولم ينقطع عن الرحلات التي اعتادها في أيام حياته إلا سنة (1383هـ=1964م)، وكانت آخر رحلة له حضوره دورة انعقاد مجمع اللغة العربية بالقاهرة، إذ أقعده المرض بعدها عن الخروج من البيت، لكنه ظل متيقظ العقل وافر النشاط، يفتح بابه للمترددين عليه من أهل العلم والأدب، ويجيب على ما يرد عليه من أسئلة وقضايا من خلال بريده، ومكث على هذا النحو حتى لقي الله في (18 من شعبان 1388هـ=9 من نوفمبر 1968م).

وبعد وفاته بسبعة عشر عامًا أقامت الحكومة التونسية حفلاً تذكاريًا بمناسبة مرور مائة عام على مولده.

  أحمد تمام – باحث مصري في التاريخ والتراث.

هوامش ومصادر:

  • محمد حجي: تراجم المؤلفين التونسيين – دار الغرب الإسلامي – بيروت.

  • محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار القلم – دمشق – 1420هـ=1999م.

  • إبراهيم بيومي مدكور: مجمع الخالدين – مطبوعات مجمع اللغة العربية – القاهرة – 1983م.

  • محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية – القاهرة – 1406هـ=1986م.

  • محمد الفاضل بن عاشور: كلمة في تأبين حسن حسني عبد الوهاب – مجلة مجمع اللغة العربية – العدد (25) – 1389=1969م.

  • محاضر جلسات مؤتمر مجمع اللغة العربية (الدورة السابعة والثلاثين) – 1391هـ=1971م.