إحدى أهم ما يشوب نظرة الغربيين إلى الإسلام ويؤدى إلى كثير من سوء الفهم أنهم لا ينظرون إلى الإسلام كمنظومة متكاملة للإنسان والكون وعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالكون الذي يعيش فيه وعلاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى وعلاقة كل ذلك بالله سبحانه وتعالى.

إن ابتسار جزء من هذه المنظومة المتكاملة دونما نظر إلى بقية أجزاء المنظومة وعلاقة هذا الجزء بها لا يؤدي فحسب إلى عدم فهم وإدراك أبعاد المنظومة، وإنما أيضا إلى عدم فهم وإدراك خلفيات هذه الجزئية التي نركز عليها النظر.
ينطبق هذا على وضعية المرأة وعلى حرية الرأي إلى غير ذلك مما يثيره الفكر الغربي مما يظنه مطاعن في دين الله تعالى.

ولذلك لا ينبغي أن تتناول أية جزئية من هذه الجزئيات إلا في إطار خلفياتها وأبعادها التي غالبا لا يفهمها الإنسان الغربي ولا يدرك مراميها، إنه قد يؤمن بالله تعالى ولكنه لا يؤمن بأن هذا الإله حدد له منهجه وطريقه في الحياة وأنه لا يملك إزاء هذا إلا أن يسمع له ويطيع وإن أعمل عقله في محاولة إدراك علة الأمر الإلهي أو بعض مراميه وأبعاده.

وعلى المسلم أن يفهم طبيعة هذا الدين وأبعاده العقائدية والفلسفية إلى الإنسان والمجتمع، ووضع الإنسان من الكون ورسالته التي هي تعمير الأرض بمنهج الله سبحانه، لا الانطلاق بلا قيود أو ضوابط، لأن إدارة النقاش على غير ذلك الأساس سيكون بناء على غير أساس مكين، والمناقشة في مسألة فرعية دون ربطها بالأصول العقائدية الفلسفية والتصورات الإسلامية سيؤدي إلى عدم فهم حكم الإسلام في هذه الفرعية فهماً صحيحا.

لكن ماذا عن وضعية المرأة في الشريعة الإسلامية ؟ ولماذا شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين؟ وقد يتساءل البعض أيضا عن ميراث المرأة الذي يكون مساوياً لنصف ميراث الرجل الذي تكون صلته بالمتوفى بنفس درجة المرأة.

ويلزمنا أن نقف الوقفات التالية:

أولاً: يتحتم معرفة الأحوال المجتمعية بل والعالمية التي نزلت فيها رسالة الإسلام وماذا كان وضع المرأة في هذه الأحوال، فقد يجلي ذلك مدى رفع الإسلام من شأن المرأة وكيف أصلح من مفاهيم وأعراف وتقاليد كانت متأصلة في هذه المجتمعات التي كانت تنظر للمرأة على أنها وعاء للإنجاب ومحل للاستمتاع فحسب ولم يكن ينظر إليها كإنسان عاقل مكلف له حريته وإرادته التي ينبغي أن تحترم كما تحترم حرية الرجل وإرادته سواء بسواء.
ونعلم كيف كانت البنت تدفن حية إذ وجودها مذمةٌ للأب ومعرةٌ على الأسرة وقيل في شأنها:

 ومن غاية المجد والبركات بقاء البنين وموت البنات 

في مجتمع كهذا بعث النبي ليقول “إنما النساء شقائق الرجال”رواه أحمد وأبو داوود والترمذي.
وبعد أن كانت علاقة الزوج بزوجته تُبنَى على القهر والسيطرة المطلقة، بناها القرآن على أساس آخر وهو المودة والرحمة: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”.

وبعد أن كانت المرأة لا حق لها في ميراث ولا عطاء من الأب الذي يُؤْثِر ذكوره بكل العطاء، يقول الرسول : “سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضِّلا أحداً لفضَّلت النساء”أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه وإسناده حسن.
جاء الإسلام – إذن – ليغَيِّر واقعا، ويبَدِّل مفاهيم، ويلغي أعرافاً وتقاليد استقرت في هذه المجتمعات.
فانتقل بوضعية المرأة انتقالةً عظيمة، وجعلها مشاركةً للرجل في بناء المجتمع وفي التفاعل مع الأحداث وفي تلقي العلم، حيث خصص النبي الكريم يوماً للنساء ليعلِّمهن، بل وشاركن في الأحداث الجسام، فقد كان في بيعة العقبة الثانية التي مثلت الجمعية التأسيسية للدولة الإسلامية الأولى في المدينة امرأتان بايعتا كما بايع الرجال الثلاثة والسبعون.

ثانياً: الأساس الذي بنى عليه الإسلام وضعية المرأة هو أنها كالرجال سواءً بسواء في مسألة التكليف والحساب والأهلية القانونية أداءً ووجوبا، فخاطب الله الجميع “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير”، “من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”.

والمرأة ترث وتوَرِّث، ولها ذمةٌ مستقلةٌ تماماً عن زوجها أو أيٍّ من أوليائها، بل إن امرأة عبد الله بن مسعود كانت ثريةً وكان عبد الله فقيراً، فسألت النبي إذا كان يجوز لها أن تتصدق عل زوجها فأجابها بالإيجاب كما في الحديث الذي رواه الإمام البخاري، وعليه فللمرأة أن تمارس من الأعمال ما يكون سبيلًا لاكتسابها المال على ألا تخلَّ بواجباتها الأسرية بالطبع.

ثالثاً: لا ينظر الإسلام إلى المرأة على أنها مجرد جسدٍ كما يروج لذلك البعض أو كما يتوهم البعض، بل نظر إليها على أنها إنسانٌ كاملٌ له عقله ووجدانه وشخصيته المستقلة الكاملة، ولذا كانت التكاليف للمرأة كما للرجل، كما انطلقت المرأة في ميدان العلم وفاقت كثيراً من الرجال، وكان الصحابة يستفتون عائشة رضي الله عنها في كثير من الأمور بل إن عائشة ردت عدداً من الأحاديث خطَّأت فيها الصحابة الذين رووها واعتبرتهم لم يتميزوا بالدقة الكافية، فكان لها منهجها الفقهي المتميز.

وقُبلت رواية المرأة بلا خلاف بين العلماء إذا تميزت بالعدالة والضبط، والرواية -كما نعلم- نأخذ منها ديننا الذي نتعبد به لربنا ونصوغ به دنيانا، أفتؤتمَن على دينٍ ولا تؤتمن على دنيا؟

رابعاً: لأن الإسلام دين الفطرة ولأنه من عند الله الذي يعلم مَن خَلَقَ وهو اللطيف الخبير، فإنه وضع حدود العلاقة بين الرجل والمرأة وفرض على المرأة ضوابط في ملبسها وحركتها حتى لا تتحول – كما هي في الغرب- إلى سلعةٍ تروَّج بها المنتجات الاستهلاكية وإلى مصدر إثارةٍ وغوايةٍ تنحرف بها المجتمعات وينفرط بسببها شمل الأسر.

ولذا فرض بعض الضوابط في الملبس وفي التعامل وهي ضوابط تحفظ على المرأة كيانها المعنوي، وتتوافق مع الفطرة السليمة، ولا تمنعها أن تشارك في بناء المجتمع والتفاعل مع قضاياه والعلم والعمل، بل وأن تفوق الرجل إذا كانت قدراتها تتيح لها ذلك.

خامساً: ولأن الإسلام دين الفطرة أيضا، ولأن الله خلق لحكمته البالغة الخلق من ذكر وأنثى فإنه لا يقبل من أي من الجنسين أن يتخلى عما ميزه الله به ليصبح صورةً مشوهةً من الجنس الآخر.

لقد خلق الله الرجل وميزه بقدراتٍ عضليةٍ وفسيولوجية، كما خلق المرأة وميزها بإمكاناتٍ وقدراتٍ أخرى، وهذا لا ينقص من قدر أيهما ولا يجعله أفضل من الآخر، وإنما كلٌّ ميَسَّرٌ لما خُلِق له وللوظيفة المطلوبة منه، وكلٌّ يحوز الأفضلية بقدر نجاحه وإتقانه القيام بوظيفته.

لهذا لا يقبل أن يتخلى أحدهما عن وظيفته ولا مميزاته التي ميزه بها الله، ولذا لعن النبي المترجلات من النساء كما لعن المتشبهين بالنساء من الرجال، رواه البخاري، أو أن نعامل المرأة ونطلب منها دوراً يتعارض مع خلقتها النفسية والفسيولجية ويمنحها فوق طاقتها،فهذا ليس من إنصافها في شئ، وإنما هو من ضروب التزييف التي مارسها البعض، فظلم المرأة ولم ينصفها، فإذا بها تقوم بما لا طاقة لها به من عمل، وهي بالطبع لا تستطيع التخلي عن دورها الفطري والغريزي في ممارسة الأمومة.

إن للرجل دوره وللمرأة دورها، وتخلِّي أيٍّ منهما عن الدور المناط به والمتوافق مع فطرته وغريزته هدم لكيان المجتمع كله، وإن الإسلام إذ فرض على الرجل أن يقوم بأعباء الأسرة “وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف”، فإنه لم يفرض ذلك ليمارس الرجل سيادة، بل ليفرغ المرأة لدورٍ لا قِبَل للرجل به ولا يستطيع أن يؤديه، ومع ذلك فهو لم يحرمها من عملٍ أو علمٍ لا يطغى على دورها الذي لا يحسن غيرها أن يؤديه.

سادساً: بخصوص ما يثار من شبهات حول شهادة المرأة – يا أخ منصور- فإن المسألة تتصل بما سبق، وهو مراعاة فطرة المرأة وخلقتها النفسية والفسيولوجية، وما تتعرض له في بعض أوقاتها من تغير نفسيٍّ وفسيولوجيّ، وما تنشغل به من دورٍ عظيمٍ متصلٍ بالكيان الأسري.

ولكن مع ذلك هذه إيضاحات في المسألة :


1- أن أمر الشهادة يتعلق أساساً بالعدالة والضبط والقدرة على أدائها بإتقان، ولذا فقد يختلف من مجالٍ لآخر، ففي أمور معينة قد يكتفى بشهادة امرأةٍ واحدةٍ فحسب لأنه لا يحسن الشهادة فيها ولا معرفتها إلا هي، والشروط التي اشترطها فقهاؤنا في الشاهد أربعةٌ ليس منها الذكورة، بل يقول ابن قدامة وهو فقيه حنبلي بارز:”ويُقبَل فيما لا يطَّلع عليه الرجال مثل الرضاع والولادة والحيض والعدة وما أشبهها شهادة امرأةٍ واحدةٍ عدل” المغني جـ 9 ص 155.
لكن في أمور الدماء مثلا قد لا تحتمل المرأة لطبيعتها الرقيقة إمعان النظر واحتمال الموقف الأمر الذي قد يؤثر على شهادتها، كما أنها قد لا تهتم كثيراً بمسائل البيوع والمعاملات المالية بين الرجال، فلا تشغل نفسها بهذا الأمر الذي قد يجعلها في حاجةٍ إلى من يعضد شهادتها، ولذا قال الله تعالى في علَّة شهادة امرأتين: “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى” وتضل أي تنسى، لأنها يشغلها من شواغل الأسرة وربما العمل، ما قد ينسيها هذه المعاملة المالية التي حدثت أمامها، خلاف الرجل الذي يهتم كثيراً بهذه المعاملات المالية لأنها تمثل جزءاً أساسيًّا من اهتماماته في حياته، فالأمر إذن لا علاقة له بكفاءة المرأة أو عدالتها أو أهليتها، وإنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بالمحافظة على حقوق الناس وأخذ الحيطة الكافية له فحسب.


2- أن مسألة وجوب شهادة امرأتين جاءت فحسب في شأن آية المداينة وهي مسألة إقراض طرفٍ لآخر والأمر بالإشهاد عليه حفظاً للحقوق، أما ما عدا ذلك من مسائل، ففيها تفصيلات، وكما أسلفت العبرة في الشهادة ليس بالذكورة وإنما بالعدالة والضبط والدقة والمعرفة بالمسألة المشهود علمها.


3- أن من فقهاء الإسلام من أجاز أن تكون المرأة قاضيةً كأبي حنيفة رضي الله عنه، فكيف يجاز لها أن تقضي بين الناس ثم يُقال إنها قد حُرِمَتْ من أداء الشهادة؟ كما أجيز لها أن تتولى أعلى المناصب عند ابن حزم وأبي جرير الطبري، بل إن عمر بن الخطاب ولَّى الشَّفَّاء -وهي امرأةٌ من قومه- على الأسواق، أي مراقبة السوق وما يدور فيه من معاملات، فهل يتفق بعد ذلك أن يقال أن نظرة الشريعة للمرأة نظرةٌ دونية؟

بالنسبة لمسألة شهادة المرأة في الحدود، فالمسألة فيها خلافٌ كبير، وهناك العديد من الفقهاء –وعلى رأسهم ابن حزم– من قالوا بجواز شهادتها في الحدود، والمسألة بالتفصيل مذكورةٌ في كتب الفقه، ولا مجال لذكرها هنا، يكفي أن نؤكد على أن المسألة خلافيةٌ وليس فيها رأيٌ واحد فقط.

لو ألقينا نظرةً سريعةً على أسباب قول الفقهاء بمنع شهادة المرأة في الحدود – من باب عرض الأراء المختلفة سواء بالتأييد أو الرفض بتأييد – سنكتشف حينها بأنهم إنما قالوا ذلك لتضييق طرق ثبوت الحدود واحتيالاً لدرئها، لأنهم فهموا أن الإسلام ما جاء كي يقطع الرؤوس والأيدي وإنما جاء بالعدل والسلم والخير، وقاعدة “درء الحدود بالشبهات” من أبرز الأدلة على ذلك، والمرأة في العموم تحكمها عواطفها أكثر من عقلها، وفي الحدود التيقن والتثبت أمرٌ أساسيّ، لأن الحدود ينبني عليها حياةٌ وموت، أو قطع يد، أو جلد وآلام، وما إلى ذلك، والشريعة الغراء ضبطتها بضوابط قاسيةٍ شديدة، واحتالت لإسقاطها بأدنى شبهةٍ تحوطها، ولا يُعقَل بعد كل ذلك أن تحكمها عاطفةُ امرأةٍ وإحساسها فقط.


3- تميزت الشريعة الإسلامية بأمرٍ لم يرد في أي شرعٍ آخر، وهو ما عُرِفَ بالشهادة على ما لا يطِّلع عليه إلا النساء، بل إن الحنفية والحنابلة قالوا بقبول شهادة المرأة الواحدة منفردةً في هذه الأمور، وما أظن أن تجد احتراماً أكبر من ذلك للمرأة.

فنظرة الإسلام لشهادة المرأة ليس مردُّها الاحتقار والازدراء، وإنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بالمصلحة العامة للمسلمين أولا، وزيادةً في الحرص على مشاعر المرأة وحساسيتها ثانيا.


الأستاذ محمد حسين