يعرف المهتمون بالأدب أنه كانت هناك آصرة ود قوية بين أبي الفتح عثمان بن جني أبرز علماء اللغة في القرن الرابع الهجري وبين أبي الطيب المتنبي أشهر شعراء العربية المعاصر له، وهي علاقة مشهورة جدا، وقد نقلها كل من ترجم للرجلين من أصحاب الطبقات، ولعل أصرح ذلك قول الثعالبي في اليتيمة، يعني ابن جني: “صحب المتنبي دهرا طويلا”.

ورغم شهرة تلك العلاقة بين الرجلين إلا أن قليلين كلفوا أنفسهم عناء البحث فيما وراء تلك العلاقة من دوافع موضوعية وذاتية، فما الذي يجمع شاعرا يتنقل بين البلاطات وعالما منقطعا لدروسه ومباحثه، وقد عنَّ لي بعد روية أن هناك سببان ربما يكونان الخيط الذي نظم تلك الشخصيتين فائتلفتا تلك الألفة القوية.

أ-تآلف العبقريتين

فقد كان الرجلان عبقريي زمانهما، وجد كل منهما في الآخر نُشْدته، كان ابن جني يبحث عن شاعر يفتق اللغة فوجده في المتنبي، وكان المتنبي يبحث عن عالم واسع العطن يؤطر أبنيته وتراكيبه الغريبة في متن اللغة الفصيحة فوجده في ابن جني.

ب- الخروج على السائد ونبذ التقليد.

فكلا الرجلين كان يبحث عن جديد يبدعه. لم يتبع ابن جني في آرائه اللغوية أيًّا من المدرستين السائدتين؛ الكوفة والبصرة، بل اختط لنفسه -مع آخرين- مذهبا سماه شوقي ضيف في أخريات الدهر بـ”مذهب البغداديين”، ولم يكن المتنبي آخذا نفسه بما درج عليه الشعراء قبله من سنن في التعبير والتركيب بل كان مذهبه قريحتَه،

تلك العبقرية المتقدمة على زمانها وتلك الروح الثورية الطُّلَعة للتجديد مما يمكن أن يعتبر  من أسرار الألفة وقوة العلاقة بين الرجلين اللذين لا يردان نفس المنهل في ظاهر الأمر.

ولم تكن ثقة ابن جني في المتنبي مقتصرة على الشعر واللغة بل تجاوزت ذلك إلى توثيق روايته وتزكية خلقه، فقد منحه درجة (الصدق)، وليس ذلك بالشيء القليل من عالم ثقة رزين مثل أبي الفتح يعيش ذلك القرن الذي استوى فيه الإسناد وعلم الرجال على سوقه، ويدرك خطر التوثيق في النقل وما يترتب عليه، وقد نقل هو نفسه عن المتنبي أشياء من كلام الأعراب واحتج به في بعض مقارباته اللغوية، قال: “حدثني المتنبي شاعرنا -وما عرفته إلا صادقًا-“.

ويظهر أن ابن جني كان حريصا على إقناع علماء الصرف والنحو بأن المتنبي يصدر عن علم مكين فيما يعتسفه من اللغة ، وقد كانت بينه وبينهم جفوة سبَبُها ما يرتكبه في شعره من زيغ إعرابي وخروج على قواعد الاشتقاق الصرفي المعتادة، وقد كان أبو علي الفارسي أحد هؤلاء الذين يجفون المتنبي لذلك السبب ولما في زيه وحاله من كبرياء، وكان ابن جني غير راض بأن يكون شيخه جافيا لصديقه الذي يكبره.

وقد روى البديعي في الصبح المنبي قصة طريف تذكر سعي ابن جني لإقناع شيخه أبي علي بالمتنبي، قال:

“كان أبو علي الفارسي إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحط منه. وكان يسوءه إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يومًا اذكروا لنا بيتًا من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد:

حُلْتِ دون المزار فاليوم لو زرتِ**لحال النحولُ دون العِناق

فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال:

لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول:

أزورهم وسوادُ الليل يشفعُ لي***وانثنى وبياضُ الصبح يُغرى بي

فقال والله هذا حسن بديع جدًا، فلمن هما؟ قال للذي يقول:

أمضى إرادتهِ فسوف له قدٌ***واستقرب الأقصى فثَم له هُنا

فكثر إعجاب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا***مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى

 فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟

قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.

قال والله لقد حببته إلي”[1].

وقد أثمرت هذه الخطة وتوطدت العلاقة بين أبي علي الفارسي والمتنبي بعد ذلك وكان ينزل عنده أحيانا، وقد منح أبو علي الفارسي المتنبي شرف إدراج شعره في تذكرته التي لا يكتب فيها إلا مختاراته ومنتقياته، والأبيات هي قول المتنبي:

سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ***كأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ

ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعوا***كثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا”

وقد قال الربعي بعدما سرد قصة كتابة البيتين في التذكرة: “فهما مثبتان في التذكرة بخطي، قال: وهذا من فعل الشيخ أبي علي الفارسي عظيم، قال الربعي: وكان قصد أبي علي الفارسي نفعه لا التأدب والتكثّر، وأيّا قصد فهو كثير”[2].

وقد كان ابن جني أحد أبرز رواد حلقة أبي حمزة البصري التي كانت صالونا أدبيا بمفهومه المعاصر خاصا بشعر المتنبي، صالونا أقامته الطبقة الوسطى من المثقفين في بغداد لما جاء المتنبي قادما من مصر وأساءت الأوساط الرسمية في بغداد استقباله، وفيها أملى الشاعر آخر نسخة منقحة من ديوانه إذ كانت وفاته بعد ذلك بسنين معدودة.

وحين توفي المتنبي كان صاحبه أبو الفتح حريصا على أن يوفيه حق الصحبة بعد موته، فوقف مدافعا عنه في وجه الحملة الشرسة التي كان خصوم المتنبي يقودنها، وكان ابن جني أول من شرح ديوان صديقه في كتابين أحدهما: “الفسر الكبير” والثاني: “الفسر الصغير، وقد ترك الفسران أثرا بالغا في الشروح التي جاءت بعدهما، فلم يستطع أحد من شراح ديوان المتنبي تجاوز ما كتبه أبو الفتح ابن جني عنه.

تلك إطلالة موجزة عن العلاقة بين اثنين من عباقرة القرن الرابع الهجري ألفت بينهما العبقرية وإن باعدت بينهما مجالات الاشتغال ومسارات الحياة، فقد كان أبو الفتح عالما يأنس بالتنقيب عن حل العويصات وبنشر العلم والمعرفة، بينما كان المتنبي شاعرا يجد أنسه في ضجيج موائد البلاطات ومواكب الأمراء.


[1]  ـ الصبح المنبي عن حيثية المتنبي 161

[2]  ـ بغية الطلب في أخبار حلب 2/671