حكى ابن رجب الحنبلي من خلال كتابه الذي بعنوان أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة، عن حادثة فقهية وقعت في عصره سنة (784 هـ)، وذلك أنه غم هلال ذي الحجة في العام المذكور، فأكمل الناس شهر ذي القعدة، ثم تحدث الناس برؤية هلال ذي الحجة، قال ابن رجب: وشهد به أناس لم يسمع الحاكم شهادتهم، واستمر الحال على إكمال عدة شهر ذي القعدة، فتوقف بعض الناس عن صيام يوم عرفة. فقالوا: هو يوم النحر على ما أخبر به أولئك الشهود الذين لم تقبل شهادتهم، وقيل: إِنَّ بعضهم ضحى في ذلك اليوم، وحصل للناس بسبب ذلك اضطراب.

فقد رد الحاكم في هذه المسألة الشهود وهم عدول بدون عذر ظاهر، وأدى ذلك إلى اختلاف الناس، بين من يأخذ بهذه الشهادة، ومن يردها تبعا لاختيار الحاكم، ومن هنا اضطرب الناس في المسألة، وكان باعثا على تأليف ابن رجب هذه الرسالة والغاية منها بحث المسألة الفقهية وعرض الأدلة الخاصة بمثل هذه الحالة عند الفقهاء.

تناول ابن رجب هذه المسألة من وجهين:

الوجه الأول: أن يكون مستندًا إلى قرائن مجردة، أو إلى شهادة من لا تقبل شهادته إما لانفراده بالرؤية، أو لكونه ممن لا يجوز قبول قوله ونحو ذلك. واختلف العلماء في هذه الحالة على قولين:

القول الأول – لا يجوز صيام يوم عرفة بسبب الشك، ونسب ذلك إلى الإمام النخعي وبعض التابعين ومنهم مسروق. نقل عن النخعي أنه قال: في صوم يوم عرفة في الحضر: إذا كان فيه اختلاف، فلا تصومن. وعنه قال: كانوا لا يرون بصوم يوم عرفة بأسًا إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح.  

قال ابن رجب: «وكلام هؤلاء قد يقال -والله أعلم- أنه محمول عَلَى الكراهة دون التحريم. وقد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- في صوم هذا اليوم في هذه الحالة أنه جائز بلا نزاع بين العُلَمَاء. قال: لأنّ الأصل عدم العاشر كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان هل طلع الهلال أم لم يطلع؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم باتفاق الأئمة، وإنما يوم الشك الَّذِي رويت فيه الكراهة الشك في أول رمضان؛ لأن الأصل بقاء شعبان»[1].

والمقصود أن بقاء شهر ذي القعدة وعدم دخول شهر ذي الحجة هو المتيقن، فلا يحرم صوم يوم التاسع – أي: يوم عرفة، بمجرد الشك.

القول الثاني – أنه يجوز صوم يوم عرفة ولا حرج من ذلك ، ولا يلتفت إلى الشك الواقع فيه الناس. وهذا مذهب عائشة رضي الله عنها.

فقد روى مسروق أنه دخل هو ورجل معه على عائشة رضي الله عنها يوم عرفة فقالت عائشة: يا جارية، خوضي لهما سويقًا وحليه، فلولا أني صائمة لذقته، قالا: أتصومين يا أم المؤمنين ولا تدرين لعله يوم النحر؟! فقالت: إِنَّمَا يوم النحر إذا نحر الإمام وعظم الناس، والفطر إذا أفطر الإمام وعظم الناس”[2].

قال ابن رجب: وهذا الأثر صحيح عن عائشة رضي الله عنها إسناده في غاية الصحة، ولا يعرف لعائشة في ذلك مخالف من الصحابة.

ووجه قولها أن الأصل في هذا اليوم أن يكون يوم عرفة؛ لأنّ اليوم المشكوك فيه، هل هو من ذي الحجة أو من ذي القعدة؟ الأصل فيه أنه من ذي القعدة، فيعمل بذلك استصحابًا للأصل.

ومما يؤخذ من كلام عائشة رضي الله عنها أنها أشارت إلى أن يوم عرفة هو يوم مجتمع الناس مع الإمام عَلَى التعريف فيه، ويوم النحر هو الَّذِي يجتمع الناس مع الإمام عَلَى التضحية فيه، وما ليس كذلك فليس بيوم عرفة ولا يوم أضحى، وإن كان بالنسبة إِلَى عدد أيام الشهر هو التاسع أو العاشر.

ويشهد لما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون” قال الترمذي: حسن غريب.

الوجه الثاني: أن يشهد برؤية هلال ذي الحجة من يثبت الشهر به، لكن لم يقبله الحاكم إما لعذر ظاهر، أو لتقصير في أمره.

ففي هذه الحالة، هل يقال: يجب عَلَى الشهود العمل بمقتضى رؤيتهم، وعلي من يخبرونه ممن يثق بقولهم أم لا؟ فقد يقال: إِنَّ هذه المسألة تخرج عَلَى الخلاف المشهور في مسألة هل يصوم من رأى الهلال وحده، أو خلال الفطر من هلال شوال، هل يفطر عملاً برؤيته أم لا يفطر إلا مع الناس؟

والاختلاف في صيام يوم عرفة للشاهد مشهور قياسا على رؤيته لهلال شوال وفيه قولان:

أحدهما: لا يفطر. وهو قول عطاء، والثوري، والليث، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق. وروي مثله عن عمر بن الخطاب.

والثاني: يفطر. وهو قول الحسن بن صالح، والشافعي، وطائفة من أصحابنا.

وروي عن الإمام مالك كلا القولين.

فعلى قول من يقول: لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال، بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس. فإنه يقول: يستحب صيام يوم عرفة للشاهد الَّذِي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة؛ لأنّ هذا هو يوم عرفة في حق الناس، وهو منهم.

ومن قال في الشاهد بهلال شوال يفطر سرًّا. قال ها هنا: إنه يفطر ولا يصوم؛ لأنّه يوم عيد في حقه. قال: وليس له التضحية قبل الناس في هذا اليوم، كما أنه لا ينفرد بالوقوف بعرفة دون الناس بهذه الرؤية؛ لأنّ الذين أمَرُوا بالفطر في آخر رمضان إِنَّمَا أمَرُوا به سرًّا ولم يجيزوا له إظهاره، والانفراد بالذبح والوقوف فيه من مخالفة الجماعة ما في إظهار الفطر.

وفي نهاية الرسالة وضح الإمام ابن رجب موقفه من تصرف الحاكم حين رد الشهادة، ووجد عدم ضرورة متابعة الحاكم على المخالفة لما جاء به الشهود، وذلك لان الحاكم رد الشهود برؤية هلال ذي الحجة وهم عدول، ولم يبين سبب رد الشهادة أو عدم قبولها وقد تعمد ترك الواجب بغير عذر، وهنا “لا يلتفت إليه ويعمل بمقتضى الحق، وإن كان يظهر له التقية إذا خيف من شره”.. قال: وقد يكون الحاكم معذورًا في نفس الأمر؛ ففي مثل هذا لا يجوز الافتئات عَلَى الأئمة ونوابهم ولا إظهار مخالفتهم»[3].