اقتضت حكمةُ الخالق – عز وجل – أن يجعل التقديمَ في هذه الحياة مرتَهَناً بالجهد الذي يبذلُه البشرُ على جميع الصُّعُدِ، وفي كل المجالات، ولهذا فإنَّ كثيراً من الإمكانات البشرية هي استعدادتٌ وقابلياتٌ، وحتى تتحول إلى أشياء ومعطيات ملموسة مثمرة؛ لا بد من قيام الناس بالكثير من العمل.

إن الله – سبحانه – وزَّعَ الإمكاناتِ العقليةَ على الأمم والشعوب بالتساوي، فليس هناك شعب أو عرق هو مجموعات من الأذكياء والنبهاء! كما ليس هناك أمة أو شعب هو مجموعة من الأغبياء والبُلَهاء!!!
إذن؛ لماذا نرى شعوباً تُسجِّل – في كل يوم – عشراتِ بـراءات الاختراع، وتعلن الكثيرَ من الحلول الإبداعية لمشكلات مستعصية؟
ولماذا – في المقابل – نرى شعوباً ليس لديها هاجسُ قلقٍ لتخلفها عن الإبداع والاختراع والتطوير التقني؟ كما أنه ليس لديها أي مؤسسات تهتم بالإبداع والمبدعين؟ كما أنه ليس في حوزتها أية منتجات قيّمة تحمل بصمات إبداعية عالية؟!

الجواب عن كل هذا يكمن في طريقة التربية في الأسر، وفي طريقة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات. فالتربية الجيدة تفتِّح وعيَ من يتلقَّاها من الأطفال – على اختلاف إمكاناتهم الذهنية – وتساعدهم في استثمارها على النحو الأمثل.

كما أن المدارس الجيدة تُكَمِّل ما بدأتْه الأسرة المهتمة، وتكشف عن المواهب والإمكانات المتفوقة، وتقدِّم الفرصَ تلو الفرص؛ لظهور المواهب في مبتكرات ومنتجات نافعة ذكية. نحن – في العادة – نقسِّم العقل إلى قسمين: عقل أول، وعقل ثان، وإذا كان العقل الأول هو: إمكاناتٌ ذهنية مدهِشةٍ، موحَّدة على مستوى الأمم والشعوب، متفاوتة – طبعاً – على مستوى الأفراد؛ فإن العقل الثاني هو (الثقافة)، أي: مجموعةُ العقائد والأفكار والتقاليد والنظم والقيم السائدة في بيئة معينة.

والمدهش – فعلاً – أن الحَسْم في تجسيد الفوارق بين الأمم لا يأتي من مكونات العقل الأول، وإنما من مضامين العقل الثاني، ولنا أن ندرك ذلك جيداً من طبيعة الرسائل السماوية، حيث إن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لم يهتموا بتنمية الذاكرة أو الخيال أو القدرة على التحليل والتركيب.. لدى الأمم التي أُرسِلوا إليها، وإنما منحوها الأهدافَ الكليةَ والمناهجَ، وأكدوا ضرورةَ بعدِها عن الظنون والأهواء والأوهام؛ عند فهم الوجود، وعند الحكم على الأشخاص والأحداث..

ومما يؤسَف له حقّاً أن معظم المدارس في العالم الإسلامي؛ لا تهتم – على نحو جاد وواضح – بتأسيس عقول طلابها تأسيساً صحيحاً، ولا تهتم بتعليمهم المبادئ والمفاهيم التي تساعدهم في رؤية الأشياء على ما هي عليه، أو تساعدهم في التعامل الصحيح مع كل ما هو لهم!

نحن في هذه المقالة وما يليها من مقالات – بحول الله تعالى – سنركز على هذا، ونحاول أن نقدم بعض الأفكار والمفاهيم، التي تكوِّن العقلية الراشدة المتفتِّحة المعاصرة، عبر المفردات الآتية:

– تثقيفُ (العقل) المعرفةَ بطبيعته، وما هو من شأنه، وما ليس من شأنه؛ حتى لا نعطِّلَه حيث ينبغي إعمالُه، وحتى لا نُعمِلَه حيث يجب تحييدُه، ويتطلب أيضاً الصيرورةَ إلى القطعيات والثوابت. وفي هذا الإطار يمكن القول: إن عمل (العقل) يشبه عمل (الأرض) فهي تتلقى البذور والماء والسماد والمبيدات، وبذلك تُخرِج لنا الغذاءَ الشهي الذي به قوام الحياة.
وحسب حال تلك البذورِ تكونُ الفاكهةُ، ويكون النباتُ، فإن كانت طيبةً، فإن لنا أن نتوقع نباتاً طيباً، وإن كانت فاسدةً أو ضعيفة، فإن لنا أن نتوقع شيئاً ضعيفاً، أو ألا نحصل على أي شيء.
وهكذا العقلُ، فإنه مثل الأرض، يتلقى المعارفَ والمعلومات، ويشتغل بها، ثم يخرج لنا الأفكارَ والمفاهيم التي تتناسب – طرداً – مع نوعية تلك المعلومات التي يتلقاها.
وكما أن أنواعاً من الأرض لا تنبتُ الكلأَ، وتضيع فيها المياه ُوالبذورُ سدىً؛ فإن من العقول ما يكون غبياً، فلا ينتفِع بالعلم، ولا يقوى على (عصره) واستخراج أي شيء منه!!
لكن – ولله الحمد والمنة – الأراضي والعقولُ المُنبِتة والعامِلة هي الكثرةُ الكاثرة، وهي – جميعاً – تظل قابلةً لنوع من المعالجة.

ومن هنا يمكن القول: إن التعليمَ الجيدَ والثقيفَ الثريَّ الصحيحَ هو حياة العقل، كما أنه يحدِّدُ مسارَه ونوعيةَ عمله. وقد صدق من قال: إن العقل من غير معرفة هباء! وقد آن الأوان للكف عن إجراء الموازنات بين فضائل العقل والعلم، حيث إننا إذا أردنا بالعقل (العقلَ الأول)؛ فإنه – من غير علم وتعلم وممارسة – لا يكادُ يكفي – اليومَ – إلا لتلبية بعض ضروريات الحياة، أما إذا أردنا به (الحكمةَ)؛ فهي مزيج من الذكاء والمعرفة والإرادة الصلبة.

– العقل الثاني فهو عبارة عن معارفَ وعاداتٍ ونظمٍ مكتسبةٍ، أي إنها تدخل في نطاق المعرفة؛ إذا توسعنا في مدلولها، وتسامحنا بعض التسامح. وهذه الحقيقة جليةٌ في القرآن الكريم، فهو لا يتحدث عن العقل بوصفه جوهراً فرداً، أو بوصفه شيئاً ثابتاً، ولهذا فإنه لم يَرِد ذكرُه بكلمة (عقل)، أو (فكر)، أو (دماغ)؛ وإنما نجد تركيزاً واضحاً على إعمال العقل واستثماره، كما نجد نوعاً من الحث على تنميته، وهكذا نجد في القرآن الكريم: {يَعْقِلُونَ}، {يَفْقَهُونَ}، {يُبْصِرُونَ}، {يَتَفَكَّرُونَ}، {يَتَدَبَّرُونَ}.

إن العقلَ – مثل كل العضلات – ينمو ويكبُر باستخدامه وإعماله، ويضمر ويتراجع بإهماله وتهميشه. ونحن نعرف أن ممارسة التدبر والتفكر تعني خضَّ المعارف والمعطيات التي نمتلكها في الأمر الذي نفكر فيه، وفي هذا حثٌّ خَفِيٌّ لنا على زيادة حصيلتنا من تلك المعارف، كما أن فيه الإحالة على شيء يمكن أن نستزيد منه، في حين أن الإحالة على الإمكانات الذهنية تعني طلبَ معالجةِ شيءٍ لا يقبلُ إلا القليل من النمو.
العلم هو ماءُ العقل وهواؤه وضياؤه، وبدونه قد يسبب استخدامُ العقولِ من المشكلات أكثر بكثير مما يقدمه من الحلول، أو يفتحه من الآفاق!!

لا يجادل أحدٌ في الإمكانات الهائلة التي زودّ الخالقُ – عزَّ وجل – بها أدمغةَ البشر، فهي ثروة كبيرة، لا يعرف معظمُ الناس كيف يستثمرونها، أو يديرونها، حتى إن بعض البحوث والدراسات تشير إلى أن ما استُخْدِمَ من إمكانات العقل البشري؛ لا يزيد عن 1%..

لكن -مع هذا كله- هناك حقيقةٌ جوهريةٌ، ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا، وهي أن العقل البشري مفطور على العمل، بوصفه أداة في يد المبادئ الكبرى، وهذا ما يشير إليه المغزى الذي نستشفّه من قول الله تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [1].
حيث إن الله -سبحانه- أرسلَ الرسلَ وأنزل الكتبَ؛ من أجل دَلالة الناس على طريق الرشاد، ومن أجل تمليكهم الغايات الكبرى والمبادئ العظمى، التي يحتاجون إليها في فهم الوجود، وفهم دورهم في هذا الوجود، وفي علاقتهم به..

ومن غير تلك المبادئ؛ فإن أذكى العقول، وأعظم العبقريات؛ تجد نفسها مرتبكة في فهم الحياة، وفي التحرك فيها.
هذا الكلام لا نقوله من باب الدعاية أو الترويج لضرورة الالتزام بالمنهج الرباني الأقوم، ولو أننا قلناه من أجل ذلك؛ فلا غضاضة علينا فيه، كما أننا لا نريد من ورائه الحطَّ من قيمة العقل والإزراء به؛ وإنما نريد توضيح العلاقة التي تربط العقل بالوحي.

لو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن هناك مئات الألوف من العقول الذكية والجبارة، التي نظرت في غاية وجود الإنسان على هذه الأرض، وفي مصيره بعد الموت، كما نظرت في طبيعة الخير والشر، وفي الحقوق المدنية التي تترتب على اجتماع الإنسان بأخيه الإنسان، وكانت النتيجة مخيبة للآمال! أقوالٌ وآراءٌ وتشعيباتٌ لا تحصى، لكن يضرب بعضها بعضاً، وهي -جميعاً- تخبرك عن الاضطراب والضياع والحيرة…
إذا أردت أن تعرف صدق ما أقول؛ فانظر في كتب الفلاسفة، القديم منها والحديث، لترى العجب العجاب.

انظر -مثلاً- ما كُتب في مسألة الحرية الشخصية، وانظر ما كتب في علاقة العدل بالحرية، وفي مسائل الإدارة، ومدى مسؤولية المرء عن أفعاله، وعلاقة الغايات بالوسائل.. وستجد أن تلك العقول الكبيرة، التي بحثت في القضايا الكبرى؛ لم تستطع حسم أي نزاع، ولا الوصول إلى أي مفاهيم صلبة أو قاطعة، وقد انتهى الأمر ببعض الكتاب المعاصرين إلى اليأس من الوصول إلى اليقين، فجعل يزعم أن صحة العقل ليست الوصول إلى الحقائق، وإنما هدم المقولات الزائفة، ومحاولة إنتاج مفاهيم جديدة تلوكها ألسنة الجيل اللاحق!!

إن مما يدهشني ذلك التكامل الواضح بين الوحي والعقل، حيث إنك تجد أن ما لا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة؛ جاء في الشريعة السمحة مفصلاً غاية التفصيل، وهذا ما نجده على نحو جلي جداً في العقائد والعبادات، حيث لا يجد المسلم نفسه مضطراً إلى أداء فريضة الحج مرتين في العمر، أو إلى أداء صلاة المغرب ركعتين أو أربع ركعات…

إن التفصيل الدقيق الواسع في مسائل العبادات يعدُّ إعلاناً صريحاً بعدم الحاجة إلى تدخل العقل وإلى الاجتهاد؛ حيث لا دواعي تدعو إليه، ولهذا قالوا: إن العبادات تعبدية.
أما ما كان يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ فقد جاء في الشريعة مجملاً، حيث تجد في أحيان كثيرة، سوى بعض المبادئ الكبرى والتوجيهات الهادية، وذلك مثل تنظيم الشأن السياسي والإداري للدولة، ومثل النظم التي تحتاجها الحياة اليومية والعلاقات الدولية…

وذلك الإجمال دعوةٌ صريحة للعقل؛ كي يمارس دوره، ويُظهر إبداعاته، في إطار التوجيهات العامة والخطوط العريضة.

وهذا الإجمال مظهر من مظاهر رحمة الله -تعالى- بعباده، ومظهر من مظاهر يسر الدين وسماحة الشريعة، وذلك لأن التفصيل في أمور تختلف، من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان؛ يوقع الناس في حرج عظيم، يدعوهم إلى التفلُّت، والخروج عن تعاليم الإسلام عامة!

إن العقل ظُلِم من جهتين:

الأولى: فئة عريضة من المثقفين، الذين يدَّعون العقلانية، والتنور، والموضوعية، واحترام العقل، والانفتاح على الثقافات…
إن تلك الفئة أو الشريحة حمَّلت العقل كل الأعباء، وأرادت منه أن ينوب عن الوحي، وأن يمنح الثوابت، ويبحث فيما وراء المادة.. فظهر عجزه، واضطربت طروحاته!

أما الجهة الثانية: فالمنتمون إليها مجموعات مختلفة، منهم الخُرافيُّون، الذين يعتقدون معتقدات بعيدة عن العقل والنقل والخبرة البشرية، وما تراكم من تجارب الأمم…
ومنهم عبيد المعلومات والمعطيات والأرقام والأخبار والمقولات الشائعة، الذين لا همَّ لهم سوى إغراق سامعيهم بفيض من الكلام المتناقض والملفَّق!
إنهم غير مستعدين لاستخدام عقولهم، والتأمل فيما يقولونه، وغير مستعدين للنظر في طبائع الأشياء، وسنن الله -تعالى- في الخلق، وما جرت به العادة…

إن أزمة علاقة كثير من الناس بعقولهم أنهم يريدون من تلك العقول أن تمنحهم نُقَطاً ثابتة، ومرجعيات صارمة، وما دَرَوْا أن العقل حين يفكر في أمر من الأمور، كالبطالة، أو الاستبداد، أو أي مشروع تجاري…؛ ينتج الأفكار والمقولات والمعايير، ويعيد -في الوقت ذاته- تنظيم طروحاته، ورؤاه، ومحطّاته، وانطباعاته، إنه بعبارة أخرى يظل في حالة من الاكتشاف المستمر لذاته، وهو بذلك كثيراً ما يسفِّه نفسه، وينقض غزله! فكيف يمكن الاعتماد عليه في بناء تصورات نهائية عن الحياة والأحياء؟!

إذا أردنا لعقولنا أن تعمل بكفاءة؛ فإن علينا أن نختار لها المجالات الملائمة لها، وأن نزودها بالمعارف والمعطيات الضرورية والمطلوبة لعملها، وإلا فإن لنا أن نتوقع أن تنتج العقول الذكية أفكاراً غبية، وهذا سيكون موضوعاً محزناً للقراءة!!


[1] سورة فاطر: 24.