حين افتتح القرن العشرون كان علم السياسة الشرعية لم يزل على صورته الأولى التي وضعها المنظرون الأوائل الذين صاغوا أسس النظرية السياسية الإسلامية، ولم تزل مباحثه مبعثرة فمبحث الخلافة -وهو أهم مباحثه- كان مندرجا ضمن علم الكلام لا الفقه للرد على أصحاب الفرق والمذاهب الذين يعتقدون اعتقادات شاذة بشأنها، وليس ذلك إلا لعزوف الفقهاء عن التصنيف فيه إما خشية التعرض لبطش السلطة الاستبدادية أو تمسكا بالورع والاحتياط كي لا يُفضي التوسع في السياسة الشرعية إلى مزيد من المظالم، وأيا ما كانت الدواعي فقد أسفرت عن حدوث قطيعة شبه كاملة بين النظرية السياسية الإسلامية والواقع السياسي.

غير أن ثمة عوامل مستجدة حتمت على العلماء إعادة النظر والتفكير في السياسة الشرعية واستئناف مسيرة التصنيف المعطلة؛ ففي الدولة العثمانية كانت التنظيمات السياسية التي اقتبست عن أوروبا تمثل تحديا حقيقيا وكان على العلماء إثبات جدارة النظرية السياسية الإسلامية في مقابلتها والبرهنة على قابليتها للتطور واستيعاب المتغيرات، وأما في مصر -وفي مرحلة لاحقة- كان تصاعد دعاوى الفصل بين السياسي والديني والادعاء بعدم قابلية الإسلام لأن يكون نظاما للحكم حافزا للعلماء على إحياء السياسة الشرعية وإدخال تعديلات وتطويرات مهمة عليها لتصبح مواءمة للعصر.

على ضوء هذه العوامل استؤنفت حركة التصنيف في السياسة الشرعية، وبالإمكان الإشارة إلى عملين مركزيين صدرا خلال الفترة المبكرة ويتصفان بالجدة وبالشمول[1]، أولهما كتاب “السياسة الشرعية في حقوق الراعي وسعادة الرعية” لمؤلفه عبد الله جمال الدين أفندي وهو أحد قضاة الدولة العثمانية الذين تولوا منصب قضاء الروم ايلي وهي رتبة رفيعة، وقد صدر باللغة العثمانية أولا ثم نقل إلى اللغة العربية عام 1900، وثانيهما كتاب عبد الوهاب خلاف المدرس بمدرسة القضاء الشرعي المعنون “السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية” وصدر بمصر عام 1930.

استيعاب الأفكار السياسية الأوروبية

والفكرة المركزية التي يدور حولها كتاب جمال أفندي هي أن اقتباس الدولة العثمانية للتنظيمات الغربية ليس فيه ما يضاد الشرع لسببين: الأول أن التوسع في الأحكام السياسية أمر مشروع استنادا إلى القواعد الفقهية التي تجوز اختلاف الأحكام تختلف باختلاف الأزمان، ومن مشروعية العمل بالمصلحة المرسلة[2]، والثاني كون هذه التنظيمات لا تنافي الأصول والمبادئ الشرعية فقد نقل الأوروبيين عن أهل الأندلس “أحكاما شرعية إسلامية أصولا وقواعد وبسطوها وبسطوها بسطا يناسبهم ويفيدهم… حتى ظهر عندهم علم حقوق الناس أخذ أكثره من أحكام الشرع الإسلامي وقواعده فشابه الحرية الإسلامية”[3].

ورغم هذا الربط التعسفي بين تنظيمات أوروبا وبين الإسلام ظل هناك سؤالان وجب على عبد الرحمن أفندي الإجابة عليهما؛ الأول يتعلق بتفسير التدني أو بعبارة أخرى “لماذا أصبحت الدول الإسلامية في هذا الضعف المستمر والتقهقر الهائل” رغم أن السياسة الشرعية تكفل حسن إدارة الممالك[4] وهو ما يرجعه إلى بعض العوامل الداخلية كتشرذم المسلمين وشيوع ثقافة التوكل بينهما وعوامل خارجية كتكالب الدول الأوروبية على البلدان الإسلامية، والثاني يتعلق بكيفية الإصلاح أو ماهية التدابير اللازمة لإصلاح الحكومات الإسلامية، وهو يفترض أن السبيل لذلك يكون بتقوية جامعة الدين بين الشعوب الخاضعة للخلافة الإسلامية، ونهوض الدول الإسلامية المستقلة كالدولة العثمانية والدولة الإيرانية بإصلاح أحوالها الداخلية على هدي الشرع المحمدي ولا يكون ذلك إلا بــ” تدوين مجلة كاملة في قواعد السياسة الشرعية بمراجعة الكتب المعتبرة وتطبيق الأحوال والأمور على مقتضيات ظروف الزمان والمكان”[5].

توحي تلك المقترحات أن عبد الرحمن أفندي لم يكن بعيدا عن تيار الإصلاح الإسلامي الذي قاده الأفغاني، فمن بين مصادره التي أشار إليها في خاتمة كتابه مجلة العروة الوثقى، ومجلة المنار، وقد ذكر رشيد رضا أن الفصول الأخيرة من الكتاب “مأخوذ بحذافيره” من مجلد السنة الأولى من المنار ورأي في ذلك اتفاقا في الآراء حول الإصلاح بين العلماء على اختلاف الأمصار[6].

وضع أسس علم السياسة الشرعية

أما كتاب عبد الوهاب خلاف فقد صدر عن المطبعة السلفية بالقاهرة عام 1930 لكن الشيخ قد استبقه ونشر سلسلة مقالات تحت عنوان السياسة الشرعية في مجلة “القضاء الشرعي” خلال عامي (1925-1926) وهو الأمر الذي يفيد وجود صلة بينها وبين كتاب علي عبد الرازق، وهو يجمل الدواعي التي حملته على الاهتمام بالسياسة الشرعية والتدوين فيها بأنه عهد إليه عام 1923 بتدريس مادة جديدة بمدرسة القضاء الشرعي هي السياسة الشرعية، و”لقد بدأنا تدريس هذا العلم الناشئ وليس بين أيدينا سوى منهج دروسه الذي ينتظم عدة بحوث في مختلف الشئون لا تظهر بينها وحدة جامعة ولا صلات ترتبها ترتيب مسائل العلم الواحد” ولذا وجب عليه إيجاد وحدة تنتظم هذه الموضوعات “لنتعرف الرسم الذي يحد علم السياسة الشرعية ونميز موضوع البحث فيه ونقف على الغاية التي يوصل إليها”[7] .

استنادا إلى ذلك وصف خلاف أنه أول من وضع الصياغات الحديثة لعلم السياسة الشرعية، وتؤكد مجلة “المحاماة الشرعية” في عددها الثاني الصادر عام 1929 هذا المعنى بقولها “أنه وإن كان ابن خلدون هو أول من وضع علم الاجتماع فالأستاذ خلاف هو أول من وضع السياسة الشرعية ذلك الوضع العلمي”، وهذا الوصف لا يجانبه الصواب فقد قام بإعادة تعريف المفاهيم السياسية الإسلامية وعلى رأسها السياسة الشرعية على نحو جديد، ووضع خارطة بالموضوعات التي تندرج تحتها، والأهم أنه قام بدراسة المسائل ذات الحساسية وإعادة تأويلها على نحو جديد من مثل: علاقة دار الإسلام بدار الحرب أو علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأجنبية، كما ناقش مسألة وضعية أهل الذمة في الدولة الإسلامية الحديثة وذهب في ذلك إلى تأويلات غير مسبوقة حين اعتبر أن إلزامهم بزي خاص ليس من الإسلام في شيء، كما بحث مسألة “حرية الاعتقاد” وذهب إلى أن الإسلام أقر هذه الحرية وترك لكل فرد أن يكون عقيدته بناء على ما وصل إليه عقله ونظره.

لكن تلك التأويلات لم تمس مسألة الخلافة حيث ظل مؤمنا بوجبها شرعا ودافع عن وجودها استنادا إلى ثلاث حجج هي: إجماع الصحابة على نصب خليفة بعد وفاته ، وأن ما هو واجب كحماية الثغور وإقامة الحدود لا يتم إلا به، وأن فيه دفع للمضار وجلب للمصالح. لكنه في المقابل كان حريصا على نزع أي قداسة دينية لهذا المنصب ولمن يتولاه ” فليس عموم ولاية الخليفة وشمولها للشئون الدينية بجاعل الخليفة ذا صلة دينية أو مستمدا سلطانه من قوة غيبية، وما هو إلا فرد من المسلمين وثقوا بكفايته لحراسة الدين وسياسة الدنيا”[8].

وإذا كان الشيخ خلاف قد حاول نزع هالة القداسة المبالغ فيها حول الخلافة وإعادة صياغة العلاقة بين المواطنين والخليفة بحيث يصبح الخليفة مسئولا أمامهم إلا أنه لم يصل إلى حد اقتراح صيغ وأشكال حديثة من الخلافة مراعاة للمستجدات السياسية على نحو ما ذهب السنهوري في “فقه الخلافة”، ورغم ذلك ظل عمله مرجعا رئيسيا وملهما للدارسين المعاصرين في السياسة الشرعية.

 

 


[1] هناك أعمال جزئية صدرت في السياسة الشرعية كالرسالة التي وضعها محمد بيرم الأول في السياسة الشرعية، وبضع مقالات نشرت مبكرا بمجلة المنار.

[2] عبد الله جمال الدين، السياسة الشرعية في حقوق الراعي وسعادة الرعية، ، القاهرة: مطبعة الترقي، 1318 هـ، ص29.

[3] نفس المرجع السابق، ص79.

[4] نفسه، ص 164.

[5] نفسه، ص 203.

[6] محمد رشيد رضا، الهدايا والتقاريظ، القاهرة: مجلة المنار، مج 4، 16 صفر 1319هـ/ 3 يونيو 1901م، ص273.

[7] عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية، القاهرة: المطبعة السلفية، 1350 هـ، ص2-7.

[8] عبد الوهاب خلاف، المرجع السابق، ص 59.