الجوع أم العطش أيهما تفضل؟! إطعام العالم أو تعطيشه..تلكم هي المعادلة الصعبة، إذ يبدو أن المستقبل لا يضمن لك الغذاء والماء معا.. فزيادة إنتاج الغذاء تحتاج لماء أكثر.. وهو ما يعني عطش العالم.. وحماية الموارد المائية تعني غذاء أقل.. ليزيد عدد الجوعى.. فاليوم هو 16-10 اليوم العالمي للغذاء، وعلى الرغم من ذلك فسيأوي سبع سكان العالم (800 مليون شخص) هذا المساء إلى فراشهم وهم جوعى.

وقد أخذت الحكومات المختلفة على عاتقها مسئولية إطعام هؤلاء وسد جوعهم، في الوقت الذي تحفز فيه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) هيئة التحالف الدولي ضد الجوع على تفعيل دورها الرئيسي لتطوير الزراعة، خصوصا في الدول النامية، حيث يعيش من نستطيع أن نسميهم “الجوعى المزمنين”.

وضمن الطرح السائد إطعام العالم أو تعطيشه، بحلول عام 2050 سيواجه العالم تحديا شديدا، وهو الحاجة الملحة لإنتاج كميات أكبر من الغذاء لسد حاجة الزيادة السكانية المتوقع أن تبلغ بليوني نسمة. لكن على العالم أيضا وفي الوقت نفسه أن يتوصل إلى وسيلة تحافظ على كمية المياه الصالحة للشرب، حتى لا يوفر الغذاء بإنقاص الماء.

الري.. المصدر الرئيسي للطعام

كان الري هو المسئول عن أكثر من نصف الزيادة التي حدثت في كمية الغذاء العالمي في الفترة من 1960 إلى 1980 وهو ما أطلق عليه “الثورة الخضراء”، وفي عام 2000 قدر الإنتاج الزراعي بحوالي 40% من إجمالي كمية الغذاء المنتج في العالم. إلا أنه لسد الزيادة المنتظرة في احتياجات الغذاء يجب زيادة الرقعة الزراعية الحالية قرابة 20% خلال الخمسة والعشرين عاما القادمة.

لكن على الجانب الآخر.. من أين سيأتي الماء اللازم لكل هذا، إذا علمنا أن الزراعة تستهلك بالفعل 70% من مصادر الماء المتاحة في العالم، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 90% في الدول النامية؟ هذا إضافة إلى ظاهرة الاحتباس الحراري التي ستؤثر سلبا على مصادر المياه.

لا نستطيع الإنكار أن كثيرا من الماء المستخدم في الري يعود ثانية إلى البيئة، لكنه يعود محملا بالمبيدات الحشرية والمخصبات التي تستخدم في الزراعة، وملوثا بسبب تحلل التربة.

كما أن تغيير مجرى المياه، وبناء السدود قد عرقل تدفق الأنهار، نتيجة لذلك نقصت بشكل ملحوظ كميات المياه المتاحة للشرب ومختلف الاستخدامات الأخرى ودمرت النظم البيئية للأنهار، بما في ذلك مصايد المياه العذبة، التي تعد مصدرا حيويا للبروتين ووسيلة كسب أساسية للكثير من مواطني البلدان الفقيرة.

وما حدث في كراتشي كبرى مدن باكستان مثالاً واضحا على ذلك؛ فهي تعاني الآن من نقص في مياه الشرب كان أحد أهم أسبابه ما تعرض له نهر الإندوس الذي تسببت طرق الري المستخدمة وبناء سد عند منابعه في جفاف المناطق الدنيا منه.

وجف مع المياه مصدر رزق 80% من 5 ملايين صياد كان الصيد في النهر قرب مقاطعة السند الجنوبية يؤمن لهم عيشهم، وهم الآن يجوبون مدن باكستان بحثا عن عمل يعفّون به أنفسهم. وقد لا يقتصر الأمر على الصيادين فقط، فربما لحق بهم المزارعون قريبا بسبب نقص مياه الري؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب الملوحة في الأراضي الزراعية.

الحل.. زيادة إنتاجية المياه

يبدو الأمر وكأننا لا نستطيع أن نطعم العالم دون أن نعطشه أو نظمئه.. إلا أن حل هذه المعادلة الصعبة يكمن في زيادة إنتاجية المياه، أي الحصول على غذاء أكثر باستخدام نفس كمية المياه الحالية. أو بعبارة أخرى، زيادة المحاصيل المنتجة من نفس المساحة المزروعة، مع تثبيت كمية مياه الري.

هذا مع ضرورة الحفاظ بكافة السبل الممكنة على النظم البيئية للأنهار والمجاري المائية والمياه الجوفية، وترشيد استهلاكها بل وتوفيرها أيضا.

يمكن لأساليب الزراعة والري الحديثة أن تحقق هذا الهدف وتستثمر المياه بدون إهدارها. ولنا أن نعلم أن طرق الري التقليدية تتسبب في إهدار ما لا يقل عن 60% من الماء المستخدم.

أما تقنيات الري بالتنقيط والري المحوري، بالإضافة إلى تسوية سطح الأراضي باستخدام الليزر فكلها يعمل على تقليل كمية الماء المطلوب للري؛ وبالتالي “المهدر” بشكل كبير، قد يصل في بعض الحالات إلى 80%.

ومن ناحية أخرى، تسهم بعض الطرق المستحدثة في الزراعة مثل تغطية التربة بمواد عضوية أو كيماوية (مغطيات تربة Soil Mulching ) وغير ذلك من الأساليب في تقليل عملية البخر؛ وبالتالي فقد الماء من التربة.

أما المحاصيل المزروعة فمن المهم اختيار ما يتناسب منها مع المكان والموسم اللذين تتم فيهما الزراعة. ففي حوض نهر النيجر، يزرع الأرز (المشهور بأنه الأكثر استهلاكا للمياه) في موسم الجفاف، رغم أن مجرد التحول لزراعة القمح بدلا من الأرز سيخفض استهلاك الماء من 40 إلى 20%.

بل إن بوسع المزارعين تقليل الماء المستهلك بنسبة تصل إلى الثلث باستزراع أنواع أخرى من الأرز تستلزم كميات أقل من الماء. ولا بد أن يسبق بناءهم السدود تخطيطٌ جيدٌ لتقليل وقعها على الأنظمة البيئية للأنهار، ويجب أن يتم استغلال مياه الأمطار بشكل أكثر كفاءة مما يحدث الآن.

وفوائد طرق الزراعة المعنية بالحفاظ على الماء عديدة؛ فهي لا توفر الماء فحسب إنما تزيد أيضا من إنتاجية الأراضي وترفع قيمتها، خافضة على الجانب الآخر الاحتياج العالمي للمبيدات الحشرية والفطرية والآلات اللازمة لفلاحة الأرض.

في النهاية، يبدو جليا أن المعادلة الصعبة في إطعام العالم أو تعطيشه،تثبت بشكل أو بآخر أن العالم ما زال قادرا على موازنة هذه المعادلة بين توفير الغذاء وحماية موارد الماء. كل ما ينقصه، عزيمة قوية وتكاتف عالمي لتطبيق نظم الزراعة التي تساهم في إدارة المصادر المائية.. لتوفير الماء والغذاء لكل من يعيش على هذا الكوكب.


جاسون كلاي- ريتشارد هولاند


– د. جاسون كلاي: مدير مركز ابتكارات حماية البيئة التابع للصندوق الدولي للحياة البرية، ومقرر مؤتمر الزراعة العالمية والبيئة (2003).

– ريتشارد هولاند: مستشار سياسات استدامة الموارد المائية ببرنامج المياه التابع للصندوق الدولي للحياة البرية.

– ترجمة: د.حسام منير، محرر بالقسم العلمي – إسلام أون لاين.نت