أحمد البنعلي .. قاضي قطر وعالمها المتبحر

يعد فضيلة الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي- رحمه الله -، أحد رموز الدعوة الإسلامية والقضاء الشرعي في قطر طوال أكثر من نصف قرن، فقد مارس التدريس والخطابة والقضاء في رأس الخيمة ما يقرب من ربع قرن ثم تولى القضاء في قطر خمسة وثلاثين عاما.

هو أحمد بن حجر بن محمد بن حجر بن أحمد بن حجر بن طامي بن حجر بن سند بن سعدون آل بوطامي البنعلي. فقيه محقق وقاض كبير وعالم، يعد من صدور العلماء وأعالمهم وأحد رموز الدعوة والقضاء الشرعي طوال أكثر من نصف قرن، تاقت نفسه إلى طلب العلم منذ صباه، فأتجه يغرف من العلوم وهو لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره.

كان خطيبا مفوهاً بليغاً جريئاً وفصيحاً، لا يخاف في قول الحق لومة لائم، يطرق موضوعات تمس حياة الناس، كان لخطبه تأثير في اسماعهم وأفهامهم لتمكنه وتبحره في مختلف العلوم، وتضلعه من فنون الأدب، ودرايته بأخبار العرب وأشعارها وأمثالها ونوادرها.

مارس التدريس والخطابة والقضاء ما يقرب من ربع قرن، متنقلا بين العديد من الدول. درس وحفظ الكثير من المتون في مختلف العلوم والفنون، على أيدي كبار العلماء. كما بدأ نظم الشعر والتأليف ولم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره.وكانت له حافظة نادرة مكنته من حفظ العديد من المتون في علمي الشرع والتشريع.

المولد والنسب

ينتسب إلى قبيلة بني سليم، وموطنهم الأصلي هو حرة بني سليم بالقرب من المدينة المنورة، ثم انتقلوا إلى الإحساء ثم دارين، ثم انتشروا في نواح شتى في شبه الجزيرة العربية وإفريقيا والهند. أما آل بوطامي فقد استقروا في منطقة الزبارة بشمال قطر، ومنها انتقلوا إلى البحرين وساحل عمان وجزيرة قيس.

لا يعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاده، ولكن الراجح أنه ولد حوالي سنة 1335 الموافقة 1915م، ونشأ نشأة دينية محافظة في رعاية أمه التي عُرفت بالكرم والنُّبل والصلاح، فقد توفي والده وهو صغير، وكانت أمه قد رأت في حمله رؤيا صالحة رأت طفلًا يشرب لبنًا فقيل لها تلدين طفلًا يشرب العلم كما رأيته يشرب اللبن، فكان مولودُها كذلك بأمر الله عالمًا فذًّا متبحرًا في أنواع العلوم، وقد ظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء والنبل منذ نعومة أظفاره، فكان مذ ذاك يحب أن يجالس أهل العلم ولم يكن له توجه إلى اللعب مع الأطفال، بل كان يصاحب ويجالس من هم فوقه وأكبر منه من طلاب العلم، ويدعوهم إلى منزله.

سفره وطلبه للعلم

بدأ الشيخ تلقي العلوم الشرعية منذ صغره، حيث حفظ القرآن الكريم طفلًا، ثم درس الفقه الشافعي والعقيدة السلفية، ثم سافر إلى الإحساء سنة 1931م لاستكمال دراسته للعلوم الشرعية وعمره حينئذ حوالي 15 عامًا.

مكث الشيخ في الإحساء أربع سنوات منقطعًا لطلب العلم على أيدي علماء الإحساء. ثم انتقل إلى قطر، ومنها إلى إمارة رأس الخيمة، حيث أقام بها مدة، ودرس، وأفتى، وعمل بالقضاء، ثم انتقل إلى الرياض سنة 1956م حيث اشتغل بالتدريس في معهد إمام الدعوة.

شيوخه وتلامذته

تلقى العلوم الشرعية على أيدي العديد من العلماء، منهم:

  • عبد الله محمد حنفي، وأحمد نور بن عبد الله: تلقى منهما علوم التجويد والعقائد والفقه والفرائض والنحو.
  • أحمد بن علي العرفج: تلقى منه علم الفقه على المذهب الشافعي.
  • عبد العزيز بن صالح العلجي: تلقى منه علوم النحو والصرف والقوافي والبلاغة والعروض والمنطق وشرح صحيح مسلم.
  • محمد بن أبي بكر الملا: تلقى منه علوم النحو والبلاغة ومصطلح الحديث وشرح كتاب سبل السلام.
  • عبد العزيز بن عمر بن العكاس: تلقى منه شرح كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث ،وكتاب “مشكاة الأحاديث”، وكتاب “بهجة المحافل” في السيرة النبوية.

كما له جمع غفير من التلاميذ من مختلف الدول يصعب حصرهم، مثل الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية.

بين القضاء والتدريس

ولي القضاء الرسمي في رأس الخيمة نحو عشرين سنة، حيث بدأ العمل بالقضاء سنة 1937م في عهد الشيخ سلطان بن سالم القاسمي، وكان عمره لا يتجاوز 31 عامًا، وفي عام 1951م أمر الشيخ صقر بن محمد القاسمي بتعيينه قاضيًا رسميًّا للبلاد، واستمر في القضاء حتى سنة 1956م، وفي تلك السنة تلقى الشيخ دعوة من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتى المملكة العربية السعودية آنذاك ليكون مدرسًا في معهد إمام الدعوة بالرياض فوافق الشيخ.

وفي عام 1958م عرض عليه أن يتولى القضاء في قطر، فهاجر إلى قطر، واستقر بها، وكان عمره 42 عامًا، حتى طلب الإعفاء من القضاء في عام 1991م حيث تقاعد وتفرغ للتأليف ونشر العلم.

كما مارس الشيخ التدريس إلى جانب ممارسته للقضاء، فقد قام بالتدريس لطلبة العلم في مجلسه في مدينة المعيريض، وكذلك في رأس الخيمة بمدرسة الهداية، والتي ساهم في تأسيسها.

في سنة 1954م توجه مع الشيخ حميد بن محمد القاسمي بتكليف رسمي من الشيخ صقر بن محمد حاكم رأس الخيمة آنذاك إلى حكومتي البحرين والكويت لطلب المساعدة في فتح مدارس حديثة في رأس الخيمة، فاستجابت حكومة الكويت، وأرسلت مدرسين وكتبًا، وعمل كمدرس في معهد (إمام الدعوة) بالرياض، كما كان يقوم بالتدريس لطلبة العلم في مجلسه في قطر.

علاقاته الوثيقة بالعلماء

كان الشيخ احمد بن حجر على علاقة وثيقة بعدد كبير من القضاة الأفاضل فكانت تربطه بهم علاقات أخوية متينة وكثيرا ما تدور بينهم مراسلات ومناقشات حول العديد من المسائل الفقهية ومن هؤلاء :

في رأس الخيمة: الشيخ محمد بن سعيد بن غباش، والشيخ احمد بن سيف بن بهيو، والشيخ مشعان بن منصور والشيخ عبدالله بن علي بن سلمان.

وفي دبي: الشيخ محمد الشنقيطي.

وفي الشارقة: الشيخ سيف بن محمد المدفع.

وفي عجمان: الشيخ عبدالله بن محمد الشيبة والشيخ عبدالكريم البكري.

وفي قطر: الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع والشيخ عبدالله بن زيد المحمود.

وفي الإحساء : الشيخ عبد العزيز بن بشر والشيخ عبدالله بن عمر بن دهيش.

وفي الدمام : الشيخ محمد العمود والشيخ محمد العودة.

وفي الرياض: الشيخ عبدالعزيز بن باز والذي كان زميله في الدراسة.

وفي البحرين: الشيخ جاسم بن مهزع والشيخ عبداللطيف بن سعد.

وفي الكويت: الشيخ عبدالعزيز بن حمادة والشيخ يوسف القناعي.

مؤلفاته وكلماته المضيئة

كان محبًّا للقراءة واقتناء الكتب، حتى احتوت مكتبته الشخصية حوالي عشرين ألف كتاب. وصنف العديد من الكتب في مختلف العلوم الشرعية الإسلامية، كالتوحيد، والفقه، وقضايا المجتمع الإسلامي.

وكان محبًا للشعر العربي، وألف قصائد في المسائل العلمية وخاصة الاعتقادية، بالإضافة إلى ما ألفه في المسائل الاجتماعية، ولكنه لم يرغب في أن يُعرف ويشتهر كشاعر، ولذلك لم يحتفظ من أشعاره إلا بالقليل.

امتاز الشيخ ابن حجر – رحمه الله – بإنتاجه الوافر وقلمه السيَّال، فقد خلَّف وراءه العديد من المؤلفات التي نفع الله بها المسلمين، وكانت محاور كتبه تدور حول علوم الشريعة الإسلامية، كالتوحيد، والفقه، وقضايا المجتمع الإسلامي، ونحو ذلك. وقد بلغت عدد مؤلفاته ثمانية وعشرين مؤلَّفًا، بعضها طبع أكثر من مرة، منها:

  • العقائد السلفية (منظومة)، وقد شرحها في كتاب.
  • الدرر السنية في عقد أهل السنة المرضية (منظومة).
  • جوهرة الفرائض (منظومة).
  • اللآلئ السنية في التوحيد والنهضة والأخلاق المرضية (منظومة).
  • شرح العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية.
  • تطهير الجَنَان والأركان عن دَرَن الشرك والكُفران.
  • الإسلام والرسول في نظر منصفي الشرق والغرب.
  • الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر.
  • سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة.
  • تحذير المسلمين من البدع والابتداع في الدّين.
  • تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات.
  • الخمر وسائر المسكرات تحريمها وأضرارها.
  • الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر المفترى عليه.
  • الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه.
  • إعانة القريب المجيب في اختصار “الترغيب والترهيب” وشرحه “تحفة الحبيب”.
  • نيل الأماني شرح مباسم الغواني في نظم عزية الزنجاني في علم الصرف.
  • نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين.

وقد صدر برنامج موسوعي بعنوان “مكتبة الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي” يعتني بجمع مؤلفات الشيخ – رحمة الله- .

ومن كلماته ودرره المضيئة مايلي:

  • ” تأسّى أبناء المسلمين بالكفار في أسوأ العادات والتقاليد وفيما يخالف الطبع المستقيم..”.
  • “فمتى ما انسلخ المرء من الإيمان أو ضعف إيمانه هان لديه ارتكاب كل فاحشة وانتهاك كل محرم، وهذا ما أراده الأعداء بنا”.
  • “العقول السليمة لتحكم بتحريم الخمر والميسر لما فيهما من الأضرار التي تفوق العد والإحصاء ولو لم تأت بتحريمهما شريعة”.
  • “وقد كثرت شهادة الزور في المجتمعات الإسلامية”…”.شأن المسلم أن يكون نزيهاً من الكذب والغدر والنفاق والمكر والنميمة، وسائر الأوصاف الذميمة المجانبة للإيمان والإسلام ولتعاليم القرآن والسنة النبوية”.

“قد فشى في هذا العصر تشبه الكثيرين من الشباب بالفتيات وتشبه الفتيات بالشباب”…”إن الإسلام رتب للمرأة حقوقاً لم تبلغها قبله ولن تنالها بعده، كان ذلك بغير نضال ولا صيحات ولا اجتماعات ولا مقررات، ولكنها شريعة الله التي تعطي كل ذي حق حقه بغير انتقاص ولا ضياع”..”لا يخفى أن دين الإسلام قد رفع مقام المرأة وأكرمها إكراماً لم تحلم به في الأمم السالفة”.

“وما تركتهما أمة إلاّ فشت فيها الفوضى وفساد الأخلاق والاضطراب، ونهايتها إلى الاضمحلال والزوال” أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قالوا عنه

قال عنه الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في ثناء عليه ووصفه بالعلامة “ومنهم في عصرنا الشيخ العلامة أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي القاضي حالياً بالمحكمة الشرعية بقطر، فقد ألف كتاباً موجزاً مفيداً عنوانه: الشيخ محمد بن عبدالوهاب عقيدته السلفية ودعوتها الإصلاحية وثناء العلماء عليه، أجاب فيه وأفاد وأوضح دعوة الشيخ وعقيدته وجهاده بأسلوب مفيد”.

ومن أجمل ما كتب عنه أنه “العلامة السلفي المحقق الفقيه الأصولي، رمز من رموز الدعوة الإسلامية،قاض وحافظ للمتون، فارس من فرسان الفقه والعقيدة، مصدر للعلم والفتوى،يسعى في حوائج إخوانه، الزاهد الورع، المعلم الواعظ، خطيب محبوب، يُقبل الناس عليه،صادق ظاهره كباطنه، حمل أعباء القضاء بكل أمانة ونزاهة وإخلاص، لا يجامل صديقاً ولا مسؤولاً، ولا يجاري عامة ولا خاصة، عالم صادع بالحق،وكما كان عادلاً في قضائه كان صادقاً في فتواه،متحرياً للحق والصواب، قادراً بفضل الله على حل المشكلات في سرعة وحسم، امتاز رحمه الله بإنتاجه الوافر وقلمه السيّال، شغوف بكتب التوحيد وبكتب السنة، وباغض للبدع ومبتدعيها.

وفاته

أصابه مرض ألزمه الفراش مدة طويلة. حتى وافته المنية صباح الثلاثاء الخامس من جمادى الأولى سنة 1423هـ / الموافق 14/6/2002م عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عامًا.

وكتبت عدة مؤلفات عن الشيخ – رحمة الله – منها:

  • أطروحة للدكتوراه بعنوان “جهود العلامة أحمد بن حجر آل بوطامي في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين“ للباحث إسماعيل بن غصاب العدوي.
  • أطروحة ماجستير بعنوان “جهود الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في الدعوة إلى الله“ للباحث غلاب بن حماد الزائدي (1431/1432) بكلية الدعوة وأصول الدين ـ جامعة المدينة المنورة.
  • أطروحة ماجستير بعنوان “ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺸﻴﺦ أحمد بن حجر آل بوطامي في النوازل الفقهية جمعًا ودراسة” إعداد عبد الله بن يوسف بن نيروز بن إبراهيم؛ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1429هـ.
الدين والنص القرآني في مشروع محمد أركون المعرفي

شُغل محمد أركون (1928-2010) بطرح سؤال التأويل وكيفية إنجاز قراءة معاصرة للنص القرآني اعتمادا على الأدوات والمناهج الغربية الحديثة، فكانت خطوة جريئة أخضعت النص القرآني لحقول ونظريات حديثة، وفي السطور التالية أعرض بايجاز لمعالم مشروع أركون المعرفي ثم انتقل من التعميم إلى التخصيص وأبين رؤيته للدين وكيفية قراءة النص الديني.

أركون متحدثا عن مشروعه

يلخص محمد أركون مشروعه الفكري قائلا إنه محاولة “لتأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي، أقصد منفتح على هذا الفكر وعلى كل منتجاته التي تتجاوز الحدود والحواجز المعرفية التي فرضتها الأدبيات الهرطقية والتيولوجية [أي الأدبيات المذهبية والعقدية]، ومنفتح بنفس الدرجة على علوم الإنسان والمجتمع ومناهجها وتساؤلاتها كما هي ممارسة عليه في الغرب اليوم منذ ثلاثين عاما، وهو أيضا تاريخ تطبيقي عملي في نفس حركة البحث، لأنه يهدف إلى تلبية احتياجات وآمال الفكر الإسلامي وسد نواقصه منذ أن اضطر لمواجهة الحداثة المادية والعقلية”[1]، ويتابع أركون “لم يعتد مؤرخ الفكر على أن يجمع بين كل هذه الاهتمامات ويفتتح كل هذه المنظورات ويتابع كل هذه المهمات في نفس الحركة الواحدة من الكتابة، ذلك أن المشروع شديد الجدة وشديد التعقيد إلى حد أنه يتعذر إنجازه تماما منذ المراحل الأولى”[2].

إن هذا المشروع المحدث والمتعدد الأبعاد “يتمايز عن كل ما عداه.. فأنا أهدف إلى نقده بطريقة تاريخية، وليس بطريقة تجريدية سكولاستيكية [تقليدية] .. إن مشروعي هنا ينخرط ابستمولوجيا في العمق، بل وفي عمق العمق، ويختلف بالتالي عن كل مشاريع الفكر”[3] سواء لدى المسلمين المحدثين أو لدى المستشرقين الغربيين إنه “يختلف عن برنامج بروكلمان وفؤاد سيزكين المتمثل في جرد المؤلفات العربية وإحصائها، إنه برنامج نقدي بمعنى دراسة شروط صلاحية كل المعرفة التي أنتجها العقل ضمن الإطار الميتافيزيقي، والمؤسساتي، والسياسي الذي فرض عن طريق ما كنت دعوته بالظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية”[4].

ملاحظات حول المشروع

يدور مشروع أركون الفكري حول: التاريخانية، التطبيقية أو ما يدعوه بالإسلاميات التطبيقية، ونقد العقل الإسلامي، وهناك بضع ملاحظات نقدية يمكن أن نوردها عليه وهي:

  • التعالي المعرفي: إن أكثر ما يحرص عليه أركون هو التركيز على تفرد مشروعه، وتفوقه على ما عداه، وكما نلحظ فإنه لا يفاضل بين مشروعه والمشروعات المماثلة أيديولوجيا ومنهجيا، أعني مشروع التاريخانية في سياقه المحلي بزعامة نصر حامد أبو زيد ومحمد الجابري، وإنما يضعه في موضع المقارنة مع مشروعات عالمية كبرى كمشروع بروكلمان وسيزكين الذي أرخ أولهما للكتابة العربية، وثانيهما للتراث المعرفي، ومشروع أركون من حيث الكم والكيف لا يقارن بمشروعات ضخمة سدت فراغا في المعرفة التراثية.
  • المرجعية اللا متكافئة: صرح أركون -كما أسلفنا- أن مشروعه ينفتح على التراث العربي والمعارف الغربية، وهذا الانفتاح المزدوج كان يتطلب منه أن تكون مصادره ومرجعياته الفكرية متكافئة شرقية وغربية، ولكن المطلع على مشروعه يعلم أن مصادره الأساسية لا تتعدى الفكر الفرنسي، ولا نقول الغربي لأنه أكثر اتساعا وثراء، ويدعم ذلك التطابق الواضح بين ما ذهب إليه المفكرون الفرنسون في أطروحاتهم الفكرية وما توصل إليه أركون في دراساته، ورغم هذا لا يعترف بدينه الكامل للثقافة الفرنسية وينكر تأثره بها مدعيا أنه لم يسقط على الإسلام طرق تفكير ومناهج بحث مغايرة له[5].
  • العنف اللفظي، تغص كتابات أركون بالعنف الذي يوجهه نحو المقدسات والأنظمة الفكرية المغايرة والرموز الدينية؛ ومن أمثلته حديثه عن دور النبي صلوات الله عليه في تأسيس دولة المدينة “وهذه العملية قد أُنجزت …تحت قيادة هذا الرجل الذي يُدعى محمدا والذي راح يٌقبل تدريجيا وبشكل أكثر فأكثر بصفته نبي الله، إنني أدعوه هكذا باسمه عاريا من أي لقب!! كما نقول مثلا عيسى الناصري، وليس يسوع ابن الله”[6] وهو يتعامل بعنف مشابه مع الفقهاء فيقول” إن الشيء الذي يحظى باهتمامنا وينبغي التركيز عليه هو ذلك الزعم المفرط والغرور المتبجح الذي يدعيه الفقهاء بأنهم قادرون على التماس المباشر بكلام الله” [7].
  • النيتشوية العدمية، يتبنى أركون نهجا عدميا في كتاباته، فليس لديه تفاضل علمي بين المناهج والمجالات المعرفية، وهو لا يرى تعارضا بين الثنائيات (الدين والعلم، الغيب والأسطورة، المقدس والمدنس، الأديان السماوية والأديان الوضعية) الكل يبدو متشابها ومتكافئ، ولا يمكن تأصيل أي فكر ولا الثبات على رأي، وتلك العدمية هي ترديد لعدمية المفكرين الفرنسيين فوكو ودريدا ودولوز الذي أرسوا فكرة أنه لا شيء يمتلك بداخله استقرارا، وليس هناك أصل ليتم تأصيله، وبعبارة أخرى ليس هناك حقيقة ولا توجد يقينيات لأننا نعيش كما يقول في مرحلة “نهاية اليقينيات”[8].

الدين من منظور علماني

يقع الدين في القلب من مشروع أركون، وهو ينطلق في دراسته من منظور علماني ذاهبًا إلى أنه ليس ثمة فرق بين الأديان الوثنية وأديان الوحي، فهذا التمييز مجرد مقولة عقدية ” تعسفية تفرض شبكتها الإدراكية أو رؤيتها علينا”[9]، وكل الأديان قدمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات وإنما الأجوبة الكاملة فيما يخص علاقتنا بالكون والأشياء فوق الطبيعية (الغيب)، وقد اعتبرت هذه الإجابات متعالية وصحيحة ويقينية، وبهذا المعنى لم تعد خاضعة للملاحظة والتحليل العلمي وخرجت من دائرة العقل وهيمنته، ويفترض أركون أننا ندمج الأجوبة والحقائق الدينية ليس عن طريق اللغة وحسب وإنما عن طريق تجسيدها وصهرها في أجسادنا عبر الشعائر والطقوس التي يمارسها الجسد وتتغلغل حتى تسيطر على الإدراك والسلوك.

ويقرر أركون أن هناك ثلاث محددات ينبغي توافرها فيما يمكن أن ندعوه بالأديان وهي: الطقوس والشعائر التي تساعد على دمج الحقائق الأساسية في الجسد وتعمل على إخضاعه لها، والمؤسسة الدينية المطابقة لهذه الشعائر والتي توفر الفضاء الملائم لأدائها، والأنظمة الدينية المعرفية التي تفسر الشعائر وتوضحها[10].

ويميز أركون بين نوعين من الشعائر، شعائر صدفوية أو احتمالية كما يدعيها وشعائر أخرى واقعية ترتبط بشبكة إدراكاتنا وأحاسيسنا، وهو لا يعطي توضيحات أو يضرب أمثلة لنتبين مراده لكننا نستطيع أن نقول أنه يرى مثلا أن شعيرة مثل “النحر” هي شعيرة صدفوية أو احتمالية نحن لا نمتلك برهانا عليها فهي محل شك، ويؤسس على ذلك أن العقل لم يمارس فعله بشكل مستقل في فهم النصوص الدينية والشعائر، وأن عالم الدين يحاول إيهامنا دائما أنه يتحدث باسم عقل أعلى يمتلك وحده الأدوات والمنهجيات لقراءة النصوص الدينية، ومن ثم يطرح تساؤلا حول كيف يمكننا أن نقرأ النص القرآني اليوم، وما هي شروط القراءة.

القراءة الأركونية للقرآن: من النص المنزل إلى النص المدون

إن أهم شرط من شروط القراءة لدى أركون يتمثل في نزع القداسة عن النص القرآني والتعامل معه وفق المناهج الفيلولوجية، ويجسد هذا المعنى بقوله: إني لا أتحدث أبدا عن  كلام الله أو عن الحقيقة الموحى بها… أريد أن أركز أولا على الفضاء اللغوي للقرآن”[11]، وهو يفترض أن النسيج اللغوي القرآني يمكن مقاربته على مستويين:

  • مستوى التلفظ الأول: كان القرآن طيلة عشرين عاما عبارة عن سلسلة متصلة من العبارات اللغوية الشفهية التي تلفظ بها النبي صلوات الله عليه، وفي الوقت نفسه كان مرجعًا لا ينفصل عن تجربة إنسان هو مزيج من رجل الدين ورجل السياسة المنغمس في التاريخ، هذا الإنسان ظهر في مجتمع له تقاليد وعادات معينة فأراد الانتقال بها إلى إطار مؤسساتي آخر وإلى طريقة أخرى في الحياة، وذات طراز ثقافي وقانوني مختلف، “وعملية الانتقال هذه هي التي يقوم بها (القرآن الشفهي)، ومجمل هذه العبارات الشفهية سوف تسجل فيما بعد في كتاب بالمعنى الثقافي والعادي للكلمة، وليس بالمعنى المتعالي للكتاب الموحى” به[12]
  • مستوى الكتاب المدون: وهي اللحظة التي تشكل فيها “مصحف ما” وأُعلن أنه المصحف الوحيد الصحيح، ونسخة المصحف هذه عبارة عن نص مكتوب، ولم تعد كلاما شفهيا حرا كما كان في البداية، وهذا ما يغاير كليا من شروط فهم كلام الله وتفسيره واستخدامه، لأن عملية الانتقال من النص الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب تُصحب حتما بضياع جزء من المعنى[13]، ورغم هذا ظلت هذه الصيغة المكتوبة تمارس دورها طوال خمسة عشر قرنا بشكل مضاد دائما للنواحي السياسية والثقافية والمعرفية، واستخدمت كأداه للسلطة منذ تشكل الدولة الأموية وحتى اليوم[14].

ولا يقف أركون في قراءته عند حد التمييز بين النص الشفهي والنص المدون، وإنما يدمج بعدا آخر في عملية القراءة، هو بعد المتلقي للنص الإلهي وأعني به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يناقش ذلك بوضوح رغم ارتباطه الوثيق بموضوعه وإنما يجرنا إلى الحديث عن دور النبي “الإنسان” لا “مبلغ الوحي” في تأسيس دولة المدينة، وهو يفعل ذلك ليبرهن على صعوبة الفصل والتمييز بين الديني والدنيوي في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الأخير له الغلبة والهيمنة وهو ما نستشفه من سؤاله “كيف استطاع محمد، المواطن من مكة والعضو في قبيلة قريش، أن يدشن تجربة تاريخية ارتباطًا مع محمد النبي الذي لا يتحدث باسمه الشخصي وإنما باسم كلام متعال آت من الله، ومُستقبل على هذا النحو في الوعي والضمائر؟ …  هذا ما ينبغي أن نراه ونركز عليه اهتمامنا بدلا من أن نُعمي البصر بالحديث المكرور الذي لا ينتهي فيما إذا كان محمد قد تلقى الرسالة من الله أم لا، كما يفعل المستشرقون”. [15]

خلاصة ما يرمي إليه أركون في محاولته لإعادة قراءة النص القرآني هو التأكيد على الطابع البشري للرسول صلى الله عليه وسلم، ونفي الصفة الدينية عنه، والفصل بين المرحلة الشفهية والمرحلة التدوينية للمصحف والزعم بضياع جزء من المعنى خلال عملية الانتقال تلك من جانب آخر، وعبر هذه الآلية المزدوجة تنتزع القداسة عن النص المنزل، وعن الرسول المبلغ ونصبح أمام نص (علماني) لا قداسة فيه ولا تعالي شأنه شأن النصوص الأخرى سواء بسواء.


[1] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط2، 1996، ص 11.
[2] تاريخية الفكر، ص 11.
[3] محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم، ترجمة هاشم صالح، بيروت: دار الطليعة، 2004، ص 48-49.
[4] تاريخية الفكر، ص 13.
[5] محمد هلال المزوغي، العقل والتاريخ منابع إسلاميات محمد أركون، بيروت: المستقبل العربي، 2007،  مج 30، ع 342 ، ص 38.
[6] محمد أركون، العلمنة والدين، ص50.
[7]  محمد أركون ، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ص 16.
[8]  محمد هلال المزوغي، المرجع السابق، ص 45-46.
[9]  محمد أركون، العلمنة والدين، ص 23.
[10] هذه الفكرة ليست من بنات أركون، وإنما هي منحولة من علم الاجتماع الديني، راجع الفصل الخاص بالدين في: أنتوني غيدنز، علم الاجتماع، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 569-596.
[11] العلمنة والدين، ص45-46.
[12] العلمنة والدين، ص 46.
العلمنة والدين، ص 28.  [13]
[14] العلمنة والدين، ص 47.
[15] الدين والعلمنة، ص 50-51.
الضمير والتحضر

في العام 1909 ينشر البريطاني ” إي. إم. فورستر” E. M. Forster قصته القصيرة “الآلة تتوقف” “The Machine Stops” ، وهي قصة في الخيال العلمي ناقشت بشكل مبكر العلاقة بين الإنسان والآلة، يتخيل فيها أن البشر يحيون  تحت الأرض، وكل فرد يعيش في عزلة، وتقوم آلة بتوفير احتياجاتهم المعيشية، ونظرا لحاجة الإنسان إلى التدين، أصبحت الآلة موضع العبادة، وتناسى الناس أنهم من صنعوها، ثم تقع الكارثة تتعطل “الآلة” أو “الإله”، فتتهدد حياة الناس المعيشية والاعتقادية، ومع انهيارها تنهار البشرية والحضارة.

وبعد أكثر من قرن من الزمان تنشر صحيفة  The Wall Street Journal تقريرا مهما في ديسمبر 2019 عن كاميرات المراقبة وانتشارها في العالم، وذكرت أن العالم بحلول عام 2021م سيحوي مليار كاميرا مراقبة، وأن الصين ستستحوذ وحدها على 560 مليون منها، أما الولايات المتحدة فتليها وستضع 85 مليون كاميرا، وعلى المستوى العربي والإسلامي، تصدر محافظة القاهرة المصرية أمرا إدرايا بوجوب تركيب المحلات والمنشآت العامة والخاصة لكاميرات مراقبة كشرط للحصول على ترخيص للتشغيل، وفي دبي يتم تركيب كاميرات في جميع المدارس، وفي لبنان تُجرى الامتحانات تحت رقابة الكاميرا.

وهنا تطرح عدة إشكالات عن موقع الضمير في الواقع المعاصر وعلاقته بالتحضر، وهل قادت الحضارة القائمة إلى يقظة ضميرية أغنت عن الحاجة لإخضاع المواطن لرقابة دائمة؟ وما هو تأثير التوسع الكبير في كاميرا المراقبة على العلاقات الإنسانية؟ وهل أدت فعلا تلك الآلة إلى تراجع الجريمة وحققت الضبط الاجتماعي والأخلاقي والتأسيس لقيم التحضر؟

المراقبة بين الضمير والكاميرا

تهدف مراقبة السلوك الإنساني إلى تحقيق أمرين أساسين، أولهما: الضبط الاجتماعي والأخلاقي للفرد والمجتمع، وثانيهما: تحديد المسؤولية عن الأفعال والسلوكيات وتحديد العقاب والثواب عليها، لذا احتلت المراقبة موقعها المتميز داخل المجتمعات، وأنشأت السلطة ما يقوم بها على مر التاريخ تبعا لدرجة التحديث والتحضر داخل المجتمع، ففي القديم كانت المراقبة من خلال الرصد البشري من خلال العين فيما عرف بـ”البصاصين”، ثم تطورت إلى كاميرات المراقبة.

وعند طرح موضوع كاميرا المراقبة يجب النظر إليها من عدة اقترابات، لعل أهمها الجانب الفلسفي، فمع موجة التحديث العاتية التي أسس لها الإنسان الغربي منذ قرون ثلاثة خلت، كان هذا التأسيس قائم على الإنفصال بين المادة والروح، إذ لم تجعل تلك الحضارة موضعا للخالق –سبحانه وتعالى- في هيكلها، ولم تؤسس لمعيارية متجاوزة تضبط روحها وأخلاقها، واكتفت بالعقل والعلم الذين أصبحا سلواها ومبتغاها، واتخذت موقفا متشددا من الدين، وطاردته وحجبت كثيرا من أدواره في بناء الشخصية والمجتمع، واكتفت ببعض شعائره وطقوسه دون أخلاقياته وقيمه.

ورأى الإنسان المعاصر أن مشيئته هي التي يجب أن تضبط حركة الحياة، وأن التكنولوجيا قادرة على التأسيس لنظام مثالي، بعد الإدعاء بـ”موت الإله”، فأخذ صوت الإله يخفت في أعماق النفس ويتوارى، وأمام حاجة السلوك الإنساني للمراقبة والضبط اُستبدل الضمير بالكاميرا، وأصبح ذلك الإنسان خاضعا لما يفرض عليه من رقابة خارجية، فإذ غابت الرقابة تمددت حظوظ الشر، وكأن غفلة الآلة محرض على إيقاظ الشر الكامن، فهي لحظة بلا رقيب ولا عاقبة.

ويبدو أن عمليات العلمنة التي نزعت القداسة من داخل الإنسان المعاصر جعلت الضمير صوت المجتمع وليس صوت الله في الإنسان، فتيار الحداثة وما بعدها جعل لكل إنسان الحق في أن يضع المعايير التي يراها، وهنا تشتت القيم وفقدت أهم خصائصها، وهي: المعيارية، وأصبح الرقيب الداخلي القابع في الإنسان، والذي يمتلك بصيرة لا تُضلل لا يجد مكانا في هذا الهيكل الحضاري الجديد، ولعلاج تلك الأزمة الكبرى ابتدعت الحضارةُ المراقبةَ، وكانت الكاميرا أقوى آلاتها، فالكاميرا مبصرة، وغير غافلة؛ إلا إذا انقطعت عنها الطاقة أو امتلأت ذاكرتها، كما أنها لا تعرف المجاملة، ومن ثم باتت هي البديل الأفضل عن بناء الضمير الإنساني، ومن ثم ضُخت الاستثمارات الكبيرة، وتوسعت الكاميرا إلى درجة الطغيان، وغاب الاعتماد على “القسم” الذي هو من بقايا الضمير. 

لكن ما هو الضمير؟

الضمير، هو الفطرة السليمة داخل الإعماق الإنسانية، والتي تمسك في يديها المعايير والموازين وتقيس سلوك الشخص، وتعاقب عليه، وعقاب الضمير أليم، ووخزه موجع، فهو يحرم النوم، ويمنع المتعة، ويُفقد اللذة، ويُعكر الصفو، فهو الصوت الصارخ الذي لا يمكن أن تُسكته في داخلك، والتأنيب الذي لا يكف عن تلاوة خطئك،  أو كما يقول فيكتور هوجو: ” لا قوة كقوة الضمير” فهو “صوت الله في الإنسان” و”يقظة الضمير من سباته، هي عظمة في الروح”، أو كما يقول الشاعر الأوروجواني ” ماريو بينديتي” Mario Benedetti في روايته “بقايا القهوة”: “لقد توصلت بالنهاية إلى أن الضمير هو جنتنا وجحيمنا، هو يوم الحساب والعقاب الذي نحمله في صدورنا، ونحن في كل ليلة عن غير وعي منا نواجه يوم الحساب، وحسب الحكم الذي يصدره ضميرنا, ننام مرتاحين أو نغرق في الكوابيس”، فـ “الضمير هو صوت الروح” كما يؤكد جان جاك روسو.

الشاعر الأوروجواني ” ماريو بينديتي

ولكن الضمير يتعرض للضمور وربما الموت، فالحياة بقسوتها، وخفوت صوت الفطرة داخل الإنسان، وتراجع التدين الصحيح، يبتلع همس الضمير ووخزه، بل تصيب الشخص مناعة من ضميره، فيرتكب العظائم وهو مرتاح الضمير، وليس أدل على ذلك من الحكاية التي قام عليها كتاب “ناس عاديون” للمؤرخ الأمريكي “كريستوفر براونينغ” الذي يحكي قصة الكتيبة الألمانية 101، والتي كانت من قوات الاحتياط وتشكلت من طوائف مختلفة من الشعب ممن اقتربوا من سن الكهولة ولهم تجارب وأسر وأولاد، وخلال عام ونصف قتلت الآلاف بدم بارد.

ومن ثم فكثير من الشخصيات يتم تدميرها مع فكها وتركيبها بعد انتزاع ضمائرها، فيقترف الإنسانُ الكبائر دون أدنى شعور بذنب أو تأنيب، أو كما يقول دوستويفسكي في روايته “الجريمة والعقاب”: “بكوا في أول الأمر …ثم ألفوا… وتعودوا”، فالإنسان كتلة من التناقضات، إذا اختل ميزانه الداخلي، غاب ضميره وضمر، والإنسان لا يتعود على شيء إلا إذا ماتت فيه أشياء، لذا فكل شيء يتلون بعد موت الضمير أو صمته، وما أروع ما كتبه أحمد شوقي في مسرحية “قمبيز” عن متناقضات الضمير:

وهو فيل في صدور

وهو فأر في صدور

وجبال من حديد

أو حبال مــن حرير

وسعيد الناس من

لم  يشك من وخز الضمير

إحياء الضمير

في كتابه “مشكلة الثقافة” يؤكد “مالك بن نبي” أن “العالم لم يعد  ينتظر الخلاص على يد العلم، ولكن في أن يُبعث الضمير الإنساني من جديد”، والحقيقة أن من يراجع تراث الصوفية في الإسلام سيجد بابا كبيرا وحديثا طويلا عن الضمير، أو كما أطلقوا عليه في تصنيفهم “المراقبة”، فمن النادر أن تجد قطبا صوفيا لم يعط المراقبة حقها من كلماته وأفعاله.

والصوفية الحقة تنظر إلى باطن الإنسان، وتجهد نفسها في تنقيته، وجعله صالحا لاستقبال إشارات السماء وترجمتها، وفهم معانيها، فــ”المراقبة تؤدي بك إلى طرق الحقائق”، والحقائق لا تدركها البصائر إلا من خلال المراقبة، التي عرفوها بأنها “علم العبد باطلاع الرب، ومراعاة السر بملاحظة الغيب”، لأن “عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز”، فالقانون ليس كافيا لتحقيق الضبط الإصلاح، ولكن لا بد من الضمير، لذا كان من دعاء “جلال الرومي”: ” يا رب، كلِّف حَرس عنايتك أيضًا بمراقبة باطننا”.

وعندما سئل “ابن عطاء الله السكندري”: ما أفضل الطاعات؟ قال: مراقبة الحق على دوام الأوقات”، وما أروع تعريف “ابن عجيبة” في كتابه “معراج التشوف إلى حقائق التصوف” للمراقبة، أنها ” أصل كل خير، وبقدرها تكون المشاهدة، فمن عظمت مراقبته، عظمت بعد ذلك مشاهدته. فمراقبة أهل الظاهر: حفظ الجوارح من الهفوات، ومراقبة أهل الباطن: حفظ القلوب من الاسترسال مع الخواطر والغفلات”، وجاء في صيد الخاطر” لابن الجوزي” أن “الحق عز وجل أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه.. فقلوب الجهال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الكف عن الخطايا. والمتيقظون علموا قربه فحضرهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط”.

وربما المليار كاميرا التي ستثبت في العالم بنهاية العام القادم، والتي أنفقت عليها مئات المليارات من الدولارات، تحتاج قبلها ومعها إلى إيقاظ الضمير في الأعماق ليكون صوت الله في الإنسان، لأنه قادر على التربية والتهذيب أكثر من تلك الآلة، فالتحضر هو بناء الإنسان وليس استهلاك التكنولوجيا.

العلامة الغماري..الناقد الحافظ للحديث

هو أحد علماء المغرب الكبار، العلامة المحدِّث المفيد الناقد الحافظ للحديث، الشيخ عبد العزيز بن محمد بن الصديق بن أحمـد الغماري الإدريسي الحسيني، الذي ينتهي نسبه إلى إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط عليه السلام.

قرأ الغماري كثيرا من كتب الحديث المسندة، والأجزاء الحديثية، وسمع بعضها، ونسخ العشرات منها، ومصنفاته كلها شاهدة بتفوقه في الحديث وتضلعه في فنونه، ورسوخه في صناعته، أثنى عليها أصحاب هذا الشأن.

ويعتبر الشيخ عبد العزيز الغماري عالما واسع الاطلاع، قوي النظر، جيد الاستحضار، حافظ للحديث مرجعاً لأهل زمانه.

مولده وبداية طلبه للعلم

ولد عبد العزيز الغماري في طنجة بالمغرب الأقصى، في شهر جمادي الأولى سنة 1338هـ، وتعهده والده من صغره، فبعد قراءة القرآن الكريم على الفقيه سيدي محمد بودرة اشتغل بالطلب عليه، وكان مهتماً به غاية الاهتمام، وذلك بالرعاية والنصح والإرشادات التي قربت إليه الأقصى في كثير من المسائل، لما كان عليه من سعة الاطلاع وحسن البيان والتعليم التبليغ.

كان والده يوصيه وقت الطلب بألا يراجع شيئاً من الحواشي والتقريرات وقت الطلب ويقول له: إذا حصلت الملكة بالكتاب الصغير في أي فن من الفنون صار الفن كله بكتبه المطولة وحواشيها في متناول اليد يسهل فهمها.

شيوخه ودراسته بالأزهر

بعد وفاة والده رحمه الله تعالى سافر إلى القاهرة سنة 1355هـ، والتحق بالأزهر الشريف فأخذ عن عدد من علماء الأزهر، كالشيخ عبد المعطي الشرشيمي من كبار علماء الهيئة، والشيخ محمود إمام، والشيخ عبد السلام غنيم الدمياطي الشافعي، وانتفع به كثيراً، والشيخ محمد عزت، وآخرين من كبار شيوخ الأزهر، قرأ عليهم علوم الأزهر المتداولة والفقه على مذهب الإمام الشافعي وحضر في ألفية الحديث بشرح العراقي على شقيقه السيد عبد الله وحضر عليه شرح جمع الجوامع كاملاً في الأصول، وبالأخص في علم الحديث، وتدرب ببعض كتبه.

ومن بين شيوخه شقيقه أحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسيني(1320- 1380 هـ)، أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن رافع الحسيني القاسمي الطهطاوي (1275- 1355 هـ)، أحمد بن محمد بن محمد الدلبشاني الموصلي الحنفي البصير، خليل جواد بدر بن مصطفى بن خليل القرشي المقدسي، عبد الباقي بن محمد علي بن محمد معين بن محمد مبين الأنصاري اللكنوي المدني (1286- 1364 هـ)، محمد الخضر بن حسين التونسي شيخ الجامع الأزهر، يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، عبد الله بن محمد غازي الهندي المكي..وغيرهم كثيرون.

اشتغاله بالحديث

ذكر الغماري في ترجمته لنفسه، كيف كان ابتدأ في طلب الحديث وتدرجه فيه، و قال أنه بعد أن قرأ الاصطلاح اتجه للتطبيق لأنه المقصود من علم الحديث، فاشتغل بكتاب “اللآلئ المصنوعة” للحافظ السيوطي وخرج منه بعلم عظيم جم وكتب جزءاً مستقلاً في الاستدراك عليه اسمه “الجواهر الغوالي”.

كما ذكر أنه تعلم من “اللآلئ” نقد الرجال، وسير الطرق، وتمييز الصحيح من الضعيف من الموضوع ثم أقبل على قراءة كتب التخريج فقرأ أعمال شقيقه السيد أحمد علي مسند الشهاب، ثم قرأ تخريجات الحفاظ: العراقي، والزيلعي، وابن حجر والسيوطي والتي أمكنه الوقوف عليها، وكان يكاتب شقيقه السيد أحمد ويستفيد منه وقرأ كتبه الحديثية، وكان له أنس خاص بكتاب فتح الملك العلي.

ثم ذكر أنه بعد أن آنس من نفسه الخبرة بالفن كتب “بلوغ الأماني من موضوعات الصنعاني” ولما اطلع عليه شقيقه السيد أحمد وقال له كان ينبغي أن تسميه “هزيج الأغاني” لإطرابه بفوائده لقارئه.

رجع إلى طنجة في شهر ربيع النبوي سنة ست وستين، وكانت مدة إقامته في مصر نحو اثني عشر عاما. واشتغل في طنجة بالتدريس والخطابة والتصنيف وملازمة الزاوية الصديقية مع الاشتغال بالذكر والأوراد، وحجَّ واعتمر أكثر من مرة. وبقي على حاله من الإقبال على الله وإفادة الناس ولا سيما أهل العلم، والقيام بأعباء الزاوية الصديقية، وبعد وفاة شقيقيه عبد الله وعبد الحي ازداد إقبالاً على الله تعالى وملازمة الذكر، ثم قبيل وفاته بسنة تقريبا مرض ولازم بيته إلى أن انتقل إلى رحمة الله سنة 1418 ودفن بجوار والده في الزاوية الصديقية بطنجة.

مؤلفاته وجهوده العلمية

 أما أبحاثه العلمية التي نشرها في المجلات والصحف فهي كثيرة، منها ما نشر بمجلة “الإسلام” عندما كان بالقاهرة، وما نشر بمجلة “البلاغ” الغراء التي صدرت بطنجة.

وكان الشيخ الغماري من المكثرين في التصنيف، فقد بلغت تصانيفه نحو السبعين كتاباً، طبع منها (25) والباقي لا يزال مخطوطا، ويغلب عليها علم الحديث الشريف، وله رسائل في مواضيع تهم أهل عصره. ومن بين مؤلفاته:

  • تسهيل المدرج إلى المدرج.
  • التأنيس بشرح منظومة الذهبي في أهل التدليس
  • البغية في ترتيب أحاديث الحلية
  • التحفة العزيزية في الحديث المسلسل بالأولية
  • الجامع المنصف لما في الميزان من حديث الراوي المضعف (في 3مجلدات).
  • دوران الأرض عند علماء المسلمين
  • رفع الضرر عمن يقول بإمكان الوصول إلى القمر
  • حكم تحديد النسل
  • تنزيه الرسول عن افتراء الغبي الجهول
  • وجوب اتحاد المسلمين في الصوم والإفطار
  • الأربعون في ذم البخل والبخلاء
  • ما يجوز ومالا يجوز في الحياة الزوجية
  • التعريف بجهل من أنكر العمل بالحديث الضعيف
  • التعطف في تخرج أحاديث التعرف
  • رفع العلم بتخريج أحاديث إيقاظ الهمم في شرح الحكم
  • الجواهر المرصوعة في ترتيب أحاديث اللآلئ المصنوعة
  • أزهار الكمامة في صحة أحاديث الغمامة
  • السوانح (مجلد)
  • السفينة (في مجلدين ضخمين)
  • تخريج أحاديث البحث لابن أبي داوود

يقول د. عبد الله الجباري، وهو باحث في الدراسات الإسلامية بالمغرب، أن العلامة عبد العزيز الغماري لم يفرد علم المصطلح بتأليف مستقل، إلا أن المطلع على مؤلفاته ورسائله، يلفي مادة غميسة من مباحث هذا العلم متناثرة في تراثه العلمي، تحتاج إلى من يلم شعثها، ويجمع متفرقها، حتى تقَدّم للباحثين في دراسة مستقلة، يتبينوا من خلالها منهجه في هذا العلم، ونفَسه الاجتهادي، حيث نراه يحقق المسائل ويوضحها، ويرجح بين آراء أرباب الفن، ويتعقب أقاويلهم بالنقد.

وتكتسي أهمية آراء الغماري في علم المصطلح أنه ضمّنها كتبه في الصناعة الحديثية، حيث يمتزج الجانب النظري بالتطبيقي، فينعدم التناقض والاضطراب بينهما، كما حصل للعلماء الذين فصلوا بين الجانبين، فنجدهم يقررون أحيانا مسألة من الناحية النظرية، ولا يلتزمون متعلقاتها من حيث الصناعة والتطبيق، مثل تنظيرهم لرفض رواية المبتدع الداعية، وقبولهم لها في التخريج والرواية.

الغماري وعلم المصطلح

ولنظرات العلامة المحدث عبد العزيز بن الصديق في علم المصطلح فوائد لعدة اعتبارات :

أولها : أنه محدث ناقد متمكن من علم الحديث الشريف، عارف بدقائقه وخوافيه، يظهر ذلك جليا من خلال مؤلفاته.

ثانيها : أنه محدث مجتهد، غير مقلد للسابق كيفما كانت منزلته ومرتبته في هذا العلم الشريف، فتراه معظما للحفاظ الذهبي وابن حجر والسيوطي، مجِلاًّ للمحدث سيدي محمد بن جعفر الكتاني، ومع ذلك ينتقد آراءهم، ويتعقب أحكامهم، أما ابن الجوزي والصغاني وابن طاهر المقدسي فقد أكثر من انتقاداته عليهم، وهذا نهج لا ينتهجه المقلدة ولا يسلكون سبيله، حيث انتقد المتأخرين الذين يغترون بشهرة المتقدم ومكانته العلمية بقوله “فيأخذون كلامه مسلما من غير بحث ونظر”.

ثالثها : أنه عالم جريئ، لا يخاف في العلم مخالفة جمهور أو مشهور، لذا تراه يعبر عن رأيه ويدافع عنه ويحاجج، وإن خالف ما تقرر واشتهر، واستقر وانتشر، مثل رأيه في توثيق بعض الرواة، أو في نقده لبعض الأحاديث.

ليلة القدر ونزول القرآن الكريم

تحتوي سورة القدر على مجموعة من الأغراض التي جاءت السورة لبيانها وترسيخ معانيها والتي تتوافق مع الغايات الكبرى التي جاء الإسلام بها، ويحققها البيان القرآني المعجز، وكان من أبرز أغراض هذه السورة والفكرة الرئيسة التي تفهم من آياتها، التنويه بفضل القرآن الكريم وعظمته لذلك أسند الله بدايته وتنزيله إلى ذاته العلي سبحانه، وفي سبيل إثبات هذه الحقيقة الرد على الذين يجحدون أصل القرآن ومصدره.

يضاف إلى ما تقدم بعض الفوائد التي اشتملت عليها هذه السورة ومن ذلك:

1– رفع شأن هذا القرآن الموجود بين الناس، إذ الفضل يرجع ابتداء إلى مصدره، فهو كلام الله تعالى، ثم الزمن الذي نزل فيه وهو ليلة القدر، وهي إحدى ليالي شهر رمضان، والطريق التي جاء التنزيل بها، إشارة إلى الروح وهو جبريل الذي كان ينزل بهذا الكتاب العزيز إلى النبي صلى الله عليه وسلم منجما.

2– تفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام، وهي ليلة القدر، وما يتبع ذلك من تحريض المسلمين على تحين ليلة القدر بالقيام والتصدق.

3– أما إطلاق هذا الاسم على ليلة القدر فهو اختيار من الله تعالى خصص به الليلة التي بدأ فيها التنزيل على النبي صلى الله عليه وسلم، ويظهر أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقا لمعرفتها،  ولذلك عقب بقوله: (وما أدراك ما ليلة القدر).  

4– ومعنى القدر الذي عرفت به الليلة بالإضافة إليه هو الشرف والفضل عند الله تعالى لما فيها من البركة والكرامة وهو تشريف آخر للقرآن الكريم بتشريف زمان ظهوره.   

جاء في التسهيل: دل سياق الآية (إنا أنزلناه في ليلة القدر) على تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر دلالة على شهرته والاستغناء عن تسميته، الثاني أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات، والثالث أن الله أسند إنزاله إلى نفسه.
5– تفيد السورة أن القرآن كما تشرف بنزوله في أفضل ليالي السنة، كذلك اختصت ليلة القدر من بين ليالي السنة بتشرفها بإنزال القرآن فيها، وبتنزل الملائكة والروح فيها، وبكونها رحمة وسلاما على المؤمنين حتى مطلع الفجر، وفي هذه الفضائل كفاية وغنية للحض على الاهتمام بهذه الليلة والحرص على اغتنام ساعات الإجابة فيها.     

هل المنزل في ليلة القدر كل القرآن أو بعضه؟

لا خلاف بين المفسرين أن الضمير الغائب في قوله (أنزلناه) عائد على القرآن الكريم لأنه المنزل في ليلة القدر تنويها بشأنه وشهرته وحضوره في أذهان المسلمين لشدة اهتمامهم به، وإنما وقع الاختلاف في بيان كم نسبة نزلت من القرآن في تلك الليلة؟ هل المنزل في هذه الليلة كل القرآن أو بعضه؟

ذهب بعض العلماء إلى أن ما نزل في ليله القدربداية الوحي بالقرآن، إشارة إلى أوائل سورة العلق وقد بدأ الوحي  بها، وهو مروي عن ابن عباس، قال: (ثم تتالى نزول الوحي، بعد ذلك وكان بين أوله وآخره عشرون سنة).

وذهب بعض العلماء إلى أن المنزل في تلك الليلة، هو جميع القرآن جملة واحدة، وكله إلى سماء الدنيا، ثم صار ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما حسب الوقائع. وهو قول الجمهور حتى حكى الألوسي عليه الإجماع.

ولعل الراجح أنه لا منافاة بين القولين، حيث يمكن الجمع بين القولين، إذا علم أن بداية نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان في غار حراء، ونزل حينها أوائل سورة العلق، وكان في ليلة القدر، ثم تتابع لفترة ثلاث وعشرين، فقد نزل في الدنيا منجما، وعليه يحمل القول الأول، وأما القول بنزوله جملة في ليلة القدر فمحمول على نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا، وفي كل حالته تشريف لهذا القرآن.

ويمكن الإشارة إلى توجيهين اثنين للجمع بين القولين إلى جانب ما ذكر:

أ – جاء في أضواء البيان:

“الواقع أنه لا تعارض كما تقدم، بين كونه في اللوح المحفوظ ونزوله إلى السماء الدنيا جملة، ونزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما؛ لأن كونه في اللوح المحفوظ، فإن اللوح فيه كل ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، ومن جملة ذلك القرآن الذي سينزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

ونزوله جملة إلى سماء الدنيا، فهو بمثابة نقل جزء مما في اللوح وهو جملة القرآن، فأصبح القرآن موجودا في كل من اللوح المحفوظ كغيره مما هو فيه، وموجودا في سماء الدنيا ثم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما.

ومعلوم أنه الآن هو أيضا موجود في اللوح المحفوظ، لم يخل منه اللوح، وقد يستدل لإنزاله جملة ثم تنزيله منجما بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9]؛ لأن نزل بالتضعيف تدل على التكرار كقوله: (تنزل الملائكة) [القدر: 4] ، أي: في كل ليلة قدر.

وعلى هذا يكون القرآن موجودا في اللوح المحفوظ حينما جرى القلم بما هو كائن وما سيكون، ثم جرى نقله إلى سماء الدنيا جملة في ليلة القدر، ثم نزل منجما في عشرين سنة. وكلما أراد الله إنزال شيء منه تكلم سبحانه بما أراد أن ينزله، فيسمعه جبريل عليه السلام عن الله تعالى. ولا منافاة بين تلك الحالات الثلاث”.

  ب – جاء في التحرير والتنوير: “يجوز أن يراد به القرآن كله فيكون فعل: «أنزلنا» مستعملا في ابتداء الإنزال لأن الذي أنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجما ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة، ولكن لما كان جميع القرآن مقررا في علم الله تعالى مقداره وأنه ينزل على النبيء صلى الله عليه وسلم منجما حتى يتم، كان إنزاله بإنزال الآيات الأول منه لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله”.

رمضان في المهجر..لا روح لا أهل وبطعم كورونا

قبل ايام قليلة من دخول شهر رمضان الكريم العشر الأخيرة، يبدو أن فيروس كورونا ربح المعركة، فقد افتقد  المسلمون في  العالم إلى المساجد العامرة و التجمعات العائلية والأسواق المزدحمة والمأكولات المميزة، لكن أكثر فئة قد تشعر بهذا الألم هي فئة المهاجرين على اختلاف أصولهم وطبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم والدول التي تستضيفهم.

يأتي شهر رمضان هذا العام، في ظل توترات عامة يعيشها العرب والمسلمون في مهجرهم حول العالم. بيد أن أكثر ما يفتقده أغلب هؤلاء ما يسمونه “الاشتياق إلى أجواء رمضانية في البلاد الأصلية”، لكن رمضان هذه السنة وسمته كورونا بتعميم عالمي للأجواء الرمضانية تسري طقوسه على كل البلدان. لكن رغم ذلك بالنسبة للمهاجرين، رمضان وسط الأهل والأحباب والاصدقاء والجيران له طعم خاص، حتى وإن حكمت كورونا بأحكامها .

في روسيا، حيث تنتشر تلك الأجواء في بعض الجمهوريات المسلمة، يعيش نحو مليوني مسلم في موسكو وغيرها من دون أية مظاهر رمضانية. وفيها مثل أميركا وكندا وفرنسا وبقية دول المهجر، يجتهد العرب والمسلمون لخلق بعض من أجواء البلاد الأصلية. فيتجه هؤلاء لإقامة نشاطات وفعاليات عبر  مواقع التواصل الاجتماعي. وبالرغم من مخاوف تصاعد الوباء إلا أن الجميع يسعى لحوارات تخفف التوتر وتساعد على التأقلم مع ساعات الصوم الطويلة.

القطب الشمالي..لا وجود لكورونا

ففي منطقة القطب الشمالي الكندية، حيث لا وجود لرائحة كورونا الكريهة، يعاني المسلمون أمرا آخر، حيث تصل ساعات الصوم إلى 23ساعة، ففي قرية ” كنكرسكن” تبدو  أيام رمضان صعبة للغاية، فالشمس لا تغرب إلا في الثانية عشرة ليلا، وبعد ساعة تشرق ثانية. ولدى المسلمين هناك وقت قصير للإفطار والسحور، لذا فقد حصلوا على فتوى بالصوم  وفق تقويم أقرب مدينة لنهم، وهو ما سيكون على توقيت مدينة مونتريال، أي17 ساعة صوم فقط. ومع ذلك يقول سكان هذه المناطق البعيدة، أنهم على استعداد للصوم 24 ساعة، على أن يعيشوا في أجواء فيروس كورونا الذي يرعبهم عن بعد، ويدركون مدى خطورته على حياة الإنسان من جهة، وتأثيره على عاداته وتقاليده ونمط حياته من جهة ثانية.

أمريكا.. أجواء مشحونة

وفي بعض المناطق الأميركية تصل ساعات الصيام إلى 14 ساعة. ويأتي رمضان هذا العام في ظل أجواء متوترة للغاية بسبب وباء كورونا الذي يسجل أكبر نسب الإصابات والوفيات في أميركا. وعلى الرغم من شعور الكثير من العرب والأميركيين بالتضييق عليهم بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب إلا أن الشعور بحلاوة رمضان من جهة أخرى قائم بشكل قوي، بسبب تعاطف ودعم الكثير من الأميركان مع الجاليات المسلمة والعربية، خاصة في هذا الوقت الصعب الذي استدعى من الجميع الصبر والصلاة حتى تمر هذه الأزمة.ولتخفيف التوتر والتعاون مع الجاليات عقدت شرطة نيويورك لقاءات مع أبناء الجالية المسلمة والعربية، في سياق تسيير الحياة خلال رمضان في ظل وجود فيروس كورونا.

روسيا.. ساعات طويلة

وفي مناطق روسية معينة حيث تزيد ساعات الصيام عن 19 ساعة. يواجه الصائمون كورونا مع مشكلة التأقلم مع غياب الأجواء الرمضانية ومعاناة الجوع والعطش لساعات النهار الطويلة مقارنة بدول أخرى.

وتقدم اختصاصية التغذية، غوزيل أوفتشينيكوفا، عددا من النصائح في ظل هذه الظروف الصعبة، حيث يفضل تناول وجبات طبيعية تم طبخها بالمنزل، وتفادي الدهون، لأنها قد تكون ثقيلة على الجهاز الهضمي.كما يمكن تناول لحم وسمك مطهو ببطء أو داخل فرن أو على البخار، أو حساء وحبوب وخضروات وفواكه وزيوت. ويفضل تجنب المخبوزات، واستبدالها بالفواكه المجففة أو العسل. وفي ما يتعلق بالمشروبات يجب تفادي زيادة الضغط على الكلى، فيفضل الامتناع عن تناول الشاي والقهوة مع الاكتفاء بلتر أو لتر ونصف اللتر من الماء والعصائر الطبيعية. وبما أنه ليس هناك وقت كاف بين المغرب والفجر، تنصح أوفتشينيكوفا بتناول أطعمة خفيفة أثناء السحور مثل الفواكه المجففة والجبنة البيضاء ووجبات نباتية قليلة الدهون.

شعائر وهويات وحجر منزلي!

وفي فرنسا حيث الجالية السورية كبيرة، نجد شهر رمضان بالنسبة للسوريين في فرنسا، ليس له الخصوصية نفسها، مثلما هو لدى باقي الجاليات الإسلامية، وخاصة المغاربية منها، التي يجمعها المسجد الكبير. ولكن هذا لا يعني غياب عناصر التميز ، فإذا كانت غالبية السوريين يعتبرون خصوصية جوهر رمضان حضارية وشعائرية صرفة، فهناك جزء من السوريين يعتبره طقسا ثقافيا، وجوهره أقرب للإسلام الأوروبي – إن صح التعبير – إسلام يمزج بين خصوصية الثقافة الأصلية، مع قدرة على الاندماج مع هوية البلد المضيف.

الكثير من السوريين في رمضان يقصدون المطاعم السورية المنتشرة في باريس، على قلتها، لكنها خاوية هذا العام، بفضل الهجرة التي تبعث على الحزن والسعادة في آن واحد، والحجر المنزلي. وحينما تتجول في هذا الشهر الفضيل في الأمكنة التي يرتادها السوريون لا تحتاج لطرح الأسئلة، وجوه الناس الغائبة عنها، البسمة كافية لتجيب على كل تساؤلاتك، النكبة حاضرة في كل وقت، ولكن في رمضان الجرعة تمسي كارثية، وهذا يبدو جلياً للعلن من خلال الأحاديث الجارية والمتبادلة في ما بينهم. ويبــقى القاسم المشـترك بين تنوع الـــجالية الســورية، الحـنين إلى روح الألفة والمــشاركة في مــدنهم وبلداتهم ومــكانهم الأم، فــيلازم صــيامهم الــشــعور بالــــحنين إلى هذه الأمكنة والأسى والحزن لبعدهم القسري عنها.

إيطاليا..حالة خاصة جدا

وفي إيطاليا، يحل شهر رمضان المبارك هذه السنة، في ظروف إستثنائية بكل المقاييس ، بسبب الحجر الصحي الناتج عن وباء كورونا، إذ غابت عن هذا الشهر الفضيل بعض مظاهر التعبد المعتادة ، لكن أتيحت ، بالمقابل ، فرصة تقوية الأواصر والتلاحم بين المسلمين.

ولاتقاء شر وباء كورونا قررت السلطات الإيطالية، على غرار معظم دول العالم ، إغلاق المساجد وحظر الشعائر الدينية التي تقتضي احتشاد المؤمنين ، وإلغاء موائد الرحمان ، ما جعل شعائر هذا الشهر الفضيل تقام في البيوت في أجواء روحانية يتقاسمها مسلمو هذ البلد الأوروبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.فمع افتقادهم  للصلاة في المسجد وموائد الإفطار الجماعي ، هناك جانب إيجابي للحجر الصحي ، يتمثل في الإقبال غير المسبوق للجاليات المسلمة على الدروس الدينية ، يسرته التكنولوجيات الحديثة ، وكذا في التأسيس لعادات أسرية جديدة لم تكن موجودة من قبل. بل أن عدد المسلمين عامة، الذين يستفيدون خلال هذه السنة من الدروس الدينية عبر تقنية الفيديو ، وهم في بيوتهم ، يفوق بثلاث مرات عدد من كانوا يحضرونها في المسجد في الأعوام الماضية.

ورغم اختفاء موائد الرحمن من مختلف المناطق الإيطالية في أوج الأزمة الصحية والاقتصادية الناجمة عن وباء كورونا ، تزايد منسوب التضامن والتآزر والتكافل بكل أنواعه بين أفراد الجاليات المسلمة الذين يقوم الكثير منهم بإعداد وجبات وتوصيلها إلى الأشخاص المعوزين والأشخاص الذين لا مأوى لهم ، كما يقدمون لهم مواد غذائية في إطار مبادرات توفق بين واجب القيام بأعمال الخير ، والالتزام ، في الوقت ذاته ، بالإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الفيروس.

وتراهن السلطات الإيطالية على التباعد الاجتماعي كإجراء وقائي رئيسي للحيلولة دون انتقال العدوى، وهو أمر يأخذه المقيمون المسلمون في هذا البلد الأوروبي على محمل الجد ، خلال قيامهم بمبادراتهم الخيرية وإحيائهم للأجواء الروحانية للشهر الفضيل وشعائره.

وإذا كانت أزمة فيروس كورونا المستجد قد حجبت بعض العادات الرمضانية للمسلمي المهجر، إلا أنها ساهمت ، في المقابل ، في تقوية أواصر المحبة بينهم ، وجعلتهم يستوعبون بشكل أكبر جوهر الصوم والغاية الحقيقية من هذا الشهر الفضيل.

“رحم الله رجلا سمحا إذا باع”

روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».[1]

في هذا الحديث الشريف تظهر سماحة الإسلام، فالرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه مبتهلًا إليه، أن يرحم المؤمن السمح في كل معاملاته فيحسن المعاملة في البيع والشراء، كما يحسن المعاملة في قضاء الدين، الذي عليه بالحسنى، واقتضاء الدين الذي يكون له عند الآخرين، فيمهله حتى يستطيع رده، أو يتنازل عنه؛ فيتصدق عليه لإعساره، بل هذا خير له، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] وفي الحديث الشريف: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله».[2] و«من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه».[3] فأخذ يصور مواطن السماحة في حسن المعاملة تصويرًا أدبيًا في تعبير بلاغي نبوي شريف.

أولًا: عبر عن السماحة في صورة بلاغية تتضمن الدعاء منه – صلى الله عليه وسلم- لمن يتعامل بها، ودعاؤه مستجاب في كل الأحوال، فيرحمه الله تعالى في الدنيا والآخرة، لأن السماحة سخاء في النفس وكرم في الخلق، ولين في الطبع، تربي المسلم على حسن المعاملة.

ثانيًا: صور النبي – صلى الله عليه وسلم- من يستحق الرحمة من الله عز وجل في تعبير بلاغي فريد، حين جعل السماحة هي الرجل نفسه، والرجل هو السماحة نفسها، لا فرق بينهما فقال: “يرحم الله رجلًا سمحًا”.

ثالثًا: عرض النبي – صلى الله عليه وسلم – السماحة في البيع في صورة أدبية بلاغية عميقة، تتناول الأخلاق السامية في المعاملة، وتعتمد على القيم النبيلة في التجارة، وفي رعايتها صلاح حال الأفراد والمجتمع لضرورة تبادل المنافع بين الناس بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، فلا يبالغ البائع في الربح، بل يقنع باليسير منه، فيكثر الإقبال عليه، وتروج تجارته، ويتحقق له الغنى والثراء، أما الذين يبالغون في الربح من أهل الفظاظة لا السماحة، فإنهم ينفرون الناس من التعامل معهم، فتبور تجارتهم، وتكسد ساحتهم، وينتهون إلى الإفلاس فيحل عليهم الغضب لا الرحمة.[4]

ومن السماحة في البيع أن يحدد ثمن بضاعته، حتى لا يتعرض لكثرة المساومة والحلف لترويج سلعته، وقد ذم القرآن الكريم الذين يروجون سلعتهم بالأيمان الغموس، ويشترونها بالحلف الكاذب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ..} [آل عمران: 77] وقد امتدح النبي – صلى الله عليه وسلم- التاجر الصادق فقال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء»[5] وتقتضي السماحة من البائع عدم الغش أو البخس في الكيل والميزان، مما يتنافى مع المروءة فذلك عين الكذب، قال النبي – صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».[6]

رابعًا: عرض النبي – صلى الله عليه وسلم- السماحة في الشراء بصورة أدبية بليغة على سبيل التحقيق، حين عبر بإذا، التي تفيد الحقيقة لا الشك أو التردد أو الكذب، كما تفيد السماحة في الشراء على سبيل الحقيقة في وقوع فعل الشراء في الماضي، الذي يدل على تحقق الوقوع، أي لا بد منه، فقال: “سمحًا إذا اشترى”، فيكون سهل المساومة في شرائه، سمحًا في تقويم البضاعة والسلعة فلا يبخس قيمتها، ولا يعمل على تطفيف الميزان والكيل وزيادته، فإن ذلك سحت، وأكل الأموال بالباطل، قال تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]

خامسًا: عبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن السماحة في اقتضاء الدين وقضائه؛ في صورة أدبية بليغة في قوله: “سمحًا إذا اقتضى وإذا قضى” فعبر أيضًا بإذا وبالفعل الماضي على سبيل التحقيق في الوقوع والتنفيذ، فيكون الدائن “سمحًا” في قضاء حقه، يطلب دينه في لين لا في فظاظة وغلظة، ولا خصومة وشدة، بل دعاه أن يتخلى عن الدين، لإعسار المدين، وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ” كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه “.[7]

وأما السماحة في قضاء الدين؛ فتقتضي رده في أجله على الوجه الذي يحبه الدائن ويرضاه، ولا يحوج الدائن إلى مطالبته والإلحاح عليه مع قدرته على سداد ما في ذمته لئلا يكون مماطلا فالمطل ظلم يخل بالمروءة والسماحة[8]،  وقد قال صلى الله عليه وسلم:

«مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع».[9] وفي مسند الإمام أحمد.. عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ـ (…) ـ ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطعام». قلت: ما الإيمان؟ قال: «الصبر والسماحة» . قال: قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» . قال: قلت أي الإيمان أفضل؟ قال: «خلق حسن».[10]

وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا، وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها؛ فإن النفس يراد منها شيئان:

1- بذل ما أمرت به، وإعطاؤه. والحامل عليه: السماحة.

2- وترك ما نهيت عنه، والبعد منه. والحامل عليه: الصبر.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه. والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه. والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.[11]

وإذا عـــرتك بلية فاصبـر لها     صبر الـكــريـم فإنه بك أعـلـم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما     تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم


  • [1] ـ صحيح البخاري / الحديث رقم: (2076).
  • [2] ـ صحيح مسلم / الحديث رقم: (3006).
  • [3] ـ صحيح مسلم / الحديث رقم: (1563).
  •  [4] ـ التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف (ص: 167).
  • [5] ـ سنن الترمذي ت شاكر / الحديث رقم: (1209).
  • [6] ـ صحيح مسلم / باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» / (1/ 99).
  • [7] ـ صحيح البخاري / الحديث رقم: (2078).
  • [8] ـ (التصوير النبوي..) / (ص: 169).
  • [9] ـ صحيح مسلم / الحديث رقم: (1564).
  • [10] ـ مسند أحمد مخرجا / الحديث رقم: (19435).
  • [11] ـ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 159).
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ… خصائص الذكر الحكيم

ونحن في شهر رمضان، شهر الإيمان والقرآن، نعطف على صفحات كتاب الله الكريم لنرتشف من رحيقه، ونملي عيوننا بكلام ربنا عز وجل وآياته. ولكي نزيد من إدراكنا لما نقرأ، ونعرف حق المعرفة قيمة الكلام العظيم الذي تتلوه ألسنتنا، فلا بأس من أن نذكر المؤمنين ببعض من خصاص القرآن الكريم والتي تجعله يسمو على كل كتاب ويعلوه.

كتاب أحكمت آياته

أولى خصائص هذا الكتاب العظيم أنه كتابُ الله تعالى؛ الذي يتضمّنُ كلماته إلى خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، فهو إلهيُّ المصدر: لفظاً ومعنًى، أوحاه الله إلى رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي الجلي، وهو نزول «الرسول الملكي» جبريل عليه السلام على «الرسول البشري» محمد صلى الله عليه وسلم، وليس عن طرق الوحي الأخرى من الإلهام أو النفث في الرّوع، ومن الرؤيا الصادقة أو غيرها.

قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ *} [هود: 1].

وقال سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقرآن مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ *} [النمل: 6].

وقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *} [الإسراء 105].

وقد اقتضت حكمةُ الله تعالى أنْ ينزّله منجماً وفقاً للحوادث؛ ليكونَ أرسخَ في مواجهة المحن والشدائد التي تنزل به وبأصحابه، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً *وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا *} [الفرقان: 32 ـ 33].

وحكمة أخرى، وهي أنْ يقرأه الرسول الكريم على المؤمنين به على مهل، وحيث يستوعبونه حفظاً وفهماً وعملاً، كما قال الله عز وجل:{ وقرآنا قرأناه لتقرأه  عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً }[الإسراء: 106].

والقرآن عند الله تعالى كتاب معلوم أوله وآخره، مسجَّلٌ في أم الكتاب، أو اللوح المحفوظ، أو الكتاب المكنون، كما صرّحَ بذلك القرآن نفسه: {حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا جَعَلْنَاهُ قرآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ *}[الزخرف: 1 ـ 4].

وقال تعالى: {بَلْ هُوَ قرآن مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ *} [البروج: 21 ـ 22].

وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقرآن كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الواقعة: 77 ـ 80].

وأيُّ قارئ للقرآن ـ له عقلٌ وحِسٌّ ـ يستيقن أنّـه ليس كلام بـشر، وأنّـه متميز عن كـلام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ الذي يتمثّل في الـحديث النبوي، وإن كـان في ذروة البلاغـة البشرية، وإنّ وجودَ آية قرآنية ضمن حديث نبوي، يجعل لها نوراً خاصاً يحسّ به مَنْ يقرؤها أو يسمعها، ويشعر أنّها ليست من جنس مـا قبلها وما بعدها.

ومن روائع ما قال الإمام ابن القيم عن «الخطاب القرآني» قوله في كتابه «التبيان في أقسام القرآن»: تأمّل في خطاب القرآن تجد ملكاً له المُلك كله، وله الحَمْدُ كله، أزمّةُ الأمور كلّها بيده، ومصدرُها منه، وموردُها إليه، مستوياً على العرش، لا تخفى عليه خافيةٌ من أقطار مملكته، عالماً بما في نفوس عبيده، مطّلعاً على أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى، يعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي ويدبر، الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه، لا تتحرك ذرةٌ إلا بإذنه، ولا تسقط ورقةٌ إلاّ بعلمه، فتأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجّد نفسه، ويحمد نفسه، وينصحُ عباده، ويدلّهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم، ويرغّبهم فيه، ويحذّرهم ممّا فيه هلاكُهم، ويتعرّف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبّب إليهم بنعمه وآلائه، يذكرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذّرهم من نقمه، ويذكرهم بما أعدّ لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعدّ لهم من العقوبةِ إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في  أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبةُ هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه لصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذمّ أعداءه بسيّئ أعمالهم، وقبيحِ صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيبُ على شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافهم وحسنها ونعيمها، ويحذّر من دار البوار، ويذكر عذابها وقبحها وآلامها، ويذكّر عباده بفقرهم إليه، وشدّة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم بغناه عنهم وعن جميع الموجودات، وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه.

الحفظ الإلهي للقرآن الكريم

ومن خصائص القرآن أنّه كتابٌ محفوظ، تولّى الله تعالى حفظه بنفسِه، ولم يكل حفظه إلى أحدٍ، كما فعل مع الكتب المقدسة الأخرى.

وقد نوّه الله سبحانه بعظمة القرآن بذكر حفظه قبل نزوله في آيات، منها:

قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ *} [عبس: 11 ـ 16].

وأمّا حفظ الله تعالى للقرآن أثناء نزوله؛ فيدل عليه قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105].

وأمّا حفظ الله تعالى للقرآن بعد نزوله؛ فيدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحجر: 9].

والصيغـةُ تـدلُّ على التأكيد من عِدّة أوجهٍ يعرفها دارسو العربية، منها: اسمية الجملة، وتأكيدها بحرف إن، ودخول اللام المؤكدة على الخبر (لحافظون)  ولحفظ الله إياه فقد بقي كما هو: طودا أشم، عزيزا لا يقتحم حِماه، وكل محاولة لتغيير حرف منه مقضيٌّ عليها بالفشل، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ *} [فصلت: 41 ـ 42].

وقد هيأ الله تبارك وتعالى للقرآن العظيم ظروفاً تختلِفُ عن الكتب السابقة فحفظه دونها، ومن ذلك:

1ـ هيّأ أمة قوية في ذاكرتها وحافظتها، ذلك أنَّ العربَ الأوائل في جاهليتهم كانوا متمكنين من ذلك، حيث يَرْوُون ألوفاً من أبيات الشعر من غير تدوين، إنما يعتمدون في ذلك على الحفظ.

2ـ هيّأ للقرآن العظيم سهولةَ الحفظِ، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *} [القمر: 17].

3ـ هيّأ له أمة مستقرة ممكنة في الحفظ والفهم، والأمانة، فكان الحفاظ يحفظونه على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يُتقِنُوا الحفظ، ثم يُدوّنونه بعد ذلك، ويقف عليهم بنفسه في مراجعة ذلك.

4ـ هيّأ له مراجعة النبيِّ صلى الله عليه وسلم له في الملأ الأعلى، حيث كان يحفظُ ما يوحي إليه، ثم يُراجعه على جبريل عليه السلام مرةً كل سنة، وفي السنة الأخيرة من حياته المباركة راجع جبريلُ القرآن كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.

5ـ بعد الفراغ من تدوينه لم يَعُدْ هناك مجالٌ لعبثِ عابثٍ، وظلَّ الحفّاظُ المتقنون يُراجعون كلَّ نسخةٍ تكتب من المصحف مراجعةً فاحصةً، ولمّا أصبح للمصحف مطابع خاصة، كُونت لجان متخصصة ومتأهلة من كبار حُفاظ العالم الإسلامي، تُراجع وتُدقق كلّ حرف منه قبل أن تأذن بطبعه.

وبهذه الوسائل تحقّق للقرآن العظيم ذلك الحفظُ الذي قدّره الله له منذ الأزل، وهو اللوح المحفوظ، وأنجز وعده الصادق: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحجر: 9]. وفي سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة، وعلى فخامة شأن التنزيل ما لا يخفى.

القرآن الكريم كتاب معجز

ومن خصائص القرآن الكريم: الإعجازُ، فهو المعجزةُ الكبرى لمحمّد صلى الله عليه وسلم؛ التي لم يتحدّ العربَ بغيرها، برغم ما ظهر على يديه من معجزات لا تحصى.

لمّا زعم المشركون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي ألّف القرآن، قال الله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ *فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ *أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *} [الطور: 33 ـ 35].

ثم تحداهم بعشر سور: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *} [هود: 13 ـ 14].

ثم تحدّاهم بسورة واحدة: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ *} البقرة: 23 ـ 24].

وقال تعالى أيضاً: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *} [يونس: 38].

فعجزَ جميعُ الخلق أن يعارضوا ما جاء به، ثم سجَّل على الخلق جميعاً العجزَ إلى يوم القيامة بقوله تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *} [الإسراء: 88].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياءِ نبيٌّ إلا أُعطِيَ من الآيات ما مِثْلُه آمنَ عليه البَشَرُ، وإنّما كان الذي أوتيتُه وحياً أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أَنْ أكونَ أكثرَهم تابعاً يوم القيامة».

إنَّ معجزاتِ الأنبياء تتماثلُ من حيث أنّها حسية ومخصوصة بزمنها، أو بمن حضرها، أو منقرضة بانقراض من شاهدها. أمّا معجزةُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريمُ، الذي لم يعطَ أحدٌ مثله، وهو أفيدُها وأدومُها، لاشتماله على الدعوة والحجة، واستمرار تحديه في أسلوبه وبلاغته ومعانيه وأخباره، وعجز الجنُّ والإنس عَنْ أن يأتوا بسورةٍ مثله مجتمعين أو متفرّقين في جميع الأعصار، مع اعتناء معارضيه بمعارضته فلم ولن يقدروا، فعمَّ نفعه مَنْ حضرَ ومَنْ غاب، ومن وُجِدَ ومن سيوجَدُ إلى آخر الدهر، ولذلك فإنَّ محمّداً صلى الله عليه وسلم أكثرُ الأنبياء أتباعاً.

هذا شرحٌ للحديث على وجه الإجمال، وأمّا أسباب اختصاص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بهذه المعجزة الظاهرة، فيبيّنها محمود الألوسي فيقول: لثلاثة أسباب صار بها من أخصِّ إعجازه، وأظهر آياته:

إنّ معجِزَ كل رسولٍ موافِقٌ للأغلب من أحوال عصره، والشائع المنتشر من ناس دهره، فلمّا بُعِثَ نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحةِ والبلاغة خُصَّ بالقرآن في إيجازه وإعجازه، بما عَجَزَ عنه الفصحاءُ، وأذعن له البلغاءُ، وتبلّد فيه الشعراء، ليكونَ العجزُ عنه أقهر، والتقصيرُ فيه أظهر، فصارت معجزاته ـ وإن اختلفت ـ متشاكلة المعاني، مختلفة العلل.

إنّ المعجزةَ في كلِّ قوم بحسب أفهامهم، وعلى قدر عقولهم وأذهانهم… والعربُ أصحُّ الناس أفهاماً، وأحدّهم أذهاناً، فخصّوا من معجزات القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم.

وهذه المعجزةُ جمعت بين الدليل لما فيه من الإعجاز وغيره من وجوه الدلالة، وبين المدلول بما فيه من بيان الإيمان وأدلته، وبيان الأحكام الشرعية والقصص والأمثال، والوعد والوعيد، وغير ذلك من علومه التي لا تَنْحَصِرُ، ثم جعل مع حفظه وتلاوته من أفضل الأعمال التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى … ولهذا توفّرت الدواعي على حفظه على مرّ الدهور والأعصار، ففي كل قرن ترى مِنْ حفظتِه ما يفوتُ العدَّ والإحصاء، ويستنفد نجوم السماء، ومثل ذلك لم يتفق لغيره من الكتب الإلهية المقدسة.

هذا غيض من فيض خصائص القرآن الكريم ومميزاته، فهو الفرقان الذي أنزل بالحق وبالحق نزل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سراج الهداية وكتاب الإيمان ودليل التوحيد. فلنجعل لنا معه جلسات ومناسبات في هذا الشره الكريم المبارك، فشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

المراجع:

  • * علي محمد الصلابي، الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2010، ط1، صفحة 58:44.
  • * محمود الدوسري، عظمة القرآن الكريم، صفحة 107، 109.
  • * يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن الكريم، صفحة 21، 22، 24، 32.
  • * ثامر بن ناصر، رسالة خاتم النبيين، صفحة 155.

رؤية الإسلام في مواجهة “فيروس كورونا “

إن الدين الإسلامي دين الوسطية والعدل، الذي جمع بين الجانب الروحي والجانب المادي، وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ فهو يرعى احتياجات الناس المادية والروحية، ويتضمن الوسائل العملية التي تحمي الأفراد والمجتمع والأمة من الأمراض والأوبئة؛ ومنها فيروس كورونا المستجد.

 يتضمن المنهج الإسلامي في ذلك ثلاثة عناصر، كالآتي:

أولا: الجانب العقائدي، وهو جانب الإيمان:

1- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. تلك العناصر الستة تمثل إكمال الإيمان؛ ومنها الإيمان بالقدر.

2- الإيمان بأن فيروس كورونا المستجد هو بأمر وقدر الله سبحانه وتعالى.

3- إن هذه الجائحة لتذكير البشر للرجوع والتضرع إلى الله تعالى: يقول الله تعالى: ” وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” (المدثر: 31)، ويقول الله تعالى: “وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: ((السجدة: 21). ويقول الله تعالى: “فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ “(الأنعام: 43).

4- يجب المداومة على الأدعية الواردة في السنة النبوية، وهي الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل الأوقات؛ خاصة صباحاً ومساءاً، والقرآن الكريم.

ثانياً: جانب الأخذ بالأسباب:

1- اتباع الطرق الوقائية والعلاجية الواجبة، وتنفيذ إرشادات المنظمات العالمية والمحلية في هذا الأمر.

2 – أخذ الاحتياطات الخاصة بالطواقم الطبية وتوفير المستلزمات الطبية الوقائية والعلاجية، فهم خط الدفاع الأول.

3- ضمان توفير المستلزمات الوقائية والعلاجية والأدوية للمرضى.

4- إجراء الفحوص الطبية اللازمة بدقة، والتشخيص بناء على هذه الفحوصات، ووصف أفضل الأدوية للعلاج.

5- تطبيق منهج الاقتصاد الإسلامي؛ المتمثل في الزكاة والصدقات. يقول الله تعالى: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (التوبة:103). ويقول الله تعالى: “الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 274). وفي مصارف الزكاة؛ يقول الله عز وجل: ” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (التوبة: 60).

6- من شروط الإنفاق طبقاً لمنهج الاقتصاد الإسلامي، أن يكون على الطيبات من المواد الغذائية والأدوية والخدمات؛ طبقاً لمبدأ الأولويات، المتمثل في الإنفاق على (الضروريات) التي تتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ثم الإنفاق على المنتجات التي تيسر الحياة على الناس وتزيل الحرج والمشقة عنهم وهي (الحاجيات).

7- عدم التكالب على شراء الأطعمة والأغذية فوق الحاجة حتى لا تحدث الأزمات.

8- حماية المستهلك من قبل الدولة والمجتمع المدني. ونظام الحسبة في الإسلام، مع تنفيذ القرارات الإدارية الحكومية، والرقابة على الأسواق، ومحاربة الغش والاحتكار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من غشنا فليس منا”، وقال صلى الله عليه وسلم: “المحتكر ملعون، والجالب مرزوق”.

9- الرقابة على الأسواق وتوقيع العقوبات على المخالفين في كافة المجالات التي تهم المستهلك من طعام وشراب وأدوية وخدمات، بالإضافة إلى الرقابة على المكاييل والموازين والوفاء بالعقود بين البائع والمشتري..إلخ، وكل ذلك من وسائل حماية المستهلك، وتزداد الحاجة إلى ذلك في وقت الأزمات.

10- التفاني والعمل بجدية وإتقان في المجالات الصحية والدوائية والمجالات ذات الصلة.

ثالثاً: الجانب الخُلقي:

1- الربط بين الدين والخُلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

2- إن ضعف الخلق من ضعف الإيمان، فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل هو حقيقة الصلاة، وقد جاء في الحديث الذي رواه النبي عن ربه: “إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل بها على خلقي، ولم يبت مصراً على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب” (البزار).

3- الرحمة، والإيثار، والصدق، والإخلاص..إلخ من مكارم الأخلاق. عن أبي هريرة؛ قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تنزع الرحمة إلا من شقي” (أبو داود).

 من الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم للوقاية من فيروس كورونا؛ الآتي:

– بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

–  اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وأعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت.

–  أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

– اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

– وقراءة القرآن الكريم؛ خاصة السور التي تقرأ لدفع البلاء؛ مثل سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتم سورة البقرة، وسورة يس، وسورة ق، وسورة الواقعة، وسورة الملك، وسورة الإخلاص والمعوذتين.   

فقه عمر بن الخطاب في التحرز من المخاوف

تناولنا في مقال سابق شيئا من فقه عمر رضي الله عنه والآن يذكرنا “كورونا” بشيء من فقهه يتعلق بقضية الإيمان بالقضاء والقدر. تلك القضية التي زلت فيها أقدام، وارتكست فيها أفهام، وتخطبت فيها طوائف، وطاشت فيها عن الصواب عقول. ولم يهتد فيها إلى الرشد إلا من أوتي بصيرة ونورا من ربه، ومن أولئك أبو حفص عمر رضي الله عنه.

طاشتْ عنِ القصد رَمْيَاتُ الفحول سِوَى* سَهْمَيْكَ قدْ قَرَعَا أعْشَارَهُ العَشَرَهْ [1]

فعمر رضي الله عنه هو المحدث الملهم جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي عنهما أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خرج إلى الشام حتى إذا كان بِسَرْغٍ، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر من معه من المهاجرين والأنصار فاختلفوا، فقال: بعضهم خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. ثم دعا مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلف عليه منهم رجلان؛ فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الناس: إنَّي مُصَبِّحٌ على ظَهْرٍ، فأَصْبحُوا عليه، قال أبو عبيدة ابن الجراحِ: أفِراراً من قَدَر الله؟

فقال عُمرُ: لو غيرك قالها يا أبا عُبيدةَ! نعم، نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر اللهِ، أَرأَيْتَ لو كان لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وادياً له عُدْوَتانِ، إحداهما خَصِبةٌ، والأخرى جدْبَةٌ، أَليسَ إن رعَيْتَ الخَصِبَةَ رَعيتها بقدرِ الله، وإن رعيتَ الجَدْبَةَ رعيتها بقدرِ الله؟.[2]

فانصرف عمر راجعا بمن معه من الصحابة والمسلمين فارا من قدر الله إلى قدر الله كما قال وقد كان ذلك بِمحضر جُمْهُور الْمُهَاجِرين الْأَنْصَار فأقروه على ذَلِك من غير إِنْكَار.

ومعنى الفرار من قدر الله إلى قدره كما قال القرطبي: أَيْ لَا مَحِيصَ لِلْإِنْسَانِ عَمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْمُهْلِكَاتِ وَبِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي التَّوَقِّي مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ.[3]

والآيات تقرر هذا المعنى وهو أن المرء إنما يفر من قدر الله إلى قدر الله، قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ] البقرة، الآية:243.

وقال: [قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] الجمعة الآية: 8.

فقد أراد الحق لهم أن يعرفوا أن أحداً لا يفر من قدر الله إلا إلى قدر الله، وتقرير ذلك يجعل الإنسان في تسليم مطلق بكل جوارحه لله. صحيح أن للإنسان أن يحتاط، ولكن القدر الذي يريده الله سوف ينفذ، فالمؤمن يأخذ بالأسباب، ويسلم أمره إلى الله”.[4]

قضية الأخذ بالأسباب لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر ولا التوكل على الله، فالتوكل محله القلب والأخذ بالأسباب محله الجوارح فموردهما مختلف

وقد قال الأعرابي في رثاء ابنه لما خرج هاربا من الطاعون فلدغته أفعى في طريقه فمات. وقد فر من قدر إلى قدر الله:

طافَ يبغي نجـوةً … من هلاكٍ فهلكْ

ليتَ شِعري ضلةً! … أيُّ شيء قتلكْ؟

والمنايا رصـــــدٌ … للفتى حيثُ سلكْ

كلُّ شيءٍ قاتـــــلٌ … حين تلقى أجلكْ

فالمصائب وما شرع من أسباب مقاومتها، كلها منه سبحانه بقدره، والإنسان مأمور بأن يعالج ويقاوم، فرارا من قدر الله إلى قدره. كما قال عمر رضي الله عنه وفي الحقيقة كان الفرار من شر في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره.[5]

وعمر هنا في قوله: نفر من قدر الله إلى قدر الله، يستند إلى أصل قطعي، وهو أن الأسباب من قدر الله، ثم مثل ذلك برعي العدوة المجدبة والعدوة المخصبة، وأن الجميع بقدر الله، وفي الشريعة من هذا كثير جدا، وفي اعتبار السلف له نقل كثير.[6]

ولعمر رضي الله عنه مواقف في مسألة القدر حاسمة تبين عمق فقهه، وغزارة علمه، وجودة رأيه.

ومنها موقفه مع الغلام الذي سرق وأراد أن يتحذلق، فقال لعمر رضي الله عنه لما أراد أن يقيم عليه الحد: ” سرقت بقضاء الله وقدره، فقال له عمر: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره”. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية: وهكذا يقال لمن تعدى حدود الله.[7]

إذا قضية الأخذ بالأسباب لا تنافي الإيمان بالقضاء والقدر ولا التوكل على الله، فالتوكل محله القلب والأخذ بالأسباب محله الجوارح فموردهما مختلف وقد قَالَ رَجُلٌ لِلنَبِي -صلى الله عليه وسلم-: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ؟. قَالَ: “اعْقِلْهَا وَتَوَكَلْ”.[8]

وقال عمر رضي الله عنه:” الْمُتَوَكِّلُ الَّذِي يُلْقِي حَبَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ».[9]

الإنسان يأخذ بالكيس، ويسعى في الأسباب المباحة، ويتوكل على الله بعد سعيه، لأن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب.


[1] – هذا البيت للشاعر الشنقطي سيدي عبد الله ولد أحمد دَام الحسني، وأصله هكذا: طاشتْ عنِ القلْبِ رَمْيَاتُ الحِسَانِ سِوَى*
سَهْمَيْكِ قدْ قَرَعَا أعْشَارَهُ العَشَرَهْ” وهو من أبيات يخاطب بها زوجته.
[2] – القصة في الصحيحين البخاري ح رقم: 5729، ومسلم ح رقم: 2219.
[3] – تفسير القرطبي 3/333.
[4] – تفسير الشعراوي 2/1037.
[5] – تفسير ابن باديس ص362.
[6] – الموافقات للشاطبي 3/194.
[7] – منهاج السنة النبوية 3/334.
[8] – رواه الترمذي 2517 وحسنه الألباني.
[9] – التوكل على الله لابن أبي الدنيا ص50.
أصغر من مثقال ذرة

أحمد بلح

جاء ذكر الذرة في القرآن الكريم في ستة مواضع، حيث أشار القرآن إلى أنها ذات ثقل ووزن، وإلى أنه يوجد ما هو أصغر منها، كما تحدث عن مواضعها، وكيف أنها تشغل السماوات والأرض، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 40).

{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ  أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (يونس: 61).

{لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (سبأ: 3).

{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} (سبأ: 22).

وقوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزلة: 7،8).

وكلمة الذرة في اللغة العربية نسبة إلى نوع ضئيل الحجم جدا من النمل يطلق عليه النمل الأحمر، وهو أصغر أنواع النمل، وتطلق على ما يُرى من هباء، والجسيمات الدقيقة التي تبدو لنا في أشعة الشمس عندما تدخل من النافذة أو أي ثقب ضيق.

والمعنى البياني المقصود بها في الآيات هو التصغير والتقليل، إلا أن الآيات تظهر أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وهى حقيقة علمية.

الذرة وحدة بناء الكون

ساد في القدم الاعتقاد بأن الذرة تعني الجوهر الذي لا يتجزأ إلى ما هو أصغر. وقد ظل هذا الاعتقاد قائمًا حتى عام 1789، عندما عثر العالم الألماني “مارتن كلابروث” على عنصر يصدر ومضات ضوئية في الظلام، لكنه لم يتمكن هو أو غيره من العلماء من وضع تفسير لهذه الظاهرة الغريبة. وتكريما لكوكب يورانوس أو أورانوس الذى كان قد اكتشف في نفس التوقيت أطلق عليه اسم “يورانيوم”.

مضى قرن من الزمان والمادة الجديدة في عزلتها كما لو كانت أعجوبة في معامل الأبحاث، حتى استطاعت العالمة البولندية ماري كوري اكتشاف عناصر الثوريوم والبولونيوم والراديوم، وبذا تأكدت ظاهرة النشاط الإشعاعي الذاتي لبعض العناصر الموجودة في الطبيعة.

استفاد رذرفورد أبو الطاقة الذرية من هذه الظاهرة في دراسة تركيب الذرة، وقد عرف فيما بعد أن المواد المشعة تقذف بجسيمات يطلق عليها “ألفا” أو إشعاع بيتا وجاما؛ وفكر رذرفورد فيما سيحدث لو قام بتعريض رقاقة من الذهب لمصدر يقذف بجسيمات ألفا. وقد كان من المتوقع أحد احتمالين: الأول أن تنفذ جسيمات ألفا من رقاقة الذهب مخترقة إياها، أو أن تنفذ بداخلها وتستقر بها محدثة بعض التغييرات في تركيبها. ولكن كانت المفاجأة في نتائج التجربة..

ففي الوقت الذي نفذ فيه عدد كبير من جسيمات ألفا خلال الرقاقة دون أن تغير من اتجاهها انحرف البعض بزاويا مختلفة، كما ارتد البعض الآخر عائدًا للخلف. وقد استغرب رذرفورد النتائج، وعلق عليها قائلا: “لقد كان الأمر غريبا، تمامًا كما أطلقت قذيفة من عيار 15 بوصة على ورقة رقيقة، فلم تنفذ خلالها، وإنما ارتدت إليك لتصيبك”.

وبعد تفكير عميق استنتج أن الظاهرة تعود إلى أن جسيمات ألفا موجبة الشحنة قابلت في طريقها في رقاقة الذهب جسمًا آخر له نفس الشحنة؛ وهو ما يعد تطبيقًا لقاعدة علمية؛ مفادها أن “الأجسام متشابهة الشحنة تتنافر، والأجسام مختلفة الشحنة تتجاذب”.

واستنتج رذرفورد أن كتلة وشحنة هذا الجسم الموجود داخل نطاق ذرات الذهب كانتا كبيرتين ومركزتين جدًا؛ لدرجة أن جسيمات ألفا قد انحرفت جانبا، بل وإلى الخلف على الرغم من سرعتها الكبيرة التي تصل لحوالي 20 ألف كم في الثانية.

وبعد سنتين من البحث تم فيهما قذف كل مكان محتمل بالذرة، تم التأكد من صحة الاستنتاج، وقد أطلق على هذا الجزء “النواة”، وتبين أنها تشغل حيزا صغيرا جدا داخل الذرة، إلا أنها تتركز فيها غالبية كتلتها، وكان هذا أول باب يفتح أعين العلماء على أن الذرة تتألف من مكونات أصغر، ولكن يبقى السؤال: ماذا يشغل الجزء الباقي من الذرة؟

عالم من الفراغ تتخذ الجزيئات أشكالاً هندسية

توصل العالم البريطاني ج.ج.طومسون قبل اكتشاف رذرفورد إلى أن هناك جسيمات دقيقة تحمل شحنة سالبة أقل كثيرًا من كتلة الذرة، مسئولة عن توصيل وحمل الكهرباء، أطلق عليها مصطلح “الإلكترونات”. ومن ناحية أخرى تبين أن النواة ذاتها تستمد شحنتها الموجبة من جسيمات أخرى بداخلها تعرف بالبروتونات، وهي جسيمات يعادل كتلة الواحد منها كتلة الإلكترون 1836 مرة.

وكان شادويك الفيزيائي الإنجليزي هو الآخر قد قام في عام 1923 بقذف معدن البريليوم بطلقات من جسيمات ألفا؛ حيث كانت المفاجأة انطلاق دقائق لها كتلة غاز الهيدروجين، ولا تحمل أي شحنة كهربية، وقد أطلق على هذه الدقائق اسم النيوترونات؛ وهو ما يعني “الدقائق المحايدة”. وبذلك يكون شادويك قد أزاح الستار عن مكون جديد من مكونات الذرة.

وفي ضوء هذه الكشوفات اكتملت صورة جديدة للذرة في ضوء العلم الحديث؛ حيث قدر العلماء قطر الذرة بأنه يبلغ 10-8 سم، ويقع في مركزها نواة موجبة الشحنة تتركز فيها معظم كتلة الذرة، وذلك على الرغم من الحجم الصغير جدا الذي تشغله؛ حيث يقدر حجمها بـ10-13، وبالمقارنة بالحجم الكلي للذرة يتضح أنها تشغل حيزا يبلغ 1: 100000 من حجم الذرة.

وتتكون النواة من نوعين من الجسيمات الصغرى؛ هي البروتونات موجبة الشحنة، والنيوترونات وتحمل شحنة متعادلة؛ لذا فإن النواة هي الأخرى موجبة الشحنة. وتبلغ كتلة البروتون الواحد (1.673× 10-24) جم، بينما تبلغ كتلة النيوترون (1.675× 10-24) جم، وهنا تبرز الحكمة الربانية في اقتران مصطلح “الذرة” بلفظة “مثقال” في كل الآيات التي وردت بها؛ فعلى الرغم من الصغر المتناهي لمكونات الذرة؛ فإن لكل منها وزنا محددا. وتدور حول النواة جسيمات متناهية في الصغر ذات شحنة سالبة تعرف بالإلكترونات.

الذرة تتألف من دقائق صغرى

يجدر الذكر إلى أن بنية كل الذرات الموجودة في الكون واحدة، إلا أنها تختلف باختلاف عدد البروتونات داخلها، وتؤلف الذرات فيما بينها الجزيئات المادية.

وتتألف مكونات الذرات والجزيئات التي تعد النواتج النهائية لعملية الخلق من دقائق صغرى، تعرف بـ”الجسيمات دون الذرية” أو “الجسيمات الأساسية”، ويحلو للبعض أن يطلق عليها “بذور المادة”؛ حيث تعد لبنات البناء المشتركة لكل مادة الكون. وقد انبثقت هذه الجسيمات خلال اللحظات الأولى من عمرالكون مع حدوث الانفجار العظيم.

وربما يدهش الغالبية إذا علموا أن حبة مفردة من السكر أو الرمل بها عالم خفي يمتد لأبعاد سحيقة لا يعلم مداها إلا الله. وقد توصل العلم الحديث باستخدام المجهر الإلكتروني إلى أن هذه الأشكال المفردة من المادة تتألف من بلورات منتظمة ثلاثية أو رباعية وما هو أكثر من ذلك، بعضها يكون على شكل الهرم أو المثلث أو المربع أو نجمة سداسية أو ثمانية وما إلى ذلك من الأشكال العجيبة والمتفردة.

وفي حين يعتقد أن الالكترونات من الجسيمات الأولية -أي أنها لا تتألف من جسيمات أصغر- فإنه قد تأكد للعلماء خلال الأربعين سنة الماضية أن البروتونات والنيوترونات تتألف من جسيمات أصغر أطلق عليها الكواركات. وعند التعامل مع جسيمات على مستوى الكواركات نكون قد دخلنا نطاقا جديدا من الأحجام هو 10-15 من السنتيمتر، أو ما يطلق عليه الفيمتو.. فسبحان الله خالق الكون والملكوت!!

السياقات الاجتهادية في فتاوى تعطيل المساجد بسبب “فيروس كورونا”

سيل جرار من الفتاوى هطل على سماء الدنيا، وانتشر في الآفاق شرقا وغربا حول آثار فيروس كورونا الذي أفزع العالم مسلمهم وكافرهم، أقعدهم في بيوتهم ساكنين خائفين، وعطلهم مصالحهم، فالشوارع الصاخبة لم تعد تسمع لها همسا، والمحلات التجارية التي كانت تضج بالناس حتى منتصف الليل خاوية على عروشها، والوزارات والمؤسسات التي كانت ملأى بالمراجعين والموظفين كأنها ديار بالية، والحدائق التي كانت تملأ نشاطا وحركة ولعبا؛ كأنها آثار السابقين، يمر الناس عليها مرورا سريعا، كأنها ديار ثمود، ومكث الناس في بيوتهم مكثا، بعدما ملئوا البعض بيوتهم بالأغذية والأطعمة والمشروبات، في سباق – غير محمود- نحو الجمعيات التعاونية والمحلات التجارية، يخطفون البضائع دون النظر إلى أهميتها أو إعادة التفكير في الحاجة إليها، حتى أصبح الناس في الجمعيات والسوبر ماركات  طوابير تذكرنا بيوم الحشر، وما هو بيوم الحشر..

وخرجت قرارات وزارات الأوقاف بعدما تفشي المرض بالفتاوى التي تمنع المصلين من الذهاب إلى المساجد لصلاة الجماعة، وأخيرا عطلت صلاة الجمعة، فتحسرت القلوب وبكت الدموع، وتضايق البعض حتى ممكن كانوا لا يواظبون على صلاة الجماعة، أو كانوا بالكاد يصلون الجمعة في المسجد..

لكن الجميل هو التزام غالب المسلمين بالأوامر، فقد أدركوا أن من أصدر تلك الفتاوى ما أراد بالمسلمين إلا خيرا، ونهأنهم  أنهم ما باعوا دينهم، لكنهم خافوا على النفوس من التهلكة، ففتش الفقهاء والعلماء في بطون الكتب، واسلتهموا روح الأدلة، على أن التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة من الأعذار المبيحة التي ترفع الإثم عن المسلمين، وأنها ليست محل غضب رب العالمين، ولشدة الشوق إلى المساجد، انبرى آخرون رأوا أن تعطيل المساجد مما لا يجوز فعله، ولا ينبغي الإقدام عليه، وأن الناس في المهالك إلى الله يلجؤون، و إليه يفرون، وعليه يتوكلون، وأن الذهاب إلى المساجد منجاة من المفاوز، لكنهم على الرغم من هذا، دعوا الناس إلى الالتزام بالأوامر والقرارات، ولزوم البيوت والمقرات، سائلين الفقهاء الآخرين، والمسئولين المنوطين بمراجعة الفتاوى والقرارات، وتلك لعمري مزية في الفكر الإسلامي جميلة، فما أجمل الانفتاح في التفكير، ومراجعة الأفكار والتقارير، مع المحافظة على قرارات ولاة الأمور، وأنه ليس للعامة مخالفة الأمر، إلا بقرار ممن ملك الأمر.

ونحن هنا نصدر الفتاوى والاتجاهات، وكيف عملت “ميكنة الاجتهاد الفقهي” في الأزمات، وأخرجت تلك الروح الحضارية، باتساعها في الآراء والأفكار، مع الالتزام بما يصدر عن الوزارات المسئولة من أوامر وقرارات.

وقد كانت الاتجاهات الفقهية على النحو التالي:

الاتجاه الأول: القول بجواز تعطيل المساجد في الجمع والجماعات، مع الإبقاء على رفع الأذان، شعيرة الإسلام.

ويمثل هذا الاتجاه جمهور الفقهاء المعاصرين، من غالب المجامع الفقهية، وهيئات الفتوى الكبرى، مثل: هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، والمجلس العلمي الأعلى بالمغرب  ، واللجنة الوزارية للإفتاء بالجزائر، وهيئة الفتوى بدولة الكويت، ومجلس الإفتاء بالإمارات، والمجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والإفتاء، ولجنة الإفتاء بدائرة الإفتاء بالأردن، والمجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني، وفتوى أساتذة كلية الشريعة بجامعة قطر.

ومن الأفراد: الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والدكتور خالد حنفي الأمين المساعد للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، الدكتور سعد الكبيسي، والدكتور مراد فضل الأستاذ بجامعة قطر، وغيرهم.

أدلة الفريق الأول: وقد استند جمهور الفقهاء المعاصرين في جواز تعطي الجمع والجماعات، وأن يصلي الناس في بيوتهم صلاة الجماعة ولهم أجرها،  وأن تصلى الجمعة ظهرا أربع ركعات في مجملهم إلى عدة أدلة، من أهمها:

الاستناد إلى فقه الأعذار، فالشريعة التي أباحت التخلف عن صلاة الجماعة لأعذار كالمرض والمطر وغيرهما، وهي أقل بكثير من خطر انتشار عدوى الكورونا.

كما استندوا في هذا إلى عموم النصوص القرآنية والنبوية القائمة على التيسير ورفع الحرج، وكذلك النصوص التي تدل على جواز الترخص في ترك الجماعات.

وكذلك القياس على اعتزال المساجد لمن كانت رائحة فمه كريهة، كمن أكل ثوما أو بصلا، فيكون من باب قياس الأولى ترك الجماعات لما هو أخطر، الذي هو “فيروس كورونا”.

كما استندوا في ذلك إلى الترجيح المقاصدي، اعتمادا على قواعد مقاصد الشريعة، فحفظ النفس من الموت أو الهلاك من الضرورات، وإقامة الجماعة في المسجد من تكميلي ضروري الدين، فيقدم ضروري النفس على تكميلي الدين.

وغير ذلك  من الأدلة التفصيلية التي ينتهي بها هذا الفريق إلى جواز بل وجوب تعطيل المساجد والجمع والجماعات بلا حرج.

الاتجاه الثاني: منع الجمع والجماعات في المساجد لمن هم مصابون بالمرض، أو يخشون على أنفسهم، ولو بالمظنة، وتبقى إقامة الجمع والجماعات واجبا، يقام بالحد الذي يمكن معه عدم تعطيل المساجد، إلا إذا قرر المختصون أن إقامة الجمع والجماعات مظنة انتشار العدوى، فيقيم الجماعة الإمام وعدد قليل معه.

ومن أبرز من ذلك إلى ذلك لجنة الفتوى بمجمع فقهاء أمريكا الشمالية، خاصة في البيان الأول والثاني، وكذلك هو رأي الشيخ محمد الحسن الددو، والشيخ سالم الشيخي، عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وهو الرأي الأول لهيئة كبار العلماء بالسعودية، بعدما انتهوا إلى رأي جمهور الفقهاء المعاصرين في الفتوى الثانية لهم.

واستند هذا الفريق إلى الجمع بين الأمرين، وعدم اللجوء إلى الترجيح؛ إذ لا حاجة إليه، وأن النصوص التي تبيح التخلف عن الجماعات إنما هي لأصحاب الأعذار، أو من يخشون على أنفسهم، أما الأصحاء، فالواجب في حقهم إقامة الجمع والجماعات، ومع خشية انتشار المرض، تقام الجمع والجماعات بالحد الأدنى، عملا بجميع الأدلة، وعدم إهمال أحدها.

الاتجاه الثالث: وجوب إقامة الجمع والجماعات، وأنه لا يجوز تعطيل المساجد، ويمثل هذا الاتجاه بعض الفقهاء من أساتذة الشريعة، ولم يسجل لأي هيئة أو جهة إفتاء عامة أن قالت بهذا الرأي، فلم يصدر هذا الرأي عن اجتهاد جماعي.

ومن أبرز من قال بهذا، الدكتور حاكم المطيري الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت، والشيخ محمد سالم الدوو أحد فقهاء موريتانيا، والدكتور جدي عبد القادر وطاهر بلخير من الجزائر.

وقد اعتمد القائلون بهذا الرأي على عموم النصوص التي تدعو إلى إقامة الجمع والجماعات، وردوا على الأدلة التي استند إليها الفريق الأول بجواز التعطيل، وأن الخطاب إنما هو لآحاد المسلمين الذين يجوز لهم التخلف عن المساجد، أما في النازلة التي نحن فيها، فالأمر متعلق بولاة الأمور، فلا تنسحب أدلة جواز التخلف عن الجماعات بالأعذار على تعطيل المساجد بالكلية.

لكن من أبرز النقاط الرائعة التي انتهى إليها الشيخ محمد سالم الددو هو أنه يجب على الجميع الانصياع إلى القرارات وتنفيذها، وأنه لا يجوز مخالفتها، ولو كانت خاطئة.

ومن الملاحظ أن فقهاء الأمة لم ينشطوا في نازلة مثلما نشطوا في تلك النازلة (انتشار فيروس كورونا)، بل والسعي الحثيث لنشر الفتاوى بكل وسيلة ممكنة، وأن الأزمة أبرزت عن جهد جمعي رائع في الاجتهاد الفقهي، مما يعد ظاهرة صحية من جانب الفقهاء.

 

الأحكام الشرعية المتعلقة بمن يتوفى بوباء كورونا المستجد (كوفيد- 19)

 أصدر عدد من علماء كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر بيانا حول الأحكام المتعلقة بمن يتوفى بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)  من تجهيز وصلاة ودفن. 

وأوضح البيان والذي نشر على حساب كلية الشريعة بموقع تويتر : ” أن هذه الحالة نازلة جديدة، وأن الحكم الشرعي في النازلة يجب أن يتأسس على تصور صحيح لها، بناء على القاعدة الأصولية والمنطقية المتفق عليها “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”؛ قمنا بسؤال أهل الاختصاص الثقات واستفصال الوضع عن مدى خطورة انتقال العدوى ، فأطلعونا على ضرورة التعامل الحذر مع الجثة، الذي يقتضي أن تدرج في كيس بلاستيكي محكم الغلق بعد الوفاة مباشرة وقبل خروجها من غرفة العناية، ثم ترسل للمشرحة لإكمال إجراءات الوفاة، وألا يفتح هذا الكيس حتى تدفن الجثة تجنبا لانتقال العدوى.

و أضاف البيان “بناءً على هذا التصور، وفي ضوء مقاصد شريعتنا السمحة، وقواعدها المتفق عليها، ونصوص القرآن الكريم والسنة  المحكمة كقول الله تعالى  (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16]، وقوله تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [رواه مسلم].

فإنه يتبين لنا الآتي:

أولا: تجهيز الميت

يجب أن يتولى تجهيز الميت بهذا الوباء وتكفينه ونقله ودفنه الجهات المسؤولة، ولا يوكل ذلك لأهله لما فيه من خطورة انتقال العدوى .

ثانيا: غسل الميت 

بما أن غسل الميت فرض كفاية، فإن أمكن بأي طريقة لا ضرر فيها وجب الغسل في هذه الحالة وإلا سقط الفرض؛ وإذا أمكن أن  يُيمم الميت بأمان من انتقال العدوى قبل وضعه في الكيس البلاستيكي فيُيمم في حال تعذر الغسل الآمن، وإلا سقط التيمم أيضا دفعا للضرر.

ثالثا: تكفين الميت

لما كان من ضمن إجراءات الوفاة في هذه الحالة إدراج الجثمان في كيس بلاستيكي ولا يسمح بفتح هذا الكيس حتى يدفن الميت، ولما لم يكن مانع من تكفين الجثة من فوق الكيس البلاستيكي؛ فإننا نرى أن يكفن من فوق الكيس من غير فتحه مع اتباع إرشادات الجهة الصحية عند التكفين .

رابعا: الصلاة والدفن 

الصلاة على الميت فرض كفاية لا تسقط، فإن أمكن أداؤها  بأمان في هذه الحالة قبل الدفن أديت، وعلى أهل الميت أن يقتصرو ا في حضورهم للجنازة على ما تنصح به الجهة الصحية المسؤولة، حيث إن صلاة الجنازة تصح ولو بفرد، فإن أداها سقط وجوبها عن الآخرين، وإن لم يكن أداء الصلاة قبل الدفن مأموناً فإنه يصلى عليه بعد الدفن، ويجوز لمن شاء من أهل الميت ومعارفه أن يصلي عليه صلاة الغائب ببيته .

وينبغي أن يتم الدفن وفقا للإجراءات الصحية التي تراها الجهات المسؤولة؛ حيث تراعي احترازات وتدابير تضمن عدم انتقال العدوى بإذن الله.

وينبغي أن ننبه هنا أن المتوفى بالوباء إذا دفن بهذه الطريقة فقد استوفى ما يلزم فعله شرعا في هذه الحالة، وعليه فإن نبش قبره لإعادة غسله وتكفينه محرم شرعا لما فيه من اعتداء على حرمة المتوفى ونشر ضرر العدوى بين الناس.

وختاما؛ فإننا نذكر عباد الله الذين اصطفاهم الله لابتلائه بفقد حبيب بهذا الوباء بأن من يموت بهذا الوباء شهيد بإذن الله وهو في درجة عالية عند ربه، كما بشر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث المتفق عليه: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ)

 والمطعون هو من مات بالطاعون أي بمرض وبائي، فلا يحزنوا وليطمئنوا برحمة الله.

كما نذكرهم بجزيل الأجر الذي أعد للصابرين على هذا البلاء فلهم أجر المجاهدين المرابطين إن شاء الله، ولهم أيضا أجر المحافظة على المجتمع والتعاون على عدم انتشار العدوى فيه.

ونوصي الجميع بضرورة التقيد بالتوجيهات الصحية للحد من انتشار هذا الوباء، مع التضرع إلى الله والإلحاح في دعائه بأن يعيذنا منه أجمعين.

رحم الله أموات المسلمين أجمعين. وكتب لمن مات بهذا الوباء أجر الشهداء ولأهله أجر المجاهدين المرابطين، وجزى الله خيرا من هم في الصف الأول في مكافحة انتشار هذا الوباء، ونسأله سبحانه أن يرفع عن الأمة هذا الوباء وعن البشرية جمعاء إنه رحمن رحيم كريم مجيب قريب .[1]

 


[1]  الموقعون على هذا البيان من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، السبت بتاريخ 4 شعبان 1441 هـ/ 28 مارس 2020 م:
د. إبراهيم بن عبد الله الأنصاري  (عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية)؛ د. محمد أبوبكر المصلح (العميد المساعد للشؤون الأكاديميةأ.د. محمد المجالي (العميد المساعد لشؤون الدراسات العليا)؛ أ.د. صالح الزنكي  (رئيس قسم الفقه وأصوله بالكلية)؛ أ.د. عبد القادر بخوش (رئيس قسم القرآن والسنة بالكلية)؛ أ.د. عبد الجبار سعيد  (رئيس قسم العقيدة والدعوة بالكلية)؛  أ.د. نور الدين الخادمي (رئيس وحدة البحوث بالكلية)، والسادة العلماء المدرسون بالكلية:  أ.د. عبد الحكيم السعدي؛ أ.د. أحمد الريسوني؛ د. سلطان الهاشمي؛ د. سعيد البديوي؛ د. محمد عياش الكبيسي؛  د. أحمد العون؛  أ.د. أيمن صالح؛  د. تركي عبيد المري؛  د. فضل مراد؛  د. مراد بوضاية؛ د. محمد أحمين .
 
 
قراءة مقاصدية في حديث : “ليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بيته .. “

عن عائشة أم المؤمنين قالت: سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الطاعونِ، فأخبَرَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “أنَّه كان عَذابًا يَبعَثُه اللهُ على مَن يَشاءُ، فجعَلَه رَحمةً للمُؤمِنينَ، فليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ”[1].

وألفيتُ هذا الحديث مناسبًا في ظرفنا الحالي وواقعنا العالمي؛ نظرا لاستفحال فيروس كورونا الذي صار من الأوبئة الفتّاكة، كالطاعون أو أشد، وقد ألزم الناس القعود في بيوتهم، وأفرغ المؤسسات من موظفيها، وعطل الاقتصاد والتجارة والتعليم عن قرب، وأغلق المساجد والكنائس، وبات ينتشر في الناس انتشار النار في الهشيم؛ وهذه نظرة مقاصدية فاحصة لأبعاد الحديث وفق الآتي:

– هذا الحديث صحيح في سنده ومتنه يرويه أمير المؤمنين في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي بسنده المتصل إلى عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

– الحديث ظاهره قاصر على وباء الطاعون؛ لأنه يتجلى في الأورام والبثور بالجسم عامة وتحت الآباط خاصة، مع الزيادة في خفقان القلب وارتفاع درجة الحرارة؛ والحق –في مقصده وعلّته- كونه داء عضالا وسُمًّا زعافا، ووباء معديا، على غرار الكوليرا والجذام والملاريا.. إن الطاعون المذكور يحصد الأرواح بالجملة عن بكرة أبيهم؛ وهذا علته متعدية ينطلي على جائحة الكورونا وعَدْواه الخبيثة التي تفتك إن علقت بالإنسان وخصوصا بجهازه التنفسي فتخرب رئتيه وترديه قتيلا!

– هل الطاعون عذاب وعقوبة؟ نص الحديث يجيب بشقين أحدهما كونه عذابا وعقوبة للكافرين؛ وتوجيهه عندي أن هؤلاء الكافرين لا يصدرون عن عقيدة صحيحة ومتينة، فالهلع يسري فيهم، وإذا فتك بهم انتقلوا بكفرهم إلى عذاب أشد! ولا يبعد أن تكون آية للبشرية جمعاء للمسلمين نصيب منها؛ لأن سنن الله لا تحابي أحدًا؛ قال سبحانه: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء: 4]. وباتت مشاهد العالم في القرية الكونية بادية للعيان وما مدى خنوع الجميع أمام فيروس فتّاك لا يرحم، وباتوا خاضعين مذللين في البحث عن لقاح، ربما يشترونه بكل ما يملكون! وقد جاءت أحاديث كثيرة تصب في نفس العلة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: “وما انتشرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا عمتهم الأوجاع والطواعين التي لم تكن في أسلافهم”[2]. وذلك على غرار الأمراض التي ظهرت؛ لفشو الزنى، وظهور الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ ومنها: الإيدز (السيدا)، والسيلان والزهري وغيرها من الأوجاع المعدية والتي لم تكن في أسلافنا الذين مضوا!

– ومعنى كون بعض الأمراض الفتاكة والجوائح عقوباتٍ؛ كي نأخذ الدرس من السنن الكونية الماضية من غير استئذان أحد، وفق معادلات ربانية أودعها الله سبحانه فيها كيف تظهر وكيف تختفي، وحتى نحاسب أنفسنا نحن المسلمين، ونعاتبها، ونقوم عوجها، ونعمل على أن تكون عاقبتها العافية والسلامة، وهي تضطرنا أن نجأر إلى الله واقفين ببابه مبتهلين ومناجين وصارخين عل الله يبعد عنا هذا البلاء؛ إن البعد العقابي في الأوبئة يحمل على زيادة جرعة القربة من الله، وكأنها وقفات للمراجعة والتزود بالوقود، والمحاسبة والرجعة الصادقة إلى الله، وما يتبع ذلك من رد الحقوق إلى أصحابها، والالتزام بالقسطاس المستقيم في أمورنا كلها، وعملية غسيل لبياناتنا المغلوطة بإعادة ترتيبها وبرمجتها وتصحيحها في أفق خارطة ذهنية مشكلة على المنهاج الصحيح!

– والوباء وما يترتب عليه من حجر يكون رحمة على المؤمنين؛ لأنهم شهداء أو في حكمهم على غرار الغريق والحريق ومن مات بالهدم والمبطون.. إلخ، لكن بشرط أن يحتسبوا الأجر عند الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ”؛ وأجر الشهيد عظيم؛ (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 169- 171]. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن للشّهيدِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ سِتَّ خِصالٍ: أن يُغفَرَ له في أولِ دَفعةٍ من دمِه، ويَرى مقعدَه من الجنَّةِ، ويُحَلَّى حُلَّةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجَ من الحُورِ العِينِ، ويُجارَ من عذابِ القبرِ، ويأمنَ من الفزعِ الأكبرِ، ويُوضَعَ على رأسِه تاجُ الوَقارِ الياقوتةُ منه خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويُزَوَّجَ ثِنتَينِ وسبعينَ زوجةً من الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سبعينَ إنسانًا من أقاربِه”[3].

– وجوانب الرحمة في ترتيب أولويات المسلم في برنامجه اليومي؛ وتذكر عاقبته مع الله تعالى، وملء يومه وليله بالأذكار والأدعية والأوراد من قراءة القرآن ومطالعة السنة النبوية وكتب العلم النافعة وأداء الصلوات المفروضة ورواتبها القبلية والبعدية وحلقات الوعظ مع الأهل والأولاد والمناجاة بالليل لأن القيام شعار الصالحين. ولاسيما ونحن نعيش هذه الأيام الحجر المنزلي ينبغي أن نستشعر هذا الدف الذي ساقه الله لنا وقد لا يعوض بثمن فنقلب بيوتنا إلى محاضن ومعابد ومدارس وأوراد؛ ونكيف أنفسنا على الاستمتاع بهذه الخلوات كما قال العز بن عبد السلام: “من سعادتي لزومي لبيتي، وتفرغي لعبادة ربي، والسعيد من لزم بيته، وبكى على خطيئته، واشتغل بطاعة الله”[4]. ولله در ابن تيمية حين ابتلي بالسجن فقلبه إلى خلوة وسياحة كيَّف نفسه على أوراده حتى مات إذ قال: “ماذا يصنع أعدائي بي، إن سعادتي في قلبي أينما ذهبت فهي معي، فسجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة”[5].

– والطهارة وكمال النظافة ورعاية البيئة والمحيط هي مفردات لا نتعلمها ونتكلفها في الأزمات فقط، وإنما هي جزء أصيل من ثقافتنا الإسلامية وآدابنا الشرعية وعاداتنا العربية؛ فمن طقوسنا أننا نتوضأ لخمس صلوات مفروضات في اليوم والليلة، فضلا عن النوافل والتطوع، قال سبحانه: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ) [المائدة: 6]. ونغتسل للجمع والأعياد ورفع الجنابة، ونتمثل حديث: “إن الله جميل يحب الجمال”[6]، ونغسل أيدينا قبل الأكل وبعده، فجمال هذا الدين تظهر كلما حلت أزمة؛ فعاد التركيز العالمي على غسل الأيدي وهي ديدننا أصالة.

– ولعلي أفهم جزءًا من تعليل تلكم الرحمة أن يسد الله بها أبواب الفجور السياسي في تصدير ثقافة التفسخ والانحلال؛ فلا تعيث في الأرض فسادا، فتغلق البارات والملاهي والعُلَب الليلية والكباريهات ونوادي المجون والرقص والأماكن المخصصة للشذوذ والمثليين من السحاقيات واللواطيين، وإغلاق دور القمار والميسر ودور الدعارة والبغاء، بل والمهرجانات التي ينفق عليها -عن قصد وعمد- بسخاء؛ وهي الجالبة للتافهين والتافهات وما يتبعه من اختلاط وعفونة وانفلات جنسي واختلاط الأنساب، وموت القيم!

– وهذا الحديث يشمل كل من صبر وصابر وتصبّر في احتمال أذى الوباء والطاعون وعدوى الكورونا وعامة الجوائح والأوبئة الفتاكة التي تحصد الأرواح من غير حصر أو حساب، ثم احتسب أجره على الله، وتوكل على الحي الذي لا يموت، وأخذ بالأسباب والتدابير الوقائية، سواء مات بالوباء أم لم يمت؛ فهو شهيد إن شاء الله مشمول بأجره وثوابه؛ لذلك قرر الحافظ ابن حجر قوله: “اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت”[7].

– إن الحديث في طرفه: “فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا” وهو من جوانب الرحمة؛ لأنه قرر البقاء في البيت وليس الخروج منه، ثم البقاء في البيت آمنا في سربه مستقرا قائما بما عليه مرتلًا كتاب ربه، مرددا أوراده، وليس فزعًا يُقصف بالصواريخ والدبابات قلقًا غير آمن في سربه، إنه حديث رائع يقرر الحجر الصحي العام، والحجر المنزلي بامتياز، وبلا نزاع؛ وله نظائره التي تشهد له من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عند الشدة والخوف: “ألا صلوا في رحالكم”[8].

وفي رواية: “في بيوتكم”[9]. أي لا مجال للخروج، والتسيب بغير حاجة في الطرقات والممرات والشوارع والفضاء بغير مسؤولية، لأن فيه فسح المجال لانتشار الفيروس. لذلك أقول: إن من يخرج من بيته متهورًا أو لغير حاجة أو ضرورة؛ فهو آثم في تحمل وزر موتها انتحارا، أو الجناية على نقل العدوى لغيره إن أصيب بها يستحق عقوبة القصاص، وإن نقلها إلى ذويه وأقاربه ووالديه فهو من العقوق البشع فضلا عن الجريمة النكراء التي لا يعذر فيها أحد مهما كان!

– ومفهوم الحديث من جهة المخالفة –التي درج عليها الأصوليون- أن الذي يبكي ويتضجر ويضيق ذرعًا ويتبرم وييأس من روح الله، ويقنّط عباد الله في عافيته ورحمته، ويبث فيهم الرعب، وينشر الأخبار المتشائمة، ويجزع من قدر الله، ولا يسلم التسليم المطلق، ولا الرضا بما قسم الله له؛ فإن ذلك لا يحصل له هذا الأجر كما لا يخفى.

– وقوله: “يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له”؛ وهي عقيدة المؤمن الصامدة التي لا ينفك عنها قيد أنملة، ولا أحد يستطيع أن يطأطئ هامته الشامخة، إذ على الرغم من وجود التحديات التي باتت ضربة لازب في حق المصاب وكل من لم يتخذ أسباب الوقاية والحماية؛ لأن سنة الله ماضية لا تحابي أحدًا مهما كان. إن المؤمن يعلم أن الذي يصيبه هو الله تعالى وحده، والذي يبتليه هو الله تعالى وحده، فهو من بيده ترياقه وشفاؤه، يبقى المؤمن على هذه العقيدة موثوقًا بها قلبه، موصولا بربه في كل آن وحين؛ وما نحن إلا ثمرات لما في اللوح المحفوظ: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 51]. أي: أن الله ناصرنا وحافظنا يتولى أمورنا؛ فلنفوض إليه أقدارنا الحكيمة ونتلقاها –وكلنا تسليم- على الرِّضا بتدبيره؛ فهو سبحانه أولى بنا من أنفسنا سواء في الموت أو في الحياة، فنسعد بهذا اليقين والثقة المطلقة في كنفه الذي لا يضام المترع بالسكينة والأمن والاستقرار؛ وهو السر في قوله صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى ولا طيرة..”[10] أي أنها لا تصيب بنفسها فهذا يرفع عنا الوساوس القهرية ويرفع من نفسياتنا أمام الأمر الواقع في حجم الكورونا فنثق بالله تعالى؛ وهو يمثل 50% في سبيل التعافي.

– وبناء على ذلك فلن ينفع الإنسانَ التوترُ والاضطرابُ والهلعُ من الموت؛ أو محاولةُ الفرار منه؛ علمًا أن الأمر بيد الله محسوم، لا يجري وفق ما تمليه أهواء الناس؛ إذ ليس لهم فيه نصيب ولا اختيار؛ قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا) [آل عمران: 145]، ويقول سبحانه: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ) [الأحزاب: 16]، ويقول الله تبارك وتعالى: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) [آل عمران: 154]، ويقول: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء:78].

– وحين نفوض أمورنا إلى رب العزة فليس معناه أن نترك الأسباب؛ فهو مقدرها ومجريها لا نغفل عنه لحظة، ولكن الآية نفسها دعت في الوقت نفسه إلى اعتماد الأسباب والتوكل على الله حيث أردفها سبحانه بقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) باتخاذ الأسباب الصحيحة في الوقاية من عدوى الطاعون أو الكورونا، وقد قال الفاروق حين قيل له: أفرارا من قدر الله؟ قال نفر من قدر الله إلى قدر الله؛ وهو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “فرّ من المجذوم فرارك من الأسد”[11]. وقوله: “لا يورد الممرض على المصح”.[12]

– ومن هذا التوكل الذي شرحته أحاديث أخرى حيث ورد النهي عن الخروج من الأرض التي يقع فيها الطاعون، وإذا كان الإنسان في خارجها فإنه لا يدخل فيها؛ وهو عين الحق الذي تشهد به البشرية قاطبة والطب الحديث وعلماء البيولوجيا والفيروسات والأوبئة؛ عن سعد بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه”[13].

– هذا وكانت طريقة القائد عمرو بن العاص في محاصرة طاعون عمواس متميزة للغاية؛ بحيث تأمل رضي الله عنه في طبيعة الطاعون؛ فألفاه ينتشر عندما يجتمع الناس، وأمرهم فورًا أن يتفرقوا في الأرياف وفي الجبال؛ فانتهى الطاعون في ثلاثة أيام[14]


[1]  أخرجه البخاري برقم (3474)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (7527)، وأحمد برقم (26139).
[2]  أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات رقم: (4019)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (3314)، والطبراني في المعجم الأوسط برقم (4671). بلفظ: “لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا”.
[3]  أخرجه الترمذي برقم (1663)، وابن ماجه برقم (2799)، وأحمد برقم (17182).
[4]  سلسلة أعلام الفقهاء المحدثين: 129.
[5]  انظر الوابل الصيب لابن القيم: 48.
[6]  أخرجه مسلم برقم (91).
[7]  فتح الباري: 10/ 194.
[8]  أخرجه مسلم برقم (697). أنَّ ابنَ عُمَرَ نادَى بالصَّلاةِ في لَيلَةٍ ذاتِ بَرْدٍ وريحٍ، ثُمَّ قال في آخِرِ نِدائِهِ: ألَا صَلُّوا في رِحالِكم، ألَا صَلُّوا في رِحالِكم، ألَا صَلُّوا في الرِّحالِ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إذا كانتْ لَيلَةٌ بارِدَةٌ، أو ذاتُ مَطَرٍ، أو ذاتُ رِيحٍ في السَّفَرِ: ألَا صَلُّوا في الرِّحالِ”. أخرجه البخاري برقم (666)، ومسلم برقم (697)، وأبو داود برقم (1062)، والنسائي برقم (654)، وابن ماجه برقم (937)، وأحمد برقم (5800).
[9]  ونصه: “صلُّوا في بيوتِكُم ولا تتَّخذوها قُبورًا، ولا تتَّخذوا بَيتي عيدًا صلُّوا عليَّ وسلِّموا فإنَّ صلاتَكُم وسلامَكُم يَبلغُني أينَما كنتُمْ” أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (4839)، وأبو يعلى برقم (6761)، والطبراني برقم (2729).
[10]  ونصه: “لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هامَةَ فقالَ أعْرابِيٌّ: يا رَسولَ اللهِ، فَما بالُ الإبِلِ تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأنَّها الظِّباءُ، فَيَجِيءُ البَعِيرُ الأجْرَبُ فَيَدْخُلُ فيها فيُجْرِبُها كُلَّها؟ قالَ: فمَن أعْدَى الأوَّلَ؟ وفي رواية: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا صَفَرَ ولا هامَةَ فقالَ أعْرابِيٌّ: يا رَسولَ اللهِ”. أخرجه مسلم برقم (2220).
[11]  أخرجه البخاري برقم (5707)، وأحمد برقم (9722).
[12]  أخرجه البخاري برقم (5717، 5774)، ومسلم برقم (2220، 2221)، وأبو داود برقم (3911)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (7591)، وابن ماجه برقم (3541)، وأحمد برقم (9612).
[13]  أخرجه أحمد في المسند: 1/ 186، برقم (1615).
[14]  أورد أحمد في مسند أن الناس استخلفوا عمرو بن العاص فقام خطيبا فقال: “يا أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النار فتجبّلوا”: 1/ 196. أي اصعدوا إلى الجبال وتفرقوا في الأرياف.
وقال ابن كثير: وتولى قيادة الجيش بعد موت أبي عبيدة ومعاذ بن جبل عمرو بن العاص فقام في الناس خطيبًا فقال لهم: أيها الناس! إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النار، فتجنبوا في الجبال، فخرج، وخرج الناس، فتفرقوا حتى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو فما كرهه. انظر البداية والنهاية: 7/ 95.
وفي مجمع الزوائد: ” لما اشتغل الوجع قام أبو عبيدة بن الجراح في النَّاسِ خطيبًا، فقال: يا أيها الناس إن هذا الوجع رحمةُ ربِّكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قَبلَكم، وإن أبا عبيدة يسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يقسِمَ له منه حظَّه، قال: فطُعِنَ فمات رحمه الله، واستخلف على الناس معاذَ بن جبل، فقام خطيبًا بعده، فقال: يا أيها الناس إن هذا الوجع رحمةُ ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإنَّ مُعاذًا يسأل الله أن يقسِمَ لآل معاذٍ منه حظَّه، قال: فطُعِنَ عبد الرحمن ابنه فمات رحمه الله، ثم قام فدعا ربه لنفسِه، فطعن في راحته رَحِمه الله، ولقد رأيته ينظرُ إليها ثم يقَبِّل ظهرَ كَفِّه يقول: ما أحِبُّ أن لي بما فيك سببًا من الدنيا، فلما مات استخلف على الناس عمرَو بن العاص، فقام فينا خطيبا: فقال يا أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعِلُ اشتعالَ النَّارِ، فتحيلوا منه في الجبالِ، فقال أبو وائلة الهذلي: كذبت، والله لقد صحبتُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنت شَرٌّ من حماري هذا، قال: والله لا أرد عليك ما تقول، وأيمُ الله لا نقيم عليه، ثم خرج وخرج الناسُ معه، فتفَرَّقوا عنه ورفعه الله عنهم، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه مِن رأيِ عَمرٍو، فوالله ما كَرِهَه” مجمع الزوائد: 2/ 319.
هل أهمل الصحابة رضوان الله عليهم كتابة الحديث؟!

نشر أحد المغردين متأخرا شبهة تدعي انصراف الصحابة عن كتابة الحديث، وعدم اكتراثهم لها، وزعم أن أشدهم في النهي عن جمع الحديث الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويبدو أن صاحب التغريدة عزا هذه المقولة إلى كتاب تاريخ التشريع الإسلامي محمد الخضري بك، واستغربت من أول وهلة وقعت عيني على هذه الدعوى، واستنكرت نفسي هذا الاطلاق؛ لمخالفته لما عهدته من خلال القراءات المختلفة للأحداث المرتبطة بتدوين السنة النبوية، ثم راجعت مستند التغريدة، فظهرت بعض ملاحظات لا بد من إبرازها حتى لا يختلط الأمر على المثقف المسلم.

أولا  –  طلب عمر بن الخطاب التقليل من رواية الحديث وليس المنع المطلق: ما ذكره التغريدة بأن عمر كان أشد الناس نهيا عن كتابة الحديث جانبَ الصواب، فإن الصحيح من الرواية أن عمر رضي الله عنه نهى عن الاستكثار من كتابة السنة النبوية حتى لا تطغى كثرتها على كتاب الله، فينصرف الناس عنه، فيضيع، لا سيما وأن أحداث جمع المصحف بعد موت الحفظة في اليمامة حاضرة في الذاكرة، ولو فتح مشروع تدوين السنة على مصراعيه لكان أدعى لضياع القرآن.

بل الراجح أن عمر دعا إلى التقليل من كتابة السنة في عهده، ولم يثبت أنه نهى عنها نهيا مطلقا، وهذا الحرص يدخل ضمن سياسته رضي الله عنه، من أجل الحفاظ على مكانة القرآن الكريم من اختلاطه مع نظيره من السنة النبوية، ويستفاد ذلك من الآثار المختلفة التي أكدت على هذا السبب.

– جاء في تذكرة الحفاظ للذهبي: عن قرظة بن كعب قال: لما سيَّرَنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا: نعم تكرمة لنا قال: ومع ذلك أنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم. فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدثنا فقال: نهانا عمر رضي الله عنه. [1/12].

– لا يقتصر السبب من طلب التقليل في الرواية على ضياع القرآن، بل يضاف إلى ذلك أمر آخر وهو: احتياط عمر بن الخطاب من وقوع الخطأ في نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يدخل في سؤال الضبط والتثبت من الرواية قبل البسط فيها، فكان عمر بن الخطاب يحبس بعض الصحابة بسبب إكثارهم من الرواية، وليس بسبب مجرد رواية الحديث. لذلك كان معاوية يقول: ” عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.[المصدر السابق].

وهذا الكلام الصادر عن معاوية يثبت لنا أن رواية الحديث كانت موجودة ومنتشرة في عهد عمر بن الخطاب، ولكنها كانت ممنهجة، حيث يبحث قبل قبول أي رواية عن السند والشاهد، وهذا ساعد في الحد من نسبة انتقال الأخبار غير الثابتة عن الرسول، بل يعد هذا المنهج أول بادرة لوضع منهج الرواية والتثبت في الحديث. وما ذكره معاوية يمثل خبر عيان ممن شهد وعاصر عهد عمر بن الخطاب، واحتج بهذه السياسة بما لا يدع الشك في اعتباره.

قال الخضري بك في كتابه “تاريخ التشريع الإسلامي” مشيرا إلى سبب النهي عن الكتابة في عصر الخلافة: “إنما كانوا يشيرون بتقليل الرواية خشية أن ينتشر الكذب والخطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك كانوا يتثبتون فيما يروى لهم، فلم يكن أبو بكر ولا عمر يقبلان من الأحاديث إلا ما شهد اثنان أنهما سمعاه .. وكان علي يستحلف الراوي.. الخ”.  [تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري بك: 94].

ثانيا – سياسة عمر في رواية السنة النبوية متوافقة مع سياسة أبي بكر رضي الله عنهما: دعوى صاحب التغريدة بأن عمر كان أشد الصحابة في النهي عن كتابة السنة غير مسلمة، حيث إن عمر لم يُحدِث أمرا جديدا ذا خطر بوضع الحد من الاستكثار من رواية السنة أو كتابتها، وإنما جسد سياسة أبي بكر ووظفها في خلافته، ورسخها كقاعدة معتمدة، فنسبت إليه.

– جاء في مراسيل ابن أبي مليكة، أن الصديق جمع الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه”. [تذكرة الحفاظ 1/9].

يقول الذهبي بعده: “يدلك [هذا الخبر] أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج”.

ثالثا – انتشار كتابة السنة النبوية بين الصحابة بما في ذلك عصر خلافة عمر بن الخطاب: ومما يرد المزاعم أن كتابة السنة يرجع تاريخها إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت في فترة الخلافة الراشدة ولم تتوقف أبدا، بل إن عمر بن الخطاب أراد ضمن سياسته تجريد السنة النبوية بالكتابة، واستشار الصحابة وأهل الرأي في وقته تماما على نحو ما جرى في جمع القرآن الكريم لكنه توقف لعلة خارجية، وهي الخوف من الانصراف عن القرآن الكريم والإقبال على السنة فقط. ولكن الصحابة رضوان الله عليهم تابعوا كتابة السنة وتناقلوها بالمراسلات والروايات.

– أما نية عمر بن الخطاب تجريد السنة بالكتابة الخاصة فقد ذكرها عروة بن الزبير رحمه الله، وذلك: ” أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، قال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا”. [ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 274)].

وبين الذهبي في التذكرة مجموعة من الكتابات الحديثية التي اشتهرت في عصور الصحابة من خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وهي تثبت أن السنة النبوية لم تبق مهملة طوال القرن الأول إلى عهد عمر بن عبد العزيز.

– يقول أبو جحيفة: ” قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ قال: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة» قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر».

– وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن لعمرو بن حزم وغيره.

– وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة -رضي الله عنها – أن اكتبي إليَّ بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتبت إليه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًّا”. [مسند الحميدي: 265].

– وعبد العزيز بن مروان كتب إلى عبد الله بن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، قال: فكتب إليه عبد الله: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى” [مسند أحمد بسند حسن].

وأمثلة كثيرة في انتشار الرواية  وكتابة السنة والمكاتبات بين الصحابة في هذه العصور الفاضلة بما لا يدع شك لكل ناظر وباحث عن الحق، وللمغرد أن يراجع الكتاب الذي استند عليه في دعواه ليقف على حقيقة رأي المؤلف، وما سرد من الأدلة المتعددة المؤكدة على أهمية مصدر السنة وحركة تدوينها في عهد الصحابة.

في شروط التأسيس المنهجي السليم

قراءة (الموسوعات) في مختلف الفنون طريق لاحب للتأسيس المعرفي الرصين، خصوصا إذا كانت تلك الموسوعات مكتوبة بأقلام من عاشوا في عصور ما قبل انقطاع مسار نهضة الحضارة التي يكتبون عن بعض جوانبها؛ لأنهم يكتبون عنها دون عقدة نقص، تلك العقدة التي تصيب الأجيال التي تنشأ في عصر التراجع الحضاري؛ فتدفعها إلى الانتقاء والاجتزاء.

ويعتبر التاريخ من أهم العلوم التي تحتاج قراءة موسوعية مستوعبة، ونعني بالتاريخ هنا مفهومه الشامل (لا المصطلح المدرسي الشائع في أوساط العامة)، أي “الإنسان والزمان” -كما يقول السخاوي في كتابه: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ-، ومفهوم “الإنسان” هنا يشمل طباعه الذاتية وتفاعله مع المحيط الخارجي، كما يشمل “الزمان” سيرورة الأحداث أفقيا وعموديا –إن صح التعبير-.

يعني أننا نقصد بالتاريخ المفهوم الذي تدخل فيه –بدرجة أولى- خصائص الشعوب ومميزاتها والعوامل المؤثرة في ذلك (المناخ ـ الجغرافيا ـ الثقافة ـ الدين ـ وسائل الإنتاج إلخ) ـ أي ما يطلق عليه البعض “التاريخ الكبير” ، كما تدخل فيه السلطة بناؤها وأداؤها ومكائد البلاطات، وما يدور خلف أسوار القصور، والعوامل المباشرة لقيام الدول وسقوطها، وهو ما يطلق عليه “التاريخ الصغير”.

وفق المفهوم السابق للتاريخ؛ سوف تندرج أغلب كتب التراث السردي (السير والتأريخ للأحداث وسردها باستفاضة مثل البداية والنهاية لابن كثير، تاريخ الطبري وابن عساكر وابن خلدون وخليفة بن خياط وغيرهم – كتب الأدب التي تهتم بالتاريخ الاجتماعي مثل البيان والتبيين والحيوان والأغاني والنقائض والعقد الفريد إلخ – كتب التراجم والطبقات بمختلف مجالاتها ـ كتب الفتاوى والنوازل مثل المدونة وغيرها).

إن هذه المصنفات سالفة الذكر تحتفظ لنا بتاريخ المجتمع المسلم وتفاعله الطبيعي –كمجتمع وليس كمواقف ونماذج مثالية فقطـ– في مختلف المراحل، إنها تحتفظ بما أمكن من حرارة اللحظات التاريخية والمواقف النفسية والاجتماعية المختلفة (لا شك أن كل كاتب من هؤلاء أثرت فيه مواقفه ورؤيته وأحيانا مذهبه وطائفته)، ما يعني بالنسبة للقارئ معايشة المجتمع المسلم ـ بصورة تقريبية ـ في مراحله كلها، كيف نشأ؟ كيف تطور؟ كيف كان يدار؟، كيف كانت هي أحلامه ومطامحه؟، ما مدى تأثير العوامل التقليدية(الدين – العلم – المجتمع) في تحديد مساراته ومداراته الكبرى، المقدس والمدنس فيه.

قراءة التاريخ وفق الرؤية السابقة ضرورية ليس للمؤرخ فقط، بل للمفكر أيضا،  حيث إنه يطبخ المواد الأولية لمنتوجه في كانون مقايسات وسوابق ولمعات التاريخ مقرونةً بفكره الناقد، وبدون تلك النظرة التبادلية (نظرة التاريخ بعيون الواقع، وتسليط عيون التاريخ على الواقع) سيظل كل منتوجه أعرج الخطى، لأنه إما تهويمات ذاتية غير مؤسسة ولا مدعَّمة، وإما مُستجلَبات لم تخضع لما يسميه الفقهاء (التطهير بالاستحالة)؛ حتى تناسب فكر وثقافة ومجتمع ينتمي لحضارة مختلفة في منطلقاتها ومساراتها ومآلاتها الحتمية والمقصودة.

ثم هو أيضا (أي قراءة التاريخ بمفهومه السابق) ضروري للفقيه ـ بل هو أكثر حاجة له من غيره، ذلك بأن الفقه المدون (سواء في جانبه النظري التقعيدي أو  في جانبه الإجرائي الإفتائي) هو إجابات على الأسئلة المعلنة والمضمرة لذلك المجتمع، ومواكبة نشطة لتصوراته وتطوراته (كتاب السياسة الشرعية للماوردي مثلا هو محاولة تكييف شرعي لوضع الأمة السياسي في زمنه، وقد كان نشطا لصالح مشروع طغرل بك ضد بني بويه)، ومسايرة لحركة أذواقه وأخلاقه (مبحث العرف والعادة وقبول شهادة أمثل الموجودين وغيرها).

إن قراءة الفقه أو ممارسة الفتوى دون الاطلاع على هذا التاريخ غير مفيدة، بل إن انتصاب فقهاء مغفلين في التاريخ السياسي والاجتماعي والأدبي للأمة أحد أهم عوامل تخلف العقل الجمعي المعاصر  لها، ذلك بأن انتزاع التقعيد الفقهي والإفتاء الظرفي من سياقهما الاجتماعي والثقافي الذي أنتجا فيه يحولهما من “تفاعل إيجابي” إلى “قيد سلبي”.

لم يكن الفقهاء الأولون متخصصين في (الفقه) بالمفهوم المعاصر الذي حول الفقه إلى مسائل تشبه مواد قانون المرور، بل كانوا يمتلكون ثقافة موسوعية شاملة، ولذلك استطاعوا أن ينتجوا ذلك التراث العظيم.

سيندهش المرء حين يرى مواقف المجتمع الأول من قضايا الخلاف في بعض المسائل التي تفرقنا اليوم، وهم يحسبونها عاديات لا تقتضي خصومة ولا مناكفة، والعكس صحيح، ولم نتعود للأسف على إدخال هذه الأبعاد التاريخية والاجتماعية في تحرير الموقف الشرعي من بعض الأمور، لأننا ما زلنا مكبلين بوهم قدسية المنظومة التي وضعت لزمنها وبعقول أهل ذلك الزمان للاستنباط وإنتاج الأحكام الشرعية في ضوء الكتاب والسنة.

إن من أقبح ما جاءت به إدارة تصميم الوظائف الحديثة هو  وظيفة “باحث شرعي” يعمل إلى جنب “باحث اجتماعي” و”باحث لغوي” وآخر “باحث نفسي”، كل منهم يعمل في جزيرة من الاسمنت تفصله عن الآخر، والنتيجة أن نحصل على مجتمع مشوه شرعيا ولغويا واجتماعيا ونفسيا، ولو  اجتمع الفريق -على طريقة اليونيني في نسخته الفذة من صحيح البخاري- لحصلنا على رؤية متكاملة في النوازل والمستجدات.

تعيش الأمة منذ قرون على معتصرات المختصرات، التي إن بسطت وطولت فهي كما يبرع الخباز في تمطيط رغيفه فتراه كبيرا مع أن له نفس الوزن والحجم، ولن تنهض الأمة دون الرجوع للتراث؛ موسوعاته الأولى التأسيسية مرة أخرى، لقراءته بأعين غير تلك التي قرأته وهي حولاء ناظرة شطر الغرب الغازي، ولا تلك التي قرأته بدافع الحمية والشفقة عليه من أصحاب الانبهار.

في رأيي أن الذي يقرأ تاريخ الطبري مثلا أو البداية والنهاية أو غيرهما من موسوعات بتأمل وتمعن وبعين فاحصة ونفسية قلقة معرفيا، بل وشاكة ومجادلة غير مستسلمة لما يروى، أظن أنها قد تغنيه عن كثير من قراءة كتب الفقه السياسي وكتب علم الاجتماع، التي في غالبها إعادة بناء وصياغة منهجية لما هو منثور بطريقة أصيلة في هذه الكتب من نفاضة عقول النخبة القائدة بمفهومها الواسع، وليس السلطة فقط، إضافة لما هناك من لمعات الرأي الراشد وإشراقات الكلمات الجامعة للتدبير السياسي والاجتماعي.

خذ مثلا قولة مسلم الخراساني حين سئل – بعد نجاح ثورته على بني أمية لصالح بني العباس – أي قبائل العرب التي صنع بها الثورة كانت أشجع؟ قال: (كل قوم عند إقبال دولتهم شجعان)، إنه هنا يضع قانونا في علم الاجتماع السياسي سار عليه ابن خلدون في وضعه مراحل عمر الدولة، وكأن ابن حزم كان ينظر إليه وهو يقرر أن وضع أي لغة يتبع للوضع الحضاري للأمة الناطقة بها، لكن ابن خلدون وابن حزم استطاعا وضع نظريتيهما في كتاب أو مبحث متخصص، بينما ضاعت كلمة أبي مسلم في بطن موسوعة لا تصلها الوعول.

حين يخطر ببالي دور السباح الماهر الموفق الصحابي مجزأة بن ثور السدوسي، عندما استدعاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وهو الخبير بخارطة مواهب رجاله- لتنفيذ كوماندوز فريد لدخول مدينة “تستر” المحصنة عبر نفق مائي، حين أتذكره أدرك أن في تلك القصة تضيع عبر كثيرة ونظريات عميقة في فلسفة إخفاء الرواحل النوعية لحين مناسب.

أما احترافية ودراما التنظيم الذي أدار به فيروز الديلمي وفريقه من الصحابة أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل والموفقة النبيلة رضي الله عنها (زاذا) زوجة العنسي المجرم الذي دبرت قتله معهم بطريقة احترافية، فذلك ما يدهش القارئ، التفاصيل التي أوردها ابن كثير في البداية والنهاية عن تلك القصة تجعل كل جزئية منها تستحق دراسة منفصلة في علم الاجتماع والسياسة وفقه الثورة وآلياتها وطرق تدبيرها.

الخلاصة، إنه لا يحوز العمق المعرفي لأي حضارة من لم يقرأ تاريخ تلك الحضارة من أصوله وأسسه وفي سياقه الاجتماعي الطبيعي، القراءة الأخرى للتاريخ هي قراءة من يريد الفوز في المسابقات: حفظ الأحداث والتواريخ والأسماء، هذا ليس هو التاريخ، التاريخ كما يقول بروديل هو : “علم الإنسان، لكن شريطة أن تكون علوم الإنسان بِجواره”.

كيف يستطيع فهم حركة الردة وما تلاها من أحداث قارئ خاوي الوفاض من أيام العرب وأشعارها التي تدون مفاخرها ومثالبها وخصائص قبائلها النفسية والاجتماعية! وكيف يعرف تلك الأيام والأشعار والمفاخر والمنافرات من أخذها من كتب النصوص الأدبية المعاصرة!

لا شك أن قراءة تلك الموسوعات صعبة في “الأزمنة السائلة” -بتعبير زجماونت باوند، ولكن لا شك أيضا أن غيرها لا يغني غَناءها ولا يثمر ثمرتها.

فاختر لنفسك.

 

فهم القرآن الكريم من الهداية الفردية إلى الفعل الحضاري

يعيش المسلمون اليوم تدهورا في جل مجالات الحياة من أهم أسبابه تدهور العلاقة بالقرآن الكريم الذي مثل مرجعيتهم الأساسية منذ نزوله. فرغم الاهتمام بتلاوته وترتيله وسماعه وحفظه، لا تزال روح القرآن غائبة على مستوى السلوك الفردي والجماعي وعلى صعيد الأمة الحضاري، رغم أنه كان في القرون الأولى للإسلام مؤثرا في سلوك المسلمين ومحركا أساسيا لحضارتهم.

فكيف نحول فهمنا للقرآن اليوم إلى هداية على مستوى الفرد وإلى نهوض حضاري؟

القرآن الكريم هو أساسا كتاب هداية : “إن هذا القرآن يهدى للتي هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا”.

إن توجيه قراءة القرآن نحو هذه الهداية لا بد أن يتم من خلال المستويات التالية:

الهدف من هذه القراءة

 – منهجيتها وعلاقتها بمحيط الإنسان التالي لكتاب الله

فعلى مستوى الهدف والغاية، لا بد أن يكون الهدف الاساسي من التلاوة هو تحقيق الهداية الشاملة المؤدية إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، فإذا اعتبر المسلم القرآن أساسا كتاب بركة أو لربح الحسنات، حول الهدف الأساسي لكتاب الله وحجب نفسه وقلبه عن المعاني الأساسية للقرآن والمقاصد التي أنزل من أجلها ولم يحقق من تلاوته إلا البركة والحسنات التي تلاه من أجلها. لذلك فإنه من الضروري استحضار نية البحث عن الهداية في كل تلاوة وتدبر للكتاب الحكيم.

أما على مستوى المنهجية  فلا بد أن يكون منهج التلاوة على سبيل التلقي أي أن ينزل المسلم على قلبه آيات القرآن كأنها تنزل عليه أول مرة.

يقول د.فريد الأنصاري رحمه الله في كتابه(مجالس القرآن):”وتلقي القرآن بمعنى استقبال القلب للوحي، على سبيل الذِّكْرِ؛ إنما يكون بحيث يتعامل معه العبد بصورة شهودية، أي كأنما هو يشهد تنـزله الآن غضا طريا! فيتدبره آيةً، آيةً، باعتبار أنها تنـزلت عليه لتخاطبه هو في نفسه ووجدانه، فتبعث قلبه حيا في عصره وزمانه! ”

و حتى تكون هذه الهداية شاملة، لا بد أن تكون قراءة القرآن مرتبطة ومقترنة بقراءة كتاب الله المنشور وهو الكون بمختلف ابعاده و مكوناته، إذ أن هذا الكون هو مجال تطبيق الهداية البشرية ومحور الاستخلاف والتعمير الذي يهدف إليه الهدى القرآني. فكل قراءة للوحي منفصلة عن العلوم الكونية ستؤدي إلى الانفصام بين الدنيا والآخرة وبالتالي إلى تعطيل مهمة الإنسان في الكون فتكون الهداية المحصلة منغلقة عن الذات، أنانية، مخالفة للهداية القرآنية المنفتحة التي تعطي ثمارها الطيبة للإنسانية جمعاء.

يقوم القرآن الكريم إذا تلوناه حق تلاوته بإعادة تشكيل وعي الإنسان وتحويله من مجرد كائن يعيش على هامش الكون إلى الخليفة المسؤول عن هذا الكون، إذن فبتحقيق الهداية الفردية، نكون بنينا الإنسان الصالح المهتدي بآيات الله والمسؤول على الكون وهو الإنسان الذي يستحق لقب ومهمة الاستخلاف. هذا الإنسان يمثل اللبنة الأولى من لبنات الحضارة. إذ أن  الحضارة هي نتاج تفاعل الإنسان مع الكون ومع الزمن ، والقرآن في جل آياته يتحدث عن هذا التفاعل: عن كيفيته ، ومنهجه ، مؤسسا لرؤية قائمة على الوسطية والتوازن بين الحرية والمسؤولية بين الخصوصية الفردية و الروح الجماعية ، بين الروحانية والمادية. هذه الرؤية إذا تدبرها وعمل بها المسلمون فسوف تكون نتيجتها حضارة عالمية تتجاوز محدودية وقصور رؤية  الحضارة الغربية المعاصرة والتي تؤدي إلى كوارث على مستوى الفرد والمجتمع والبيئة.

تقوم الحضارة بالإضافة إلى الرؤية على مجموعة من الدوافع والأسس.

على مستوى الدوافع يمثل وجود التحدي دافعا أساسية لقيام الحضارات، إذ أن قيام الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات محددة سواء كانت هذه التحديات مادية او اجتماعية.

ولكي يكون التحدي محفزا إلى نهوض حضاري يجب أن يكون هذا التحدي معتدلا، أي أن لا يكون شديد الصعوبة ولا شديد السهولة، فإذا كان شديد العسر أدى إلى الإحباط وإذا كان شديد السهولة أدى إلى التراخي والجمود. التحديات في القرآن كثيرة : أهمها على المستوى الفردي الحصول على رضا الله ودخول الجنة وعلى السبيل الجماعي الاستخلاف في الكون وتحقيق الأمة الشهيدة على الإنسانية…أما على المستوى الجماعي فإن القرآن يبين لنا من خلال تجارب الانبياء أن الفساد مهما بلغ مداه فإن الإصلاح يبقى ممكنا ويدعو الإنسان إلى أن يسعى إليه إلى آخر رمق في حياته : “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل” ويبين لنا في المقابل أن الإصلاح مهما بلغ مداه فإن  الفساد يتربص بنا إذا وقع التراخي والخمول.

من ناحية أخرى وعلى مستوى الأسس الحضارية  يبين القرآن السنن التي وضعها الله في هذا الكون وهي قوانين مطردة تحكم نظام الكون أخبرنا بها الله في كتابه لترشدنا حول منهجية الاستخلاف العامة، وتركنا أحرارا في اختيار الوسائل والطرق.

من هذه السنن قانون التغيير “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”  وقانون التدافع : ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين” وقانون التداول : “وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين”.

إن البحث عن هذه السنن في كتاب الله المخلوق والمنشور ضرورة قرآنية ودافع لتحقيق النهوض الحضاري، فهي تبين قوانين التغيير والتطور وعوامل صناعة الحضارات وأفولها: “فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا”.

الانبثاق المرئي للحضارة الإسلامية من منظور محمد أسد

كيف تبدأ الحضارات على وجه التحديد؟ لا أحد يعرف ذلك حسب المفكر المسلم محمد أسد،  إذا استبعدنا الأساطير والخرافات التي تأتي بها كل حضارة في محاولة باطنية لاحقة لتفسير بداياتها؛ فإنه ليس هناك ما يمكن الاطمئنان إليه بشكل دقيق.

 

يحاول محمد أسد في مقدمة كتابه “هذه شريعتنا” أن يزيل الارتباك المتعلق بمفهوم الحضارة كما يستخدمه في هذا السياق، مبينا أنه لا يعني به التجليات التاريخية المتنوعة للإنجاز الإسلامي كثقافة الخلافة البغدادية أو مصر المملوكية أو الإنجازات الفنية والأدبية للعرب في إسبانيا.

 

يقول:”… لذلك أود أن أوضح أنني أعني بالحضارة الإسلامية المنظور الأخلاقي الخاص، والنظام الاجتماعي وطريقة الحياة التي ولدها الإسلام، ولا أقصد إنجازات معينة للمسلمين في أي بلد أو أي عصر من تاريخهم”.

 

يؤكد محمد أسد على حقيقة الجهل المطرد للبدايات الفعلية للحضارات فيقول”إننا مهما حفرنا عميقا في الماضي الثقافي للبشرية، لن نجد نقطة محددة يمكن أن يقال إنها لحظة ميلاد حضارة، ولن نجد خطا واضحا بين نهاية القديم وبداية الجديد”، ذلك أن الحضارات كلها هي عبارة عن مزيج من التقاليد والتيارات المختلطة التي استلزم تواشجُها مُدَداً زمنية طويلة، نشأت على إثره تلك الحضارات.

تقطع هذه المعرفة بالبدايات الطريق على أي ربط عضوي بين الإسلام الصافي وبين نتاج حركة العقل المسلم في مصادره الأصلية، لتبقى المصادر في نقائها صالحة للتأسيس عليها وفق الزمان والمكان المتغيرين وتبقى تلك الفهوم والعلوم الأخرى محكومة بزمانها ومكانها المحددين

تبدو الحضارة الإسلامية ـ في رأي محمد أسد ـ استثناء من هذا الإطلاق، فهي الوحيدة التي ظهرت للعيان بشكلها في لحظة محددة في التاريخ، كما ظهرت مكتملة الخصائص متفردة السمات، وهذا ما منحها أهم عناصر القوة الداخلية والقدرة على الانبعاث بعد الإشراف على الموت  أكثر من مرة، لأن قيمها المركزية معروفة البدايات وقابلة للفرز وإعادة التشغيل من جديد.

لكن كيف ظهرت الحضارة الإسلامية فجأة؟ وما هي المادة الأولية التي تشكلت منها هذه الحضارة؟ للإجابة على السؤال الأول يرى محمد أسد أن الحضارة الإسلامية تأسست على حدث واحد وشخصية واحدة متفردة، أما الحدث فهو نزول القرآن، وأما الشخصية فهي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

أما عن السؤال الثاني فيقدم تصوره للخصائص العامة للحضارة ومن ثمَّ يحاكم عليها الحضارة الإسلامية، وهي في نظره أربعة عناصر:

ـ مجتمع واضح الملامح

ـ رؤية كونية مميزة

ـ نظام تشريعي شامل

ـ نسق محدد للعلاقات الاجتماعية

وهذه العناصر الأربعة متحققة بشكل جلي في الحضارة الإسلامية.

 

يتعزز هذا التصور الانبثاقي للحضارة الإسلامية حين نعرف كيف كان بسطاء الجزيرة العربية ينظرون إلى الإيديولوجية الجديدة، لقد كانوا يعتبرون الإنتماء إليها يعني انفصالا كليا عن رؤيتهم التقليدية وأساليب حياتهم القديمة، إنهم لم ينظروا إليها كحضارة جديدة بل كحضارة مستأنفة ناشئة.

مبدأ التواصل التاريخي هو قانون اجتماعي تاريخي مطرد، لكنه لا يعني هنا التطور بمعناه الخيطي المتصل، وإنما يعني ربط  المحطات الراشدة (شرائع الديانات السماوية السابقة) في حياة البشرية والتأسيس التدرجي على نتائجها

لكن ما هي فائدة معرفتنا بالبداية الفعلية للحضارة الإسلامية، إذا تجاوزناها كمعلومة أكاديمية؟ يرى محمد أسد أن فائدة هذا التحديد تتجاوز فهمنا للماضي إلى “نتائج عملية لحاضرنا ومستقبلنا”، إنها تمكننا من رؤية حضارة الإسلام في نقائها الأول وصفاء المنتمين لها في ذلك العصر قبل أن تؤثر فيهم عادات وتقاليد امتزجت بمن جاء بعدهم، وهذا يمكِّننا من “تحديد البنية الأصلية لها وإرادة توجهها”.

 

إنه إذا يتيح لنا فرصة نادرة للاستدراك والترميم بناء على معرفة الخصائص الصافية للمنتج الأصلي، وهذا ما تفتقده الحضارات الأخرى بما فيها الحضارات التي أسست على دين سماوي محرف كأوربا القرون الوسطى، كما تقطع هذه المعرفة بالبدايات الطريق على أي ربط عضوي بين الإسلام الصافي وبين نتاج حركة العقل المسلم في مصادره الأصلية

 

لا يدل هذا الانبثاق الاستثنائي الذاتي على أن الحضارة الإسلامية ـ كظاهرة حيوية ـ منبتة الصلة كليا بما سبقها، فهي “مع أصالة رؤيتها وأصالة قانونها الاجتماعي كانت تحوي كثيرا مما كان سبقها من أنظمة دينية، وتردد الكثير من الحقائق الأخلاقية التي كانت تعد  حقائق فيما سبقها من عصور”، وفي الحديث الشريف:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، لكن هذا أيضا لا يدل ـ كما يظن بعض الكتاب الغربيين ـ على تنازل أمام التقاليد السائدة في الجزيرة العربية حينها، بل هو نتيجة مبدإ أصيل يقوم عليه الإسلام هو (مبدأ التواصل التاريخي) في حياة البشر.

الحضارة الإسلامية أيضا في نظر محمد أسد ذات طبيعة إيديولوجية، تحمل (فكرة محددة) غير قابلة للتعديل ولا المراجعة، وهذا ما سماه سيد قطب “ربانية المصدر والغاية والوجهة”

ومبدأ التواصل التاريخي هو قانون اجتماعي تاريخي مطرد، لكنه لا يعني هنا التطور بمعناه الخيطي المتصل، وإنما يعني ربط  المحطات الراشدة (شرائع الديانات السماوية السابقة) في حياة البشرية والتأسيس التدرجي على نتائجها، أي أن الإسلام أسس على الحقائق الأخلاقية والدينية الصافية من التحريف التي أرستها الشرائع السماوية قبله.

 

الحضارة الإسلامية أيضا في نظر محمد أسد ذات طبيعة إيديولوجية، تحمل (فكرة محددة) غير قابلة للتعديل ولا المراجعة، وهذا ما سماه سيد قطب “ربانية المصدر والغاية والوجهة”، وهذا ما يميزها عن باقي الحضارات التي لا تعتمد حيويتها المتواصلة على الحفاظ على أية (إرادة أصلية) بالمعنى الإيديولوجي، بل تعتمد فقط على”إذكاء الطاقة الإبداعية وحدها” حين يغذيها نزوع عرقي أو ظرف جغرافي دون النظر إلى القنوات التي تختارها أو أي تحولات إيديولوجية تمر بها.

 

مثلا، نحَّت الحضارة الغربية المعاصرة المسيحية عن مسرح التأثير لأنها رأتها مكبلة لحركتها باتجاه الغاية دون أن تعبأ بالوسيلة التي تمتطيها لذلك، فيما رأت الاتحاد السوفيتي أن الدين أفيون الشعوب وانطلقت من عقالها تبني حضارتها على إيديولوجيا الإنسان المقدس بدل الله.

 

الحضارة الإسلامية لا تقبل ذلك، لها مصدر ووجهة وغاية محددين بشكل قاطع، ثم إنها لا تعتمد على حمية عرقية لشعب بعينه، بل تعتمد على الارتباط الواعي بين كتلة اجتماعية تتمثل فكرة الإسلام عقلا ووجدانا وتجد في نفسها الاستعداد لتطبيق مبادئه، وهو ما يشكل “منبعا وحيدا للطاقة الثقافية”، وبدون صفة الإيديولوجية هذه ستنقسم الحضارة الإسلامية إلى عدة حضارات قومية، ومن ثم تصبح حضارة لكنها ليست إسلامية.

 

حدث هذا في بعض فترات التاريخ الإسلامي فأنتج قيما فكرية وسياسية مشوهة، وتلك نتيجة حتمية لأي عنصر يتطور خارج الحركة الطبيعية لجسمه، وهو ما يحدث اليوم بشكل آخر فيوقع الأمة في هذا الارتباك الاستراتيجي المشهود.

فهل نستطيع خلق انبثاق جديد للحضارة الإسلامية؟

 

 

 

الأولويات في التدين

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة التدين والتزام المسلم بشرائع دينه، من مقالات منشورة في الصحف والمجلات عبر الشبكات التواصلية وغيرها، وكلها تسلك مسارات مختلفة في الطَّرق والعرض، بين إسهاب واختصار، ولعل مما يحتاج إليه المسلم اليوم أن يلتمس الطرق المثالية للقيام بمعالم الدين، والالتحاق بركب السباقين إلى الخيرات، خصوصا في هذه الأوقات التي اختلطت الأمور ببعضها، ونضحت النفوس بالشبهات، والمتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمرة!

 

ولعل من أولى خطوات الالتزام بالدين البدء بالأول والأولى، والأهم .. وهكذا، يبدأ المسلم بأهم الأسس الشرعية، كالمحافظة على الواجبات العينية التي تحقق له ضرورياته الأولية مما تستحيل حياته دونها، ثم مكملات ذلك، ثم حاجياته فمكملاتها.. ويدرج بعد ذلك إلى ما دون الواجبات العينيية. لكن حيال هذا تعترضنا قضية أساسية وهي حين يحافظ المسلم على الواجبات أولا ثم مكملاتها .. ألا يكون بالمقابل يعطل جوانب كثيرة من الشريعة الإسلامية ؟ نضرب مثالا على ذلك ليتضح المقال، إذا حافظ المسلم على الصلوات الخمس وما يتبعها من فرائض أخرى وهو مقيم على الخمر أو متعاطي بعض المنكرات ألا يعتبر ذلك نقضا لأصول الشريعة ، وهي بين أمر ونهي ؟

إن الأحكام الشرعية من حيث التأسيس والتشريع جملة متكاملة لا يتجزأ ، ويتساوى فيها المكلفون دون تمايز بينهم في الجملة

 

للإجابة على هذا التساؤل يدعونا الحديث عن قضية التدرج في التطبيق الشخصي لشرائع الإسلام، ونقصد بهذا قيام الفرد بما يطيقه من المسؤوليات الدينية العينية أولا بغية الوصول إلى أعلى مراتب التدين، بعيدا عن التنكس الطائش الذي ينتج من الاندفاع الأولي . هذا الأمر عالجه المعاصرون بالتفصيل – للأسف – في مجال تطبيق الشريعة للدولة والمؤسسات فقط، وأغفلوا جانب الفرد المسلم الذي هو ركن أساسي للمجتمع، وبه تشكلت الدولة وقامت المؤسسات، وخطاب الشرع موجه إليه ابتداء وانتهاء، فإن صلاح الفرد الديني صلاح مجتمعه، وفساد ذاته فساد ما حوله، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!!

 

وإذا أريد تأصيل هذا الموضوع يمكن أن نخرّجه على أصل تجزؤ الاجتهاد، هل يمكن أن تغيب عن المجتهد أحكام بعض الفروع ؟  اختلف عليه الفقهاء بين مجيز ومانع، والأمر ذاته قد يرد على قضيتنا، هل يجوز أن يقوم الفرد ببعض ما يقدر عليه من الواجبات ويعذر في بعضها حتى يتمكن منها ؟ فإن المكنة والقدرة تتصور في كلا الحالين ، ولا يحمل أحد المسؤولية مع وجود العجز.

 

يختار ابن تيمية في المجموع أن الحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله ، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي ، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه ، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلا.

الظاهر أن التطبيق الذاتي عند المسلم يتفاوت في القدرات والمستويات ، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، فإذا نريد الارتقاء بمستوى المسلم غير الملتزم إلى أسنى مراتب التدين، فلعل من الحكمة التدرج

 

وما انتشر من بعض المفكرين أن الإسلام جملة لا يتجزأ .. فإن الأخذ بالتدرج في التطبيق الشخصي حسب المكنة والاستطاعة لا يتعارض معه، فإن الأحكام الشرعية من حيث التأسيس والتشريع جملة متكاملة لا يتجزأ ، ويتساوى فيها المكلفون دون تمايز بينهم في الجملة، وإنما حديثنا هنا عن التطبيق الشخصي لهذه الأحكام! هل يمكن أن يتدرج الفرد في مراتب تنفيذها حسب الاستطاعة ، حتى يحقق الغرض من الالتزام وهو الدوام وعدم الانقطاع أم لا ؟

 

والظاهر أن التطبيق الذاتي عند المسلم يتفاوت في القدرات والمستويات ، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ، فإذا نريد الارتقاء بمستوى المسلم غير الملتزم إلى أسنى مراتب التدين، فلعل من الحكمة التدرج به، وهذا ما يحقق مقصد التشريع، يقول الشاطبي: “إن الله تعالى جعل أهل الشريعة على مراتب ليسوا فيها على وزان واحد، ورفع بعضهم فوق بعض، كما أنهم في الدنيا كذلك … ثم قال: ربما تفاوت الأمر فيها بحسب قدرة المكلف على الدوام فيما دخل فيه وعدم قدرته، فمن لا يقدر على الوفاء بمرتبة من مراتبه لم يؤمر بها، بل بما هو دونها، ومن كان قادرا على ذلك كان مطلوبا.”

وحين يطلب من الفرد أن ياخذ الإسلام جملة أو يدعه، فإنه قد يؤدي إلى تعطيله جملة وتفصيلا، أو إخراجه إلى التعبد حسب هوى غيره، وهذا يهدم الدين والتدين، ويكون دينه لإرضاء غرض فلان أو علان، والدين إنما جاء لإصلاح الفرد وإحقاق حظه في الدنيا العاجلة و صلاحه في الآخرة.

ليلة القدر: فضلها ووقتها وعلاماتها

اختار جمهور العلماء أن ليلة القدر تكون في شهر رمضان، وأنها في العشر الأواخر منه، وأما تحديدها في العشر الأواخر فمختلف فيه تبعا لاختلاف الروايات الصحيحة، والأرجح أنها في الليالي الوتر من العشر الأواخر، وأرجى ليلة لها هي ليلة السابع والعشرين .

وفضلها عظيم لمن أحياها ، وهي ليلة عامة لجميع المسلمين، وإحياؤها يكون بالصلاة، والقرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وصلاة التراويح في رمضان إحياء لها.

يقول فضيلة الشيخ سيد سابق رحمه الله : للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة؛ فمنهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر، وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين.

روى أحمد – بإسناد صحيح- عن ابن عمر – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين”.

وروى مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي -وصححه- عن أبيِّ بن كعب أنه قال: “والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان -يحلف ما يستثني- والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها”.

إذا كان دخول رمضان يختلف – كما نشاهد اليوم – من بلد لآخر، فالليالي الوترية في بعض الأقطار، تكون زوجية في أقطار أُخرى، فالاحتياط التماس ليلة القدر في جميع ليالي العشر

ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : قد نَوَّه القرآن، ونَوَّهَت السُّنَّة بفضل هذه الليلة العظيمة، وأنزل الله فيها سورة كاملة: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزُّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) سورة القدر.

عَظَّمَ القرآنُ شأنَ هذه الليلة، فأضافها إلى (القدر) أي المقام والشرف، وأي مقام وشرف أكثر من أن تكون خيرًا وأفضل من ألف شهر. أي الطاعة والعبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

وألف شهر تساوي ثلاثًا و ثمانين سنة وأربعة أشهر، أي أن هذه الليلة الواحدة أفضل من عمر طويل يعيشه إنسان عمره ما يقارب مائة سنة، إذا أضفنا إليه سنوات ما قبل البلوغ والتكليف.

وهي ليلة تتنزَّل فيها الملائكة برحمة الله وسلامه وبركاته، ويرفرف فيها السلام حتى مطلع الفجر.

وفي السنة جاءت أحاديث جمة في فضل ليلة القدر، والتماسها في العشر الأواخر ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه” ( رواه البخاري في كتاب الصوم).

ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة عن هذه الليلة وإهمال إحيائها، فيحرم المسلم من خيرها وثوابها، فيقول لأصحابه، وقد أظلهم شهر رمضان: “إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم” (رواه ابن ماجه من حديث أنس، وإسناده حسن كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته -2247).

وكيف لا يكون محرومًا من ضيع فرصة هي خير من ثلاثين ألف فرصة ؟

إن من ضيع صفقة كان سيربح فيها 100% يتحسر على فواتها أيّما تحسر، فكيف بمن ضيع صفقة كان سيربح فيها 3000000% ثلاثة ملايين في المائة؟!

أي ليلة هي ؟

ليلة القدر في شهر رمضان يقينًا، لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن، وهو أنزل في رمضان، لقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة : 185.

والواضح من جملة الأحاديث الواردة أنها في العشر الأواخر، لما صح عن عائشة قالت: كان رسول الله يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: ” تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان “، (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -726).

وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج إليهم صبيحة عشرين فخطبهم، وقال: “إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها – أو نسيتها – فالتمسوها في العشر الأواخر، في الوتر” (متفق عليه، المصدر نفسه -724). وفي رواية: “ابتغوها في كل وتر ” (نفسه 725).

ومعنى (يجاور): أي يعتكف في المسجد، والمراد بالوتر في الحديث: الليالي الوترية، أي الفردية، مثل ليالي: 21، 23، 25، 27، 29.

وإذا كان دخول رمضان يختلف – كما نشاهد اليوم – من بلد لآخر، فالليالي الوترية في بعض الأقطار، تكون زوجية في أقطار أُخرى، فالاحتياط التماس ليلة القدر في جميع ليالي العشر.

ويتأكد التماسها وطلبها في الليالي السبع الأخيرة من رمضان، فعن ابن عمر: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرى رؤياكم قد تواطأت (أي توافقت) في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر” (متفق عليه، عن ابن عمر، المصدر السابق -723).

وعن ابن عمر أيضًا: ” التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يُغلبن على السبع البواقي” (رواه أحمد ومسلم والطيالسي عن ابن عمر كما في صحيح الجامع الصغير 1242).

والسبع الأواخر تبدأ من ليلة 23 إن كان الشهر 29 ومن ليلة 24 إن كان الشهر 30 يومًا.

ورأي أبي بن كعب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكان أُبَىّ يحلف على ذلك لعلامات رآها، واشتهر ذلك لدى جمهور المسلمين، حتى غدا يحتفل بهذه الليلة احتفالاً رسميًا.

والصحيح: أن لا يقين في ذلك، وقد تعددت الأقوال في تحديدها حتى بلغ بها الحافظ ابن حجر 46 قولاً. وبعضها يمكن رَدُّه إلى بعض. وأرجحها كلها: أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، وعند الجمهور ليلة سبع وعشرين (فتح الباري -171/5 ط. الحلبي).

ليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها، ويبتغي خيرها وأجرها، وما عند الله فيها، وهي ليلة عبادة وطاعة، وصلاة، وتلاوة، وذكر ودعاء وصدقة وصلة وعمل للصالحات، وفعل للخيرات

ولله حكمة بالغة في إخفائها عنا، فلو تيقنا أي ليلة هي لتراخت العزائم طوال رمضان، واكتفت بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها حافزًا للعمل في الشهر كله، ومضاعفته في العشر الأواخر منه، وفي هذا خير كثير للفرد وللجماعة. وهذا كما أخفى الله تعالى عنا ساعة الإجابة في يوم الجمعة، لندعوه في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؛ لندعوه بأسمائه الحسنى جميعًا.

روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي تنازعا وتخاصما) فقال: “خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت (أي من قلبي فنسيت تعيينها) وعسى أن يكون خيرًا لكم”.

علامات ليلة القدر

وقد ورد لليلة القدر علامات، أكثرها لا يظهر إلا بعد أن تمضى، مثل: أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها، أو حمراء ضعيفة……إلخ.
ومثل: أنها ليلة مطر وريح، أو أنها ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، إلخ ما ذكره الحافظ في الفتح.

وكل هذه العلامات لا تعطي يقينًا بها، ولا يمكن أن تَطَّرد، لأن ليلة القدر في بلاد مختلفة في مناخها، وفي فصول مختلفة أيضًا، وقد يوجد في بلاد المسلمين بلد لا ينقطع عنه المطر، وآخر يصلي أهله صلاة الاستسقاء مما يعاني من المَحْل، وتختلف البلاد في الحرارة والبرودة، وظهور الشمس وغيابها، وقوة شعاعها، وضعفه، فهيهات أن تتفق العلامات في كل أقطار الدنيا.

ومما بحثه العلماء هنا: هل تعتبر ليلة القدر ليلة خاصة لبعض الناس، تظهر له وحده بعلامة يراها، أو رؤيا في منام، أو كرامة خارقة للعادة، تقع له دون غيره؟ أم هي ليلة عامة لجميع المسلمين بحيث يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه أقامها، وإن لم يظهر له شيء؟.

لقد ذهب جمع من العلماء إلى الاعتبار الأول، مستدلين بحديث أبي هريرة: “من يقم ليلة القدر فيوافقها..” (رواية لمسلم عن أبي هريرة).

وبحديث عائشة: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول ؟ فقال: “قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني” (رواه ابن ماجه والترمذي عن عائشة).

وفسَّروا الموافقة بالعلم بها، وأن هذا شرط في حصول الثواب المخصوص بها.
ورجح آخرون معنى يوافقها: أي في نفس الأمر، إن لم يعلم هو ذلك، لأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء، ولا سماعه، كما قال الإمام الطبري بحق.

وكلام بعض العلماء في اشتراط العلم بليلة القدر كان هو السبب فيما يعتقده كثير من عامة المسلمين أن ليلة القدر طاقة من النور تُفتح لبعض الناس من السعداء دون غيرهم. ولهذا يقول الناس: إن فلانا انفتحت له ليلة القدر، وكل هذا مما لا يقوم عليه دليل صريح من الشرع.

فليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها، ويبتغي خيرها وأجرها، وما عند الله فيها، وهي ليلة عبادة وطاعة، وصلاة، وتلاوة، وذكر ودعاء وصدقة وصلة وعمل للصالحات، وفعل للخيرات.

وأدنى ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في تلك الليلة: أن يصلي العشاء في جماعة، والصبح في جماعة، فهما بمثابة قيام الليل. ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم” “من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله” (رواه أحمد ومسلم واللفظ له، من حديث عثمان، صحيح الجامع الصغير -6341).

والمراد: من صلى الصبح بالإضافة إلى صلاة العشاء، كما صرحت بذلك رواية أبي داود والترمذي: “من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة” (المصدر السابق -6342).

الحضارة الإسلامية وأثرها في ميدان الفلسفة والعلوم

أورد الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه (من روائع حضارتنا) الأثر الذي أحدثته الحضارة الإسلامية في في تاريخ التقدم الإنساني ومن ذلك ميدان الفلسفة والعلوم :

” ابتدأت عند الغربيين حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وغدت كتب علمائنا تدرس في الجامعات الغربية، فقد ترجم كتاب (القانون) في الطب لابن سينا في القرن الثاني عشر، كما ترجم كتاب (الحاوي) للرازي ـ وهو أوسع من القانون وأضخم ـ في نهاية القرن السادس عشر، أما كتب الفلسفة فقد استمرت أكثر من ذلك، ولم يعرف الغرب فلسفة اليونان إلا عن طريق مؤلفاتنا وترجماتنا، ومن هنا يعترف كثير من الغربيين المنصفين بأننا كنا في القرون الوسطي أساتذة أوروبا مدة لا تقل عن ستمائة سنة.

قال العلامة جوستاف لوبون: ظلت ترجمات كتب العرب ولاسيما الكتب العلمية المصدر الوحيد تقريبًا للتدريس في جامعات أوروبا خمسة قرون أو ستة قرون، ويمكننا أن نقول إن تأثير العرب في بعض العلوم كعلم الطب مثلا دام إلى أيامنا، فقد شرحت كتب ابن سينا في مونبلييه في أواخر القرن الماضي”، ويقول هذا العالم أيضًا: ” على كتب العرب وحدها عول روجر بيكون وليونارد البيزي وأرنو الفيلفوفي وريمون لول وسان ثوما وألبرت الكبير والأذفونش العاشر القشتالي” ..

قال مسيو رينان: ” إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا” وسان توما مدين في فلسفته لابن رشد.

ويقول العلامة المستشرق سيديو:” كان العرب وحدهم حاملين لواء الحضارة الوسطي فدحروا بربرية أوروبا التي زلزلتها غارات قبائل الشمال، وسار العرب إلى منابع فلسفة اليونان الخالدة” فلم يقفوا عند حد ما اكتسبوه من كنوز المعرفة بل وسعوه وفتحوا أبوابًا جديدة لدراسة الطبيعة”.

ويقول: “وإذا بحثنا فيما اقتبسه اللاتيني من العرب في بدء الأمر وجدنا أن جربرت الذي أضحى بابا باسم سلفستر الثاني أدخل إلينا بين سنة 970 وسنة 980 ما تعلمه في الأندلس من المعارف الرياضية، وأن أوهيلارد الإنجليزي طاف بين سنة 1100 وسنة 1128 في الأندلس ومصر فترجم من العربية كتاب الأركان لإقليدس الذي كان الغرب يجهله، وأن أفلاطون التيقولي ترجم من العربية كتاب الأكر لتاذوسيوس، وأن رودلف البروجي ترجم من العربية كتاب الجغرافيا في المعمور من الأرض لبطلميوس، وأن ليونارد البيزي ألف حوالي سنة 1200 رسالة في الجبر الذي تعلمه من العرب، وأنكنيانوس النبري ترجم عن العرب في القرن الثالث عشر كتاب إقليدس ترجمة جيدة شارحًا له، وأن قيتليون البولوني ترجم كتاب البصريات للحسن بن الهيثم في ذلك القرن، وأن جيرارد الكريموني أذاع في ذلك القرن أيضًا علم الفلك الحقيقي المتين بترجمته المجسطي لطلميوس والشرح لجابر الخ…”.

وفي سنة 1250 أمر الأذقوش القشتالي بنشر الأزياج الفلكية التي تحمل اسمه، وإذا كان روجر الأول قد شجع على تحصيل علوم العرب في صقلية ولاسيما كتب الإدريسي، فإن الإمبراطور فردريك الثاني لم يبد أقل حضا على دراسة علوم العرب وآدابهم، وكان أبناء ابن رشد يقيمون ببلاط هذا الإمبراطور فيعلمونه تاريخ النباتات والحيوانات الطبيعي.

ويقول هومبلد في كتابه عن الكون: والعرب هم الذين أوجدوا الصيدلية الكيماوية، ومن العرب أتت الوصايا المحكمة الأولى التي انتحلتها مدرسة ساليرم فانتشرت في جنوب أوروبا بعد زمن، وأدت الصيدلة ومادة الطب اللتان يقوم عليهما فن الشفاء إلى دراسة علم النبات والكيمياء في وقت واحد ومن طريقتين مختلفين، وبالعرب فتح عهد جديد لذلك العلم، وأوجبت خبرة العرب بالعالم النباتي إضافتهم إلى أعشاب ذليفوريدس ألفي نبات، واشتمال صيدليتهم على عدة أعشاب كان يجهلها الإغريق جهلا تامًا.

ويقول سيديو عن الرازي وابن سينا بأنهما سيطرا بكتبهما على مدارس الغرب زمنًا طويلا، وعرف ابن سينا في أوروبا طبيبًا فكان له على مدارسها سلطان مطلق مدة ستة قرون تقريبًا؛ فترجم كتابه القانون المشتمل على خمسة أجزاء فطبع عدة مرات لعدة أساسًا للدراسات في جامعات فرنسا وإيطاليا.

ماهي السنة النبوية ؟

السُّنة النبويّة لها عدة معانٍ فالسُّنّة في اللغة: هي الطريقة والمَنهج، منها قول النبي “فعليكم بسُنّتي ،وسُنّة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّين” رواه الترمذي وغيره وقال: حسن صحيح أي طريقتي ـ والسُّنّة في اصطلاح الفقهاء هي ما يُثاب المرء على فعله ولا يُعاقَب على تركه كصلاة الضُّحى مثلاً ، والسنة في اصطلاح المحدثين هي ما أضيف إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولاً أو فعلاً أو وصفًا أو تقريرًا.

وهناك أهل السُّنة عند المتكلِّمين فيما يُقابل الطوائف الأخرى، وتحقيق هذه السُّنّة أي: المحافَظة عليها وإخراج الدّخيل منها ودفع الشُّبَهِ عنها، والاحتراس عند روايتها، هذا التحقيق بدأه النبي صلى الله عليه وسلم لأنّ القرآن كان إذا نَزلتْ منه آياتٌ أو سورة، أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُكتب ما نزل ونَهى أولاً عن كتابة الحديث حتى لا يختلِط كلامه بكلام الله سبحانه.

ثم بعد ذلك رخّص لبعض الصحابة في كتابة الأحاديث كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه والصحابة عندما لحِق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى احتاجُوا في بعض الأحيان إلى أحكام فقهيّة لم يجدوها في كتاب الله تعالى، فكان يسأل بعضهم بعضًا هل سمع في هذه الحادثة شيئًا وقبل أن يلحَق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى قال هذا الحديث “مَنْ كَذَبَ على متعمِّدًا فليتبوّأ مِقعدَه من النّار” رواه البخاري ومسلم، وهذا هو الأصل في تحقيق السنة، فكان الصحابة يتحرّجون كثيرًا من رواية السنة، وكان لبعض الخلفاء مواقف شديدة ضدّ الذين يُكثرون من روايتها وموقف عمر رضي الله عنه معروف من أبي هريرة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري.

استأذَن أبو موسى على عمر ثلاثَ مرّات فلم يُؤذَن له فولَّى، فناداه عمر وقال:”لم ولَّيْتَ” ؟ فذكر له أنه سمع حديثًا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُفيد هذا المعنى “إذا استأذَن أحدُكم ثلاثَ مرات فلم يُؤذَن له فليرجِع” رواه البخاري ومسلم فقال: والله لا أتركُك حتّى تأتى لي بمَن يشهد معك أنك سمِعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتركْه حتى جاء بمَن شهدوا معه أن هذا القَول منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسيّدنا أبو بك رضي الله عنه كما قرأت في كتاب تاريخ التشريع للشيخ محمد الخضري، جمع الصّحابة أو نادَى في الصحابة وحذّرهم من أن يُحدِّثوا عن النبيِّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ أحاديثَ يختلِفون فيها، فالناس بعدهم أشد اختلافًا.

وإن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما أرسل بعض الصحابة إلى الأمصار قال لهم: “إنكم ستأتون قومًا عكفوا على كتاب ولهم بقراءته دوِيٌّ كدويِّ النّحل، لا تشغلوهم بالحديث عن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم”.

مرّت الأيام والصحابة والتابِعون يعرِفون أنهم في حاجة إلى معرفة بعض الأحكام المأثورة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نعلم أن السُّنّة قد جاءت بأمور ليست مذكورة في القرآن الكريم، كتحريم الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتِها، وتحريم لحوم الحُمُر الأهليّة وغير ذلك، والله سبحانه وتعالى قد أعطى التفويض للرسول عليه الصلاة والسّلام في أن يبين للنّاس ما نُزِّل إليهم وهذا التفويض مذكور في عدّة آيّات منها قوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرّسولُ فخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا) (سورة الحشر : 7)

وقوله: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (سورة التغابن :12)

وقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرّسولَ فقد أطَاعَ اللهَ) (سورة النساء : 80)

اشتدّت الحاجة إلى معرفة ما أُثِرَ عن الرسول عليه الصّلاة والسلام كلما تقدّم الزّمن ففكر بعض الوُلاة أو بعض الأمراء في جمع ما يُمكن من هذه الأحاديث، وكان ذلك في أيّام عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه.

وظهر في هذا المجال ابن شهاب الزّهري وجمع ما استطاع أن يجمع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من المأثور عنه، وظهر بعد ذلك الإمام مالك ودوَّن في موطئه ما استطاع من الأحاديث وأقوال الصحابة، ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل وعُنِيَ عِنايةً كبيرة بجمع الأحاديث والبحث في فقهها، ثم انتهى الأمر إلى البخاريّ ومسلم في تصيُّد الأحاديث الصحيحة وتدوينها.

وقد دَوَّنا في صحيحيهما ما كان في أعلى درجات الصِّحّة بحسب المَقاييس التي وضعت لقَبول الحديث، والذي عمل على ذلك أنهم رأوا أن أحاديثَ كثيرةً وُضِعَت على النبي صلى الله عليه وسلم لأغراض سياسيّة، أو لأغراض مذهبيّة وبعضها وُضِعَ كما يقول المؤرِّخون لأغراض شرعيّة بحُسن نِيّة كأحاديث الترغيب في فضائل الأعمال أو في سور القرآن الكريم.

ولما كَثُرت هذه الأحاديث، كان جهد البخاري ومسلم وأمثالهما لتنقية أو لاصْطفاء ما تَطمئن إليه قلوبُهم من هذه الأحاديث الكثيرة، ومن الظواهر الخَطيرة في التلبيس على الناس لِيعتقِدوا أن ما يروُونه هو منسوب إلى النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ أنهم كانوا يأتون ببعض الأسانيد الموثوق بها، ثم يضعون لها حديثًا من عند أنفسهم، وفي هذا الجو وُضع أو نُظِمَ فنّ مصطلح الحديث، الذي عُني بنقد أحوال الرواة، وظهرت كتب الجرح والتعديل بهذه الموازين الدقيقة ذات المراتب التي يعجب الإنسان لها، وما كانوا يحكمون على راوٍ من الرواة بأنه صادق، أو حجّة، أو لا بأس به، أو يؤخذ منه ويترك إلا بعد ممارَسة ومعايشة ودقّة في معرفة أحوال هؤلاء الناس.

وقد سمعنا أن الإمام البخاري كان لا يَطمئن لحديث سمِعه من أحد إلا إذا عامله أو سأل عنه مَن يثِق به، وربما سافر مسافات طويلة حتى يُعايَش هذا الإنسان ، وكان لا يكتب حديثًا كما سمعنا في سيرته إلا إذا استخار الله سبحانه وتعالى وصلي ركعتين حتّى يَطمئن قلبه إلى ما يكتبه، واصطفى ذلك من أحاديث كثيرة صحيحة، ولكنه اختار أصحّ ما يمكن في نظره.

عند هذا القرن الرابع الهجري وبعده أيضًا وُجِدَت كتب أخرى تجمع الأحاديث، بعد هذه الكتب المشهورة المعروفة صحيح البخاري، ومسلم والموطأ ومسند أحمد، والسنن الأربعة وصحيح ابن حبّان، وابن خُزيمة وغيره، بعد هذه الكتب أصبح الناس عالة عليها في رواية حديث النبي صلّى الله عليه وسلم.

وهناك نقطة مهمة جدا هي: ماذا نعمل في بعض الأحاديث التي يكون ظاهرها متناقِضًا إما مع القرآن الكريم، وإما مع بعض المرويات من السُّنَنِ وإما مع مُقَرّرات العقل والدين؟ هذه نقطة خطيرة هي التي نحتاج إليها في هذه الأيام، أما السَّند فقد انتهينا منه والكتب موجودة، هذه النقطة مهمة جِدًّا وهي البحث في متن الحديث؛ لأن المتن أحيانا كان يُرَكّب على سند موثوق به، والله أعلم بصحة هذا المتن ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قام ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث وبحث في بعض هذه الأحاديث التي فيها خِلاف أو تناقض مع أحاديث أخرى، وقام بجهد مشكور في هذا المجال، لكنّنا محتاجون في هذه الأيام بالذات إلى مقابلة ما يأتي في بعض الأحاديث مناقِضًا لبعض الأحاديث الأخرى، وما يأتي من الأحاديث في ظاهره أنّه مناقِض لما وُجد في الكتاب والسُّنّة، وفي ظاهر بعضها أنه مناقض للعلم؛ لأن هناك حَمَلاتٍ شَرِسةً كبيرةً جِدًّا على السُّنّة، حَمْلة أتت من جهة السَّنَد من الذين يشكِّكون في الرجال بل يشكِّكون في الصحابة أيضًا، وكم أثاروا من خِلافات وكتبوا كتبًا قد تَنْزَع الثِّقة من هؤلاء الأبطال الذين نقلوا إلينا الأحاديث والذين نقلوا إلينا القرآن الكريم، وهي خُطْوة في الشك أيضًا في الطُّرق الذي حمل إلينا القرآن الكريم.

من دلالة قوله تعالى:{يَتَخَٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (*) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه:١٠٣-١٠٤]

استهل ابن عاشور رحمه الله تفسيره لهاتين الآيتين ببيان معنى التخافت: “الكلام الخفي من خوف ونحوه”، وبين أن “تخافتهم [أي المجرمين] لأجل ما يملأ صدورهم من هول ذلك اليوم”، وهو الموصوف في الآية السابقة: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا}.

ثم بين أن جملة (إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا)‫ “‬مبينة لجملة (يَتَخَٰفَتُونَ)، وهم قد علموا أنهم كانوا أمواتاً ورفاتاً فأحياهم الله، فاستيقنوا ضلالهم؛ إذ كانوا ينكرون الحشر. ولعلهم أرادوا الاعتذار لخطئهم في إنكار الإحياء بعد انقراض أجزاء البدن مبالغة في المكابرة، فزعموا أنهم ما لبثوا في القبور إلا عشر ليال، فلم يصيروا رفاتاً، وذلك لما بقي في نفوسهم من استحالة الإحياء بعد تفرق الأوصال، فزعموا أن إحياءهم ما كان إلا برد الأرواح إلى الأجساد، فالمراد باللبث: المكث في القبور، كقوله تعالى {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (*) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} في سورة المؤمنين، وقوله:‫ ‬{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} في سورة الروم”.

وبين أن (إذ) في {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} “ظرف، أي يتخافتون في وقت يقول فيه أمثلهم طريقة”. وأما معنى (الأمثل) فالأرجح عنده “الأفضل… أي صاحب الطريقة المثلى؛ لأن النسبة في الحقيقة للتمييز” .
و”الطريقة: الحالة والسنة والرأي. والمراد هنا الرأي…”.

ثم علق على توجيه المفسرين لوصف قائل هذا القول بأنه أمثلهم طريقة، فقال: “ولم يأت المفسرون في معنى وصف القائل: (‫إن لبثتم إلا يوما) ‬بأنه أمثل طريقة بوجه تطمئن له النفس”.

والذي يراه ابن عاشور في هذا الوصف: “أنه يحتمل الحقيقة والمجاز؛ فإن سلكنا به مسلك الحمل على الحقيقة كان المعنى أنه أقربهم إلى اختلاق الاعتذار عن خطئهم في إنكارهم البعث بأنهم ظنوا البعث واقعاً بعد طول المكث في الأرض طولاً تتلاشى فيه أجزاء الأجسام، فلما وجدوا أجسادهم كاملة مثل ما كانوا في الدنيا قال بعضهم: (‫إن لبثتم إلا عشراً)‬. فكان ذلك القول عذراً؛ لأن عشر الليالي تتغير في مثلها الأجسام. فكان الذي قال (‫إن لبثتم إلا‬
‫يوما) ‬أقرب إلى رواج الاعتذار. فالمراد: أنه الأمثل من بينهم في المعاذير، وليس المراد أنه مصيب.

وإن سلكنا به مسلك المجاز فهو تهكم بالقائل في سوء تقديره من لبثهم في القبور، فلما كان كلا التقديرين متوغلاً في الغلط، مؤذناً بجهل المقدرين واستبهام الأمر عليهم، دالاً على الجهل بعظيم قدرة الله تعالى الذي قضى الأزمان الطويلة والأمم العظيمة وأعادهم بعد القرون الغابرة – فكان الذي قدر زمن المكث في القبور بأقل قدر أوغل في الغلط، فعبر عنه بـ “أمثلهم طريقة” تهكماً به وبهم معاً، إذ استوى الجميع في الخطأ”.

وعن جملة ‫(‬نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ)‫ قال: “‬معترضة بين فعل (يتخافتون) وظرفية (‫إذ يقول أمثلهم)‬، أي إنهم يقولون ذلك سراً، ونحن أعلم به، وإننا نخبر عن قولهم يومئذ خبر العليم الصادق”.

عن التاريخ والمواقف المتعددة منه

إذا كان الزمن ينقسم إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، فإن الماضي- أي التاريخ- ليس زمنًا انتهى بلا رجعة ولا أثر، وليس شيئًا هينًا حتى نهمله؛ وإنما هو كائنٌ فينا، يؤثر في حاضر ومستقبلنا، ويشكّل وعينا ومواقفنا، ولا يمكن أن نفصل عنه أو نتجاوزه..

الزمن الماضي أو التاريخ المنصرم هو البئر التي نمتح منها أفكارًا وتصورات، والأساس الذي نقيم عليه بناءً وبنيانًا، والبوصلة التي تحدد لنا أيّ الطرق نسلك، وأي الأهداف نوليها الاهتمام..

وإذا تحركنا بعيدًا عن ماضينا/ تاريخنا، فإن نقصًا لا بد أن يلحق بهذه الحركة، وزادًا ثمينًا لا بد أن يفوتنا.. فإن دعوة القرآن الكريم للسير في الأرض وأَخْذِ العبرة، لم تكن من فراغ؛ بل لأن هذا السير وذلك الاعتبار إنما يؤسِّسان لحركة راشدة، ولخطوات ثابتة، ولوعي نافذ: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 137، 138).

التاريخ وفائدته

وعلم التاريخ- كما جاء في “كشف الظنون”- هو معرفة أحوال الطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم، ووفياتهم، إلى غير ذلك. وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية من: الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والحكماء، والملوك، والشعراء، وغيرهم. وأما الغرض منه فهو: الوقوف على الأحوال الماضية. وفائدته: العبرة بتلك الأحوال، والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب، بالوقوف على تقلبات الزمن؛ ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار، ويستجلب نظائرها من المنافع”([1]).

وهذه الفائدة هي “مربط الفرس” في علاقتنا بالتاريخ؛ فليست دراستنا إياه ترفًا فكريًّا، ولا رغبة في التزود من المعرفة النظرية فحسب؛ وإنما يجب أن نتغيّا منه الفائدة العملية، تلك التي تتمثل في “احتراز المضار، واستجلاب المنافع”.

وقد بيّن ابن خلدون أهمية التاريخ، فقال: فنّ التأريخ فنٌّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا [أي يُطلعنا] على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا؛ فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ وينكّبان به عن المزلات والمغالط”([2]).

ويلفت ابن خلدون النظر إلى أن التاريخ له ظاهر وباطن؛ الأول يتعلق بمجرد سرد أحداثه ووقائعه، والثاني يغوص في سننه ومقاصده ودوافعه؛ فيقول: “فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسّوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق”([3]).

المواقف المتعددة من التاريخ

إذا كان هذا هو علم التاريخ وفائدته والغرض منه، فإن الناس علماءَ وجهالاً يتساوون في معرفة ظاهره، ويختلفون في الموقف من باطنه؛ أي من سننه ومقاصده ودوافعه، ومن استيعابه وتقديره.

ويمكن أن نلاحظ أن هذه المواقف تجاه التاريخ تتعدد بين: نسيان التاريخ، أو استحضاره لدرجة الجمود عليه.. وبين ازدراء التاريخ والنعي عليه، أو تقديسه.. وبين نقد التاريخ نقدًا علميًّا صحيحًا، أو تزويره واختلاق أحداث منسوبة إليه.. وبين إهمال التاريخ، أو استيعابه.. وأصحابُ الموقف الأخير- الاستيعاب- قليلٌ ما هم!

وسنحاول في السطور القادمة أن نشير بإيجاز لهذه المواقف وموقعها من الصواب أو الخطأ..

نسيان التاريخ: ونقصد به محو التاريخ من الذاكرة، والبدء من نقطة الصفر كأننا نبدأ سير البشرية من جديد! وللأسف، يكون هذا سلوك الأمم في حال تراجعها، فتغفل عن ماضيها الذي هو لا شك قادر على أن يمدها بعوامل النهوض، وبأشعة النور! وكم تكون عاقبة هذا النسيان وخيمة على الحاضر والمستقبل معًا؛ فأمة تتحرك كأنها بلا تاريخ، لن تفلح في خطواتها.

الجمود على التاريخ: هناك من يجمد على التاريخ ولا يريد أن يغادره؛ فيقف عند أحداثه كأنها المبدأ والمنتهى، والوسيلة والغاية! مع أن التاريخ- تاريخ أي أمة- فيه نجاحات وإخفاقات؛ وليس مطلوبًا أن نقف عندهما إلا بأخذ العبرة، وليس بالجمود عليهما.. ولهذا نرى أن اختلافًا كبيرًا- طائفيًّا ومذهبيًّا- يجري في عالَم الإسلام بسبب الجمود على التاريخ، والوقوف عند أحداث بعينها كانت سببًا في الانقسام والفرقة؛ وكأنّ المراد أن نظل مشدودين إلى الوراء، غير ملتفتين كما ينبغي إلى الأمام، وإلى التحديات التي تهدد الجميع!

ازدراء التاريخ: البعض يزدري التاريخ، ويتعامل معه كأنه زمن مضى وانتهى؛ غير مدرك أن سُننه تتكرر، ومضامينه تتشابه، ليس تشابه الأسماء والأشخاص، وإنما تشابه العبر والغايات.. فنرى من يظلم ويستبد؛ لأنه يزدري عبرة التاريخ، ويعتقد أن بإمكانه أن يتجاوز ما وقع للظالمين من قبله. ولو أنصف نفسَه لعلم أنه ليس بدعًا من الخلق، ولا استثناء من التاريخ، وإن طال زمنه، واشتدت وطأته. كما أن العلمانيين يزدرون التاريخ الإسلامي، ويريدون أن يهيلوا عليه التراب، ويصورونه باعتباره تاريخ ظلم وقتل وظلام!

تقديس التاريخ: وهذا خطأ يقع فيه بعض المتدينين، أصحاب العاطفة تجاه تاريخنا الأول، وهو بالفعل تاريخ نفخر به.. لكنم يخلطون بين الاعتزاز بالتاريخ، وتقديسه! فبينما الموقف الأول مطلوب ومهم، فإن الثاني لا يجوز؛ لأن التاريخ هو حركة بشرية قابلة للصواب والخطأ.. ثم إن هناك فرقًا بين التاريخ النبوي وما تلاه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوحَى إليه- مع أن حركته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين خضعت للأسباب وللعوامل البشرية- أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فليس معصومًا.. فضلاً عن أن ثمة فرقًا كبيرًا بين تاريخ الخلفاء الراشدين ومن تلاهم! ولهذا، لا يجوز تقديس “التاريخ” كمصدر للمعرفة والتوجيه؛ لأن مصادرنا في التلقي هي “القرآن والسنة”، وأما غيرهما فيؤخذ منه ويرَد عليه.

نقد التاريخ نقدًا علميًّا صحيحًا: هذا موقف صحيح مطلوب.. وينبغي أن يقوم على نقد السند والمتن معًا، كما هو حال العلماء مع علم الحديث، وبحسب ما فصَّله ابن خلدون بقوله: “الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرد النقل، ولم تُحَكَّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قِيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب؛ فربما لم يُؤمَن فيها من العثور ومزلّة القَدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًّا أو سمينًا؛ ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط”([4]).

تزوير التاريخ: وذلك باختلاق أحداث منسوبة إليه، أو حذف وقائع ثابتة فيه؛ وهذا يكون لهوى في نفس من يقوم به. وما أكثر ما يلجأ لذلك المستشرقون وأصحاب القراءات المنحرفة المتعسفة؛ بهدف إبراز حركات ضالة في التاريخ، أو التأصيل لأوضاع معوجة في الحاضر.. كما يقوم بذلك من يتولون زمام الأمر بعد من يختلفون معهم؛ حتى يهوّنوا من إنجازات من سبقوهم، أو ينسبوا إليهم ما لا يليق..

إهمال التاريخ: هناك من لا يلتفت للتاريخ، ويهمل دروسه وعبره؛ بينما هو- أي التاريخ- حيّ مستمر ينبض بالحيوية، وإن تحوَّل إلى شيء يسمَّى “الحاضر”، ثم يتطور هذا الحاضر إلى شيء آخر يسمى “المستقبل”! ومن معاني الإهمال أيضًا: التعامل مع التاريخ كأنه أمر متحفي: مطلوب أن نتأمل فيه، ونعجب بأسراره، ونندهش بإنجازاته؛ لكن لا نقدّرها حق قدرها، ولا نضعها موضع الفحص والدرس والتطبيق! ولا شك أن خطواتنا المتعثرة دالَّةٌ على إهمالنا للتاريخ، وعدم تعاملنا معه كما يبنغي!

استيعاب التاريخ: إن هذا هو الموقف الصحيح الذي ينبغي أن نكون عليه تجاه التاريخ؛ لأن هذا التاريخ فعل ممتد كالسهم المنطلق من القوس إلى الهدف؛ إنه لا يكفّ عن الحركة ولا يَثْبُت في نقطة، وهو- أي السهم- يتصل بنقطة انطلاقه ووصوله؛ فهما منسوبتان إليه، وهو مرتبط بهما.. وهكذا التاريخ!

والاستيعاب الحق للتاريخ يكون بمعرفته أولاً معرفة صحيحة تنفي عنه الشوائب والزيف، وتحقِّق في أحداثه سندًا ومتنًا([5])؛ ثم بالغوص في دوافعه ومحركاته وقوانينه؛ ثم بالإفادة منه في خطواتنا الحاضرة وتطلعاتنا المستقبَلة.. مع إدراك أن التاريخ لا يتكرر بتطابق، وإنما بتشابه؛ وأننا لا يجوز أن نكون أسرى له، كما لا ينبغي أن نقفز عليه أو نهمله أو نزدريه..

التاريخ فعل بشري وإن استمد حركته من قيم السماء، ولا يجوز الخلط بين المصدر المقدس المعصوم- القرآن والسنة- وبين تجليات الحركة البشرية في التاريخ، القابلة للصواب والخطأ.

ولو أننا أحسنّا فَهْم تاريخنا واستوعبناه، ووضعناه موضع العبرة والدرس، وبالتالي موضع التطبيق والتنفيذ؛ لتجنبنا كثيرًا من الجدل الذي يراد له أن يعرقل خطواتنا؛ مثل الحديث عن نموذج النهضة والتطور.. ومثل التعامل مع الأفكار الوافدة.. ومثل قدرتنا على تجاوز المحن والأزمات.. إذ إن تاريخنا شاهد على كيفية التعامل الصحيح مع ذلك كله، دون أن نخاصم هويتنا، أو نجمد في حركتنا، أو نفقد الأمل في تحقيق الآمال المرجوة..

إن تاريخنا لهو نعم الزاد لحاضرنا ومستقبلنا..!!


([1]) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة، 1/ 271.
([2]) مقدمة ابن خلدون، 1/ 291.
([3]) المصدر نفسه، 1/ 282.
([4]) المصدر نفسه، 1/ 291.
([5]) راجع المزيد في: منهج البحث التاريخي، د. حسن عثمان. ومصطلح التاريخ، أسد رستم.

رحيل أبرز علماء الحديث الشيخ نور الدّين عتر

توفي صبيحة الثلاثاء 23 سبتمبر 2020، العلامة الفقيه والأديب وأحد أبرز علماء الحديث في هذا العصر- إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق- الشيخ نور الدين عتر الحسني، عن عمر يناهز “83 عاما”، وهو أستاذ الحديث الشريف وصاحب المصنفات الحديثية القيمة، والتحقيقات العلمية النافعة، والتي تتلمذ عليها العديد من طلاب الحديث في العالم.

تجاوزت مؤلفات الشيخ العتر الخمسين ما بين تحقيق وتأليف، أبرزها كتاب “منهج النقد في علوم الحديث” الذي اعتبر مرحلة تاريخية جديدة في علم المصطلح بعد مرحلة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني. فمن هو هذا العلامة الجليل الذي فقدته الأمة الإسلامية؟

من هو الشيخ نور الدين عتر؟

هو الإمام العلامة المفسر، المحدث الحافظ الفقيه، الأستاذ الدكتور نور الدين عتر الحسني، الحنفي مذهباً، الحلبي مولداً، نزيل دمشق، ذو السبق في علوم الحديث النبوي الشريف روايةً ودرايةً في مجالات التدريس والتحقيق والتأليف. سليل أسرة علمية عريقة في التقى والصلاح، راسخة في علوم الشريعة والحقيقة.

ولد الأستاذ الدكتور نور الدين عتر في حلب الشهباء عام 1356هـ، الموافق 1937، وكان والده (الحاج محمد عتر) من خواص تلاميذ العلامة الجليل الإمام الشيخ العارف بالله: محمد نجيب سراج الدين رحمه الله ورضي عنه، وكان الحاج محمد رحمه الله عالماً عاملاً مربياً مرشداً، وقد نذر مولوده لخدمة دين الله تعالى، وهيّأ له الأسباب، فأتم الله تعالى ذلك بلطفه وجوده.

درس في الثانوية الشرعية (الخسروية) وتميز بالتفوق والسبق في العلم والعمل من وقتها، حصل على الشَّهادة الثَّانوية الشَّرعية عام 1954م حائزاً الرتبة الأولى، ثم التحق مباشرة بجامعة الأزهر في مصر، حاز الليسانس عام 1958م، وكان الخريج الأوَّل على دفعته. وكان موضع نظر أساتذته الأجلاء من شيوخ الأزهر وعلمائه لما رأوه فيه من مخايل النجابة والجد والتقى، وقد قسم له المولى الإفادة من علماء عاملين ربانيين منهم: الشيخ مصطفى مجاهد، الشيخ محمد محمد السماحي، والشيخ عبد الوهاب البحيري، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمهم الله تعالى وأعلى مقامهم. إلا أن صاحب الأثر الأكبر في تكوينه العلمي والروحاني هو سراج الأمة في عقودها الأخيرة شيخ الإسلام العلامة الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني، الحافظ المفسر، والعارف المحقق، والدكتور نور الدين حفظه الله تعالى ابن أخته وصهره زوج ابنته.

في عام 1964م حاز على الشَّهادة “العالِمية” من درجة أستاذ (الدُّكتوراه)، من شعبة التَّفسير والحديث بتقدير ممتاز مع الشرف، حيث قدَّم أطروحته: “طريقة الترمذي في جامعه، والموازنة بينه وبين الصَّحيحين”، والتي تعدُّ نموذجاً فريداً من حيث المضمون والمنهج؛ وغدت طريقته في تبويبها نمطاً فريداً اعتمده كثير من الباحثين في مناهج المحدثين.

وبعد تحصيل الدكتوراه عاد لسوريا مباشرة، درّس في المرحلة الثانوية لفترة يسيرة، ثم عُيِّن مدرِّساً لمادة الحديث النَّبويِّ في الجامعة الإسلامية منذ عام 1965م، إلى عام 1967م، في المدينة المنوَّرة، على ساكنها أفضل الصَّلاة وأتمُّ السَّلام.

وفي عام 1967م عاد إلى دمشق ليعُيِّن مدرِّساً ثم أستاذاً في كلية الشَّريعة بجامعة دمشق فيها، ودرَّس مادتي الحديث والتفسير في كليات الآداب في جامعتي دمشق وحلب، كما درّس في العديد من الجامعات العربية والإسلامية لفترات وجيزة، إضافة إلى العديد من المساجد. ولا زال – بفضل الله عز وجل – يباشر عمله في التدريس الجامعي إلى يومنا هذا . وقد تخرج على يده آلاف المدرّسين، منهم نخبة متميزة من العلماء والأساتذة.

كما عمل خبيراً مختصاً لتقويم مناهج الدراسات الجامعية الأولى ومناهج مرحلة الدراسات العليا في جامعات متعدِّدة في العالم الإسلامي. وأشرف على عشرات الأطروحات الجامعية من دكتوراه وماجستير، وهو محكَّم لبحوث الترقية لمدرّسي الجامعات، وعرف بدقته الشديدة في تحكيمه.

مؤلفاته وإرثه العلمي والثقافي

صنف الشيخ نور الدين عتر ما يزيد على 50 كتابًا، بين تأليف وتحقيق، وتنقسم كتبه إلى عدّة مجالات منها ما هو في القرآن وتفسيره وعلومه، ومؤلفات في الحديث وعلومه، بالإضافة إلى كتب فقهية، كما كتب في الأمور الاجتماعية والثقافية.

أبرز كتبه (منهج النقد في علوم الحديث) الذي اعتبر مرحلة تاريخية جديدة في علم المصطلح بعد مرحلة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني.

وكتابه (إعلام الأنام) الذي يعد تحفة فريدة في الحديث التحليلي، أبدع في بيان كيفية استنباط فقهاء الأمة الأحكام المختلفة من النص الواحد. وكتبه عموماً تتسم بالابتكار في التبويب، وتكثيف المعلومات مع وضوحها للمتخصص في آن، وهذا قل ما يجتمع، وأكثر مؤلفاته معتمدة كمقررات جامعية في العديد الجامعات، كجامعة دمشق والأزهر وغيرها.

أما مؤلفاته في القرآن وعلومه فأبرزها كتاب “علوم القرآن” الذي يتحدث به في فصول متعددة عن تعاريف القرآن والوحي، كما يُبين بهذا الكتاب حقوق القرآن على الإنسان والمسؤولية الملقاة على المسلمين تجاه كتاب ربهم، وبالإضافة إلى هذا المؤلف خطّ الشيخ عتر كتابًا بعنوان “القرآن الكريم والدراسات الأدبية”، يتحدث به عن الصورة الأدبية في كلام الله وهذا الكتاب من مقررات كلية الشريعة في جامعة دمشق.

ويبرز كتاب “منهج النقد في علوم الحديث” كأشهر كتب الشيخ نور الدين، وهو عبارة عن مؤلف في مصطلح الحديث، ويقدم فيه ترتيبًا جديدًا للتمييز بين العلوم المتعلقة بالمتن والسند، وهو ما يصوغ به الشيخ علم الحديث على شكل نظرية متكاملة بعد أن كان هذا العلم يُدرس على أبواب متفرقة.

فقهيًا، يوجد لنور الدين عتر عدّة مؤلفات أشهرها “المعاملات المصرفية والربوية وعلاجها في الإسلام” و”أبغض الحلال”، كما أفرد كتبًا ثلاث عن الحج، وكتابًا عن “هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخاصة”.

تحدث الشيخ في أحد كتبه وهو “ماذا عن المرأة”، عن المرأة في الإسلام وأحكامها في الشريعة، ردًا على الشبهات التي تُثار تجاه هذه الأحكام، كما تكلم عن المرأة وتربيتها وتعليمها عند غير المسلمين، وأضاف بحوثًا عن الزواج وأسسه في الدين، كما وضع كتابه بعنوان فكر المسلم وتحديات الألف الثالثة وهو عبارة عن 5 أقسام.

للشيخ منهجٌ خاصٌ بالتأليف اعتمد فيه على عدة أمور خلال سنوات إنتاجه العلمي، فقد أولى نور الدين التقسيم والترتيب والتبويب أهمية كبيرة، وذلك لأن هذا الطريق لها أثر في سهولة الفهم وحسن الاستيعاب، كما اعتمد الشيخ على نقل من سبقه من العلماء بطريقة نقدية ممحصة معتمدًا على النقل من المصادر الأصيلة، ويُضاف لمميزات العتر أنه يعرف بالمصطلحات التي ترد في مؤلفاته، كما أنه يستشهد بالأمثلة التي تُبين الحكم للقارئ وتوضحه، وله أسلوب لغوي تميّز بالوضوح والبساطة مبتعدًا عن الغموض والإبهام.

أخلاقه وتعامله مع تلامذته

عدا عن تفوقه العلمي والأكاديمي، عُرف الشيخ عتر بين معارفه ومريديه بأخلاقه الطيبة، فكان متواضعًا شديد الزهد وهو ما لم يجعله قريبًا من أضواء الشهرة رغم مؤلفاته الكبيرة التي تعتبر مصادر في العلم الشرعي والمنهج البحثي في الحديث. وبهذا الصدد يذكر الكاتب والباحث محمد خير موسى خلال حديثه عن الدكتور عتر “بينما كنّا في السّنة الأولى في كليّة الشّريعة كنّا نرقب الأساتذة الكبار وهم يسيرون في ممرّات الكليّة مسرعين لا يلتفتون يمنةً ولا يسرة ويتناثر حولهم الطلّاب يحثّون الخطى لينال أحدهم إجابةً عن سؤال سريعٍ أو يلتقط إجابةً عجلى من فم الأستاذ المستعجل”.

هو لطلابه أب شفوق ومعلم صارم ومربٍ مصلح، أثر في حياتهم العلمية والدعوية، وكانت له الأيادي البيضاء في افتتاح الكثير من المعاهد والمدارس الشرعية، ومساعدة عدد من طلاب العلم مادياً في الخفاء.

الشيخ العلامة مع كونه من أكبر علماء الحديث الشريف في وقتنا هذا إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق، يتميز بالناحية الروحية الواضحة، فتزكية النفس غايته، وإدراك رضا الله ورسوله هدفه، زاهدٌ في المناصب والدنيا، متواضعٌ، سمحٌ، رحيمٌ، نقي الصدر نقاء الثلج، خاشعٌ، رقيق القلب بكاءٌ، وإن من يحضر مجالسه من ذوي الألباب يجزم أن الشيخ يحيا في عالم من أحبهم قلبه وتعلق بهم من السيد الأكرم صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه، ولذلك فإنه رغم ضخامة إنجازاته يختار الخفاء دائماً، والبعد عن الأضواء ما أمكنه، بل لا نبالغ إن قلنا إن منهجه هضم النفس والتواضع، مع عطية ربانية من الوقار والهيبة، يؤتيها الله تعالى أهل الصدق والاستقامة.

نساء بوبال..تجربة إسلامية خاصة

تتعرض التجربة التاريخية الإسلامية لانتقادات واسعة فيما يتعلق بالمرأة، تذهب تلك المزاعم أن الإسلام حجب المرأة، وقمعها، وفرض عليها القيود، وعطل حركتها، وفي مقابل ذلك هناك عدم إلمام من كثير من الباحثين بالتجارب التاريخية الإسلامية في العالم، إذ مازالت هناك مناطق جغرافية، وفترات تاريخية، مجهولة معرفيا، وغيابها يُسهل انتشار تلك الاتهامات الباطلة حول علاقة الإسلام بالمرأة.

ومن تلك الممالك الإسلامية التي لم تحظ بمعرفة كافية، “بوبال” أو بهوبال” Bhopal، الواقعة في قلب الهند، والتي أسسها الأفغاني دوست محمد خان” (المتوفى: 1728م)، عام 1723م، والتي اقتربت مساحتها من (18) ألف كيلو متر مربع، ثم أصبحت إمارة عام 1727م.

تشهد “بوبال” بعد تسعة عقود من تأسيسها، تطورا يستمر (107) عاما، من العام 1819 حتى العام 1926م، فقد  حكمتها  أربع سيدات توارثن الحكم، ونهضن به، واستطعن الحفاظ على هيبة السلطة وقوتها، وقمن بإدخال تحديثات إلى الإمارة، وارتقين بالتعليم والثقافة والطباعة، ومنهن من أدت فريضة الحج وكتبت عنها، وأسست إحداهن  أول مسجد في بريطانيا، فقد كان قرنا للنساء بامتياز في “بوبال”، لذا اهتم حفيدهن “شهريار محمد خان” Shaharyar M. Khan  الذي تولى منصب وزير خارجية باكستان، بإصدار كتاب عنهن، هو ” بيجوم بوبال: تاريخ ولاية بوبال الأميرية” The Begums of Bhopal: A History of the Princely State of Bhopal، والبيجوم أو البيغوم، هو لقب انتتشر في تلك الفترة ويعني السلطانة أو الأميرة.

البداية مع قدسية

ولدت “قدسية بيجوم”[1] Qudsia Begum عام 1801م، وكان والدها  “غوث محمد خان”، وتزوجت من حاكم “بوبال” “نزار محمد خان” عام 1817م، وأنجبت منه ابنتهما “سيكاندر”، ولم يمض عامان حتى قتل زوجها عام 1819، ولم تبلغ “قدسية” من العمر ثمانية عشر عاما، فعانت الترمل، وأمسكت بزمام الحكم في “بوبال” كوصية على طفلتها الرضيعة، ورغم اعتراضات بعض العلماء والأعيان على تولي إمراة السلطة، إلا أنها أبدت من الشجاعة والحزم، ما جعلها تنهض بأعباء الحكم، رغم أنها لم تحصل إلا على قدر قليل جدا من التعليم، واستطاعت أن تصد بعض الغارات العسكرية من الامارات المجاورة التي سعت للاعتداء على “بوبال” وضمها إليها، واستمرت ترعى ابنتها وتؤهلها للحكم طيلة ثمانية عشر عاما، حتى العام 1837 عندما تنازلت لابنتها عن السلطة، كما أنها قامت ببناء مسجد بوبال الشهير في عام 1837، وتوفيت عام 1881م.

سيكاندر..المرأة الحديدية

تولت “سيكاندر” Sikandar عرش “بوبال” عام 1837م، وهي في العشرين من عمرها، وكانت فتاة قوية البنية، جسورة، لا يعرف قلبها الخوف، تركب الخيل، وتخرج في رحلات لصيد النمور، وتجيد اطلاق السهام والرصاص، تولت الحكم مرتين، الأولى من عام 1837م حتى 1844م، ثم عادت بعد فترة من العزل لتتولى السلطة مرة ثانية، بموافقة البريطانيين عام 1860 حتى فاتها عام 1868م.

وقد عُينت “سيكاندر” وصية على ابنتها شاهجيهان” والتي كانت تبلغ من العمر ست سنوات عام 1844م، وساندت البريطانيين في ثورة الهند عام 1857، والمعروفة بـ”تمرد ميروت” Meerut rebellion ، والتي كانت من ثورات الهند الكبرى، بعدما ثار الهنود على احتكار شركة الهند الشرقية البريطانية، وحالت دون مشاركة إماراتها في ذلك التمرد، فردها الانجليز إلى العرش، واستمرت فيه ثماني سنوات، بددت فكرة أن تكون المرأة ضحية أو مضطهدة، فعندما ثار ضدها زوجها جهانجير محمد خان Jahangir وحاول اغتيالها، عام 1835م، تعلمت إطلاق الرصاص لتخيفه، ثم رمت به في السجن، كان قوتها طاغية وشخصيتها قوية، منحها الانجليز في عام 1861  وسام نجمة الهند Knight Grand Commander

وقد أدت “سيكاندر” فريضة الحج عام 1863، في ألف شخص من حاشيتها، ودونت رحلاتها للحج باللغة الاردية، ثم نُشرت ترجمة لها عام 1870م[2]،  ودونت ملاحظاتها على طبيعة الخدمات المقدمة للحجيج في ذلك الوقت، والتي كانت تعاني من إهمال، حتى أنها قامت بتنظيف الحرم المكي بنفسها.

كانت ذات شكيمة في الحكم، قسمت ولايتها إدرايا، لضبط الإيرادات، وعملت على تأسيس دولة عصرية، فأنشئت بعض المؤسسات الحديثة كالجمارك، وطورت القضاء، والخدمات البريدية، وأسست مدرسة “فيكتوريا” لتعليم البنات the Victoria School for girls، وتوفيت وعمرها (51) عاما.

شاهجيهان..أول مسجد في بريطانيا

شاهجيهان Shah Jahan: ولدت عام 1838م، وحصلت على قدر عال من التعليم، تولت الحكم عام 1844، وهي في السادسة من عمرها، وعينت أمها وصية عليها، ثم تركته عام 1860 مع عودة أمها “سيكاندرا” للحكم مدة ثماني سنوات، ثم عادت مرة أخرى للحكم عام 1868.

حكمت “شاهجيهان” ثلاث سنوات، قبل أن تتزوج من الفقيه والأديب والوزير “محمد صديق خان القنوجي”، في مايو 1871م، واستمر زواجهما قرابة العشرين عاما، وكان عالما موسوعيا، وساعدته في نشر كتبه؛ بعدما أنشأت مطبعة حديثة في بوبال، تولت نشر مؤلفاته، فعرفت الغالبية العظمى منها طريقها للنشر، والتي زادت على المائة كتاب، أشهرها “أبجد العلوم”، واعترافا بدورها ألف زوجها لها كتابا أسماه “تحفة شاهجيهان”، وكان يحظي باحترامها وتقديرها، إلا أن الاستعمار البريطاني نقم عليه، واتهمه بأنه يدعم المقاومة ضد البريطانيين من خلال كتبه ورسائله، وضغط البريطانيون على “شاهجيهان” لتنفصل عنه، فوقع الطلاق بينهما، لكنها حافظت على إكرامه وتقديره.

تمكنت “شاهجيهان” من إصلاح إدارة الدولة، ونظام الضرائب والجيش والشرطة والقضاء والسجون، وتمكنت من توسيع الرقعة الزراعية، وأنشأت شبكات الرّي والأشغال العامة على نطاق واسع، واختلفت شخصيتها عن والدتها، إذ مالت هي إلى الفنون والآداب، وحظيت شخصيتها باهتمام بريطاني نظرا لثقافتها وتحضرها، وكانت زياراتها تحظى باهتمام من الدولة البريطانية وكذلك من المجتمع، بلغت فترة حكمها (49) عاما، وفي العام 1889 أنشأت أول مسجد في بريطانيا مولته من مالها الخاص، وسمي على اسمها، كما تبرعت بمال سخي لكلية محمد أنجلو الشرقية في عليكرة، وهي الكلية التي تحوّلت فيما بعد إلى جامعة عليكرة الإسلامية، كذلك ألفت كتابا عن تربية الأطفال، وتوفيت عام 1901، وعمرها (62) عاما، وتولت الحكم من بعدها ابنتها سلطان جيهان.

سلطان جيهان…نهاية الأسطورة

سلطان جيهان Sultan Jahan: ولدت عام 1858م، وتولت الحكم بعدما جاوزت الاربعين من عمرها عام 1901م بعد وفاة والدتها، وكان تجيد الانجليزية بطلاقة، امتلكت رؤية إصلاحية، فأنشأت الكثير من المؤسسات التعليمية، وفي العام 1918م فرضت التعليم الإلزامي المجاني، وحظى تعليم الإناث باهتمام كبير في عهدها، وأصبحت مستشارة لجامعة عليكرة، وحجت عام 1904م، وقامت باصلاح نظام السجون، وسعت لتعليم المساجين حرف يتكسبون منها بعد خروجهم من السجن، فغيرت مفهوم العقوبة، وحضرت مراسم تتويج  ملك بريطانيا “جورج الخامس” وهي ترتدي حجابها السابغ وتغطي وجهها، وفي عام 1914 ، أصبحت رئيسًا لجمعية السيدات المسلمات في عموم الهند، وفي العام 1926م، تنازلت عن السلطة لابنها “حميد خان”، وتوفيت في 12 مايو 1930،  لتنتهي بذلك أسطورة نساء بوبال.


[1] عرفت –أيضا-باسم “جوهر بيجوم” Gohar Begum، وهذه الشخصية تختلف عن شخصية تحمل نفس الاسم وهو “قدسية بيجوم” التي كانت زوجة الإمبراطور المغولي محمد شاه، وأم الإمبراطور أحمد شاه بهادور، وتوفيت هذه الشخصية عام 1765م، وكان لها هي الأخرى تأثير في الهند وسياستها.
[2] عنوان رحلتها للحج: “”حج الأميرة: نواب اسكندر بيجوم رحلة إلى مكة” “A Princess’s Pilgrimage: Nawab Sikandar Begum’s A Pilgrimage to Mecca

معيارية التجديد في الكتاب والسنة

تعد قضية التجديد من أكثر القضايا المتداولة في زماننا، فالكل ينادي بالتجديد، ويطالب به، وكل فريق يرى نفسه هو المعيار على مفهوم التجديد.

فما هو التجديد حسبما جاء في القرآن والسنة، وما هي أهم صوره؟ وكيف تتجلى دلالات التجديد من خلال الانضباط العلمي الذي يزيل كثيرا من اللبس ويقلل الاختلاف بين متنازعيه؟

التجديد في القرآن الكريم

لم يرد التجديد بلفظه في القرآن الكريم، وإن كان القرآن من مقاصده التجديد، وهو دائما متجدد، كما جاء في الحديث: “ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه..” ([1]). أي أنه لا يبلى، بل متجدد بشكل دائم، فإن كانت الثياب تبلى من كثرة الاستعمال، وتنتهي وظيفتها، فإن القرآن دائم يتجدد، فيجد العلماء فيه من المعاني مالم ينكشف في العصور السالفة.

ومن رسالة القرآن تجديد الوحدانية، وذلك أن الله – تعالى – أخذ العهد على الناس وهم في الأصلاب أن يؤمنوا به ويوحدوه، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)([2])، ولتجديد هذا العهد أرسل الله – تعالى – الرسل ليذكروا الناس بهذا العهد المأخوذ والوفاء به.

وقد جاء في الحديث القدسي هذا المعنى من خلق الناس على فطرة التوحيد، غير أن الشياطين بدلته في الناس كفرا وإلحادا؛ فعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم):  “يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم”([3]).

وهذا ما يؤيده أيضا حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال ( صلى الله عليه وسلم):  “كل مولود يولد على الفطرة” وفي رواية “على هذه الملة فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟”([4]).

ولهذا جاء في حديث عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك ( صلى الله عليه وسلم) فاشتد عليه ثم قال “ما بال أقوام يتناولون الذرية” فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال “إن خياركم أبناء المشركين. ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها” قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية([5]).

ولما كانت فطرة الناس على التوحيد، وتغيرت هذه الفطرة من خلال الشياطين أو من فعل بني البشر، ممن يغيرون ملتهم وملة أبنائهم، كان بعث الرسل من أجل تجديد الغاية الكبرى من الإرسال والكتاب، وهي إعادة التوحيد في قلوب وحياة الناس.

ولهذا أوضح الله – تعالى – هذه الغاية من بعث الرسل فقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) ([6]).

وقد جاء في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) “لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين”. وفي لفظ آخر “من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه”(([7].

وإن كان الإصلاح من معاني التجديد، فإن من أهم أهداف القرآن الكريم الإصلاح، كما قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)(([8]، وقال أيضا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)([9]).

ونلخص من هذا أن القرآن – وإن لم يتناول لفظ “التجديد”-، فإن مفهومه من أهم المحاور التي ركز عليها القرآن الكريم، سواء أكان تجديدا للتوحيد، أو تجديدا لرسالة الإصلاح في الأرض.

معنى التجديد في السنة

أما السنة فقد أوردت لفظ التجديد، ورسخت أيضا معانيه، فقد ورد اللفظ في حديث أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم):  “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”([10]).

والمقصود بتجديد الدين أي إحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من علوم الشريعة والتزكية والأخلاق ([11]).

كما بيَّن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) أن الإيمان يبلى في نفس الإنسان كما يبلى الثوب، وهو يحتاج إلى تجديد وإعادة الروح والنشاط فيه؛ فقال ( صلى الله عليه وسلم):  “إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله – تعالى – أن يجدد الإيمان في قلوبكم” ([12]).

كما جاء التجديد بمعنى الإعادة في قوله ( صلى الله عليه وسلم):  “لا تسبوا الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتى بملوك بعد ملوك”([13]).

 صور التجديد

ومن خلال النظر إلى تعريف التجديد في اللغة والاصطلاح والقرآن والسنة، يمكن أن نضع صورا للتجديد، هي:

الصورة الأولى:

إحياء ما اندرس من المفاهيم الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، والتصدي للبدع التي تظهر من حين لآخر، ورد الناس إلى جوهر الإسلام الصحيح([14]) .

فالتجديد ” لا يعني أبدا التخلص من القديم، أو محاولة هدمه، بل الاحتفاظ به، وترميم ما بلي منه، وإدخال التحسين عليه ([15])

الصورة الثانية:

التجديد بمعنى التنمية والتوسع، وإضافة أمور لها صلة وثيقة بالشيء المجدد، فتضيف إليه مابه يكتمل البنيان.

الصورة الثالثة:

التجديد بمعنى التمحيص والتحرير والترجيح فيما فيه تنازع بين العلماء، كل في فنه([16]).

فالتجديد يقتضي عدة أمور، هي:

  1. الاحتفاظ بجوهر البناء القديم، والإبقاء على طابعه وخصائصه، بل إبرازه العناية به.
  2. ترميم ما بلي منه، وتقوية ما ضعف من أركانه .
  3. إدخال تحسينات عليه لا تغير من صفته، ولا تبدل من طبيعته.

معالم التجديد:

تتلخص معالم التجديد فيما يلي:

أولا- تنظير الفقه الإسلامي:

بأن تصاغ أحكام الفقه الجزئية وفروعه المتفرقة،ومسائله المنثورة في أبوابها المختلفة من كتبه في صورة ” نظريات كلية عامة” تصبح هي الأصول الجامعة، التي تنبثق منها فروعها، وتتشعب جزئياتها المتعددة، وتطبيقاتها المتنوعة. وذلك على نحو ما هو معروف في  القوانين الأجنبية، في مثل: ( النظرية العامة للالتزامات)، و(نظرية الأهلية)، و(نظرية البطلان) وغيرها.

وهذا ” التنظير” أو ” التأصيل” شبيه- إلى حد ما- بما صنعه فقهاؤنا في العصور الماضية من وضع قواعد فقهية عامة، تندرج تحتها أحكام جزئية كثيرة، مثل قاعدة :” الأمور بمقاصدها” ” المشقة تجلب التيسير”، ” الضرر يزال” ” العادة محكمة” ” اليقين لا يزول بالشك”.

بيد أن الذي نريده في عصرنا أمر آخر يختلف عن ذلك في مضمونه ونتائجه، وإن كان كلا الأمرين جمعا للمتفرقات، وإدرجا للجزئيات تحت كلياته .

ثانيا- الدراسة المقارنة:

ويقصد بها دراسة الفقه دراسة علمية موضوعية مقارنة، تكشف عن مكنون جواهره، وعدالة مبادئه، ورسوخ قواعده، وتجلي ما فيه من روائع الاجتهاد والاستنباط والتوليد والتخريج.

وتنقسم الدراسة المقارنة إلى نوعين:

النوع الأول: الدراسة المقارنة بين المذاهب الفقهية ، وينبغي أن تعتمد هذه الدراسة على:

  • الوصل بين الفقه والحديث .
  • العناية بفقه  الصحابة والتابعين .
  • العودة إلى المراجع الأصلية .

النوع الثاني: الدراسة المقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية .

ثالثا- فتح باب الاجتهاد:

والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، يجب أن تراعي عدة أمور، أهمها:

أ – الاهتمام بالاجتهاد الجماعي من خلال المجامع والمؤسسات الفقهية .

ب – إعادة النظر إلى الفقه القديم في ضوء مقتضيات وظروف العصر .

ت ‌-    ألا يقتصر الاجتهاد على أحكام ” الرأي” أو ” النظر” التي لم يكن فيها نصوص شرعية، بل يدخل في دائرة الاجتهاد الأحكام التي بنيت على نصوص ظنية الثبوت والدلالة .

ث ‌-    أن تشمل دائرة الاجتهاد أصول الفقه، إكمالا لما قام به الشاطبي والشوكاني وغيرهما، ومن أهم تلك القضايا الأصولية التي تحتاج إلى إعادة النظر فيها بالاجتهاد: تمييز السنة التشريعية وغير التشريعية، والتشريعية المؤقتة من التشريعية المؤبدة، وتمييز تصرف الرسول بمقتضى الإمامة والرياسة للأمة، من تصرفه بمقتضى الفتوى والتبليغ عن الله.

ومن ذلك أيضا: مناقشة موضوع الإجماع- وبخاصة السكوتي منه-، ومدى حجيته، وإمكان العلم به، وكثرة دعاوى الإجماع، مع ثبوت المخالف، وتحقيق القول في الإجماع الذي ينبني على مراعاة مصلحة زمانية لم تعد معتبرة اليوم.

ومثل ذلك: القياس، والاستحسان، والاستصلاح، ومتى يؤخذ به، ومتى لا يؤخذ؟ وما ضوابط كل منها وحدود استعماله ([17]) .


([1]) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب: فضائل القرآن عن رسول الله، باب ما جاء في فضل القرآن،، والدارمي في سننه، كتاب: فضائل القرآن- باب:فضل من قرأ القرآن، ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، حديث رقم 2040،ج 1/741
([3]) رواه مسلم في صحيحه، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها – باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار
([2]) الأعراف: 172
([4]) رواه الشيخان
([5])– الآية في سورة الأعراف: 172، والحديث رواه أحمد في المسند، وأخرجه البيهقي 9130، ج9/130، وأخرجه الطبراني 1285 المجمع الكبير، ج1/258.
([6])– النساء: 165
([7])– رواه الشيخان
([8])– الأعراف: 56، وأيضا الآية:85 من نفس السورة.
([9])– هود: 117
([10])– سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة رقم (4270)
([11])– انظر فيض القدير ج 2/282، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، ج 11 / 260
([12])– رواه الطبراني.
([13])– رواه أحمد في المسند
([14])-التجديد في أصول الفقه.. دراسة وصفية نقدية، الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ص: – 3927، بتصرف.
([15])– الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، الدكتور يوسف القرضاوي، ص: 30، مكتبة وهب.
([16])-التجديد في أصول الفقه.. دراسة وصفية نقدية، الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ص: – 3927، مكتبة دار السلام بالقاهرة،
([17])– راجع: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، الدكتور يوسف القرضاوي، ص: 30- 43 .
لا يبعث الرسول إلا بلسان قومه

خلت السنة الإلهية في هداية البشر باصطفاء بعضهم للقيام بمهمات الإرشاد والتعليم والتزكية والارتقاء من ضلالات الجاهليات المتتابعة إلى استقامة الصراط المرسوم من الله رب العالمين.

والناظر في تاريخ الأنبياء والرسل يلحظ ذلك النجاح والنصر المبين للرسالات، فقد  نسي الخلق أو تجافى أكثرهم عن تعاليم الفلاسفة، وعكفوا بالذكر والتمجيد للرسل والأنبياء، لما في النفس من انجذاب للفطرة الأولى، فطرة التدين والتوحيد، والتعلّق بالخلود الذي بشّر به المرسلون.

ولأجل تيسير هذه المهمات الدالة على لطف الله بعباده، تعدّد الرسل، وتباينت شرائعهم، وتوزعهم في معمور الأرض: ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر، 24] والشواهد على ذلك تربو عن العدّ الحصر. فقد كانت البعثات مختلفة، وباللسان المتداول ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء،165]، ويتوارد مؤرخو الأديان على أن الكتب المقدسة كتبت بلغات مختلفة بعضها أصيل بلسانه كالعبرية، والآرامية، والعربية، وبعضها مترجم إلى لغات أخرى كالسريانية، واللاتينية.

إن المستفاد من الإرسال باللسان الخاص، وهو المتداول المعروف في نظمه وشعوره وإيحاءاته لدى المرسل إليهم، هو تقريب الدعوة للمُتلقين، من أجل سد منافذ النكوص، وإقامة الحجة، وإيضاح المحجة، فلا يبقى عذر لمعتذر، ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ [إبراهيم، 4]

وإذا كان الأمر معقولا في الرسالات السالفة الخاصة، فكيف يكون البيان في الرسالة الخاتمة التي بُعث بها محمد للأحمر والأسود، وما أثر ذلك على لسان القرآن الخاتم، وهو اللسان العربي المبين؟

إن العربية  قمينة بأداء البلاغ بالترجمة عنها لسائر اللغات بما فيها من خصائص بيانية عظيمة، وبما حوته من حقول دلالية كثيرة، وجذور متكثرة تتوالد منها آلاف الألفاظ الوافية بالبيان.

كما أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر دستورا خالدا للدعاة في تفّهم الواقع الديني والأدبي للأقوام المدعوة، ويكفي أن نستذكر النجاح الباهر للفتح الإسلامي في استيعاب شعوب وثقافات عديدة، في معجزة الدعوة التي فتح بها الصحابة ربع العالم القديم في ربع قرن من الزمان.

ولأجل ما سبق واقتفاء لمداليل تفهّم لسان المدعوين، فإنه يتوجب على الدعاة اليوم ما يأتي:

أ – المعرفة بالواقع الديني:

ففي السيرة نقرأ تلك الدعوة لتفهم لسان الآخرين وميراثهم لتسريع الدخول إلى القلوب والأفئدة، ففي حديث معاذ بن جبل المُرسل إلى اليمن جاءت وصية المصطفى له:” إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب [البخاري، 1458]

كما أن معرفة الرسول عليه الصلاة والسلام بالتاريخ الديني والفِرقي المعاصر له كان جليا بيّنا كما في حديث عدي بن حاتم الطائي الذي بيّن النبي انتمائه الفرقي لإحدى الطوائف المسيحية في حديث” ألم تكن ركوسيا”، وكمعرفته عليه السلام بالواقع الديني المضطرب في الإمبراطورية البيزنطية عندما خاطب هرقل:” فإن توليت فعليك إثم الأريسيين”[البخاري، 7].  وهو ما يحيل إلى وجوب فحص الفرق والطوائف والأديان والنحل في عالم اليوم فحصا دقيقا يسهل على الدعاة أمر النفاذ والامتداد.

ب- المعرفة بالواقع اللغوي والأدبي:

فالأدب مجلى الناس، وهو الصورة الصادقة لحياتهم وتعبيرهم ومعيشتهم، والنبي أفصح عربي، وكان عالما بلهجات العرب، فهو ابن مكة التي تفد إليها مختلف القبائل في الحج والعمرة، وقد كان عارفا بلهجات اليمن، وفي القرآن عديد القراءات المخرّجة على لهجات العرب، بل ورد في بعض الأحاديث معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بلغات أجنبية كالفارسية والحبشية [ البخاري، 2905].

لقد ضرب الأنبياء المثل السامق في التدوال الحجاجي والإقناع والمناظرة لكمالهم اللغوي وقدراتهم العقلية، والقرآن معجزة بيانية عالية مستوعبة يمكن أن  تُترجم لكل اللغات، وحديثه عليه الصلاة والسلام في السَنَن العالي في  الإيجاز والإعجاز والبيان. ولهذا يتوجب على الدعاة معرفة هذه اللغات والدخول من أبواب أدبها، وضرورة تقمّص لغة العصر والمحل والبلد والجنس، فلكل عصر مصطلحاته، وهو مما يرشدنا إلى استعمال اللغة العصرية وتجاوز الأساليب القديمة في السجع أو الوحشي أو المتروك، ومعالجة القضايا الآنية بلغة عصرية آسرة مقبولة مأنوسة، كما هو المتداول في الوسائل الإعلامية الناجحة والصحافة الراقية.

ج – معرفة العادات والأعراف:

وذلك بمراعاتها والتجاوب مع جميلها، والتمهّل مع سيئها، والتدرج في محو الدنس منها أمر مُراد لمقاصد الشارع الذي لا يضيق بعادات الناس ما لم تُخالف نصا قطعيا، ويظهر ذلك في عادات الأفراح والأقراح، والمطعوم والملبوس، فالنبي  عليه الصلاة والسلام لبس في مكة لباس قومه، وفي المدينة لبس الأزار، وفي تبوك لبس جبة شامية أو رومية، وأكل من جبنهم، ولم يترّب على أكل الضب، ولم يستنكف الصحابة عن أكل حلال الأقوام الأخرين،  وبتؤدة وروية انمحت العادات الباطلة.

في كتاب الشيخ محمد الغزالي”مستقبل الإسلام خارج أرضه كيف نفكر فيه” لفتات رائعة لتيسير الدعوة، فممّا ندب إليه ضرورة الانتقاء الفقهي لبعض القضايا تنزّلا مع العادات الراسخة عند الشعوب الأخرى، ولذلك أوصى الدعاة في كوريا وبلاد الشرق الأقصى أن يتقلدوا مذهب مالك في كراهة الكلاب، لأنها محور طعامهم وبها كثير شؤونهم، بدلا من تقلّد التحريم الذي قال به الأحناف.

ونبه الشيخ الغزالي إلى التفريق عدم فرض تقاليد العرب على الأغيار، لأنها ليست الإسلام، وكم نعى على التّمذهب والتعصب لقول الشارح وترك نص الشارع ومقاصده ومراميه. وقال: إن التمادي في هذا المسلك الضيق العطن لا يُكسب الإسلام أرضا جديدة، وإنما يُفقده أرضه نفسها.

ويذكر الشيخ القرضاوي  أن بعض الفقهاء في أندونسيا أضاعوا قبيلة كاملة بسبب تشدّدهم في سنّة الختان على الرغم من وجود مذاهب ترى سنيتها فقط، والأمر ذاته في فهم بعض الثقافات الأموسية في إفريقيا وصنهاجة الجنوب، والذي يوجب على الفقيه التنزّل في بعض الآراء الفقهية والعدول عنها إلى غيرها تيسيرا للتدين، وتحبيبا للناس في الإسلام، وقطع الطريق على قوافل المنصرين.

د – معرفة روح العصر ومشاكله:

وهو الملحظ الذي غفل عنه الكثيرون، فنتيجة الارتهان إلى الحالات المثالية التي تأسرنا بصفائها وخاصة أجيال السلف الصالح، التي يكثر الوعظ بها دون مراعاة للشروط الاجتماعية التي كان عليها هؤلاء الذين وجدوا على الخير أعونا، وهو ما لا يتيّسر في هذا الزمن الموّار بفتن الشهوات والشبهات، وفي المقارنة تصغر الأقدار، فينكص كثير من المصعدين في حبل التدين نتيجة التصور الساكن باستحالة الوصول إلى القمم والربى التي تبوئها السابقون، والحل أن يراعي الدعاة روح العصر، ويقدّروا شروطه القاسية، فالقابض اليوم على دينه كالقابض على الجمر، والأولى إرشاد الناس وخاصة الشباب منهم إلى الالتزام بالمأمورات وترك الكبائر، وهو الحد الأدنى الذي يصح به الوصف بالإسلام.

ومما نستفيده من  مقاصد اللسان الخاص موضوع تنوع التخصص الدعوي للأنبياء في علاج أدواء أقوامهم ومشاكل عصرهم، إذ عالج هود وصالح الجبروت والاعتداد بالقوة الجسمانية، وكان وعظ شعيب مع الجشع الاقتصادي، ولوط تعانى مع الانحراف السلوكي، وقاوم موسى الاستبداد السياسي، وعيسى الانحراف النفسي والتحايل الفقهي، ومن بعدهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قلب طبائع العرب وصيرّهم أمة حية جديدة بعد موات.

بهذا وغيره من فهم مداليل اللسان اللغوي، والمتداول الأدبي، والروح الشائعة يمكن للدعوة الإسلامية أن تقطع أشواطها في تؤدة وزحف مكين حتى يظهر دين الله تعالى، وهو ظاهر بوعد الصادق الأمين.