ينبغي توظيف الأحداث الجسام المتكررة التي تلحق بثوابت الدين في إيقاظ همم أهل الحق والبصيرة، وإن أمتنا الشريفة بأمس الحاجة إلى العلماء الذين يتألمون لآلامها ويتفقدون أحوالها، ويسعون بحزم وعزم متواصل في الإصلاح والإرشاد والنهوض المنشود.

يقول ابن برهان البغدادي رحمه الله:  “لا فرق بين فرْض العين، الواجب العيني، وفرض الكفاية، الواجب الكفائي”[1] ويثني الآمدي بالقول أيضا في كتابه الإحكام: “لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين والواجب على الكفاية من جهة الوجوب؛ لشمول حدِّ الواجب لهما”[2] وهل لهذا القول وجه مقبول؟

والمعلوم أن مدار عموم الشريعة على تحصيل المصالح بقدر الاستطاعة عاجلا أو آجلا وتجنب المفاسد والأضرار على كل حال، فمراعاة هذا المعيار مطردة في أجزاء القضايا الدينية ومتحصلة في حسبان أهل العلم قاطبة، والتكليف الكفائي معول على ذلك المعيار الأصيل.

والمسلم الحصيف مطلوب بالنظر في دائرة الفروض الكفائية نظرا إحصائيا تقريبيا فإنه سيكتشف كبر سعة هذا المجال من جانب الفروض العينية، ولم تكن الفروض الكفائية متمحضة في العبادات فحسب وإنما هي متعدية وشاملة جميع نواحي الحياة، وكلاهما مطلوب تحصيلهما على وجه الإلزام من قبل الشارع، بيد أن الاهتمام بفرض العين أكثر في الواقع ظنا من الأكثر أنه أهم من الكفائي – لتعلقه بالفعل والفاعل خلافا للكفائية المتعلقة بالفعل دون تحديد فاعل –  فنأوا بأنفسهم عن دخول في مجالات فروض كفائية بناء على أن غيرهم قد قاموا بها وكفوهم المؤونة، ولا شك أن هذا الموقف وهذا المسلك مقلق لأنه يجعل ضمان سقوط آثام الكفاية ضئيلا وخاصة في الآونة الأخيرة.

مصلحة فرض الكفاية مقدمة على مصلحة فرض العين

قد قال غير واحد من أهل العلم المحققين برجحان فضيلة الفروض الكفائية على العينية، لارتباط الفروض الكفائية بمصالح عامة الأمة وحمايتها لها من الأضرار والمآثم، إذ بإقامة واجب الفروض الكفائية – مثل التعليم وتعلم الطب ومعرفة التجارة والصناعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدالة والحراسة ونحوها – هي التي تبقى كيان المجتمع على هويته الأصيلة والاستقرار التام والأمن الحقيقي من الفتن العقدية والفكرية والدنيوية، وعلى ضوء ذلك يتيسر أداء الفروض العينية على الوجه الأليق، ولمراعاة هذه المقاصد المرجوة مالت أقوال ثلة من العلماء إلى تقديم الكفائي على العيني.

قال إمام الحرمين رحمه الله:” ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان؛ فإن ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب، ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات لعم المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات؛ فالقائم به كافٍ نفسه وكافة المخاطبين الحرج والعقاب، وآمل أفضل الثواب، ولا يهون قدر من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام لمهمة من مهمات الدين” [3]

ثم يقتضي النظر – عند العلماء- إلى تقديم الكفائي على العيني في حالة وجود التعارض الحقيقي بين الواجبين، تمشيا مع القاعدة القائلة:” المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة” كما هي مقررة في الأصول.

لكن قد يرد في بعض صور تفضيل بعض الواجبات على بعض من حيثيات مختلفة فيختلف الحكم حينئذ وفق المرجح، كتقديم بر الوالدين على الجهاد مثلا.

فرض الكفاية فرض العين حتى تتحقق الكفاية

المقصد الشرعي المتوخى من جراء الامتثال بالواجب الكفائي هو تحقيق المصالح الوليدة من إيقاع الفعل الملزم به، وينبغى تعميق هذا الفهم كي يجعل كل فرد من أبناء الأمة في مراجعة نفسه دائما ليكتشف مدى قدراته في سبيل تحقيق المنافع العامة التي تثمرها الفروض الكفائية بأي شكل من أشكال القدرة أو الخبرة ولو كانت بعيدة، ولا يركن كل شخص إلى اللامبالاة في القضايا الكفائية ولا يطمئن بحجة أن آخرين قد قاموا بها، إذ ليس كل ما قامت به طائفة من الناس من الفروض العامة تحققت غايتها، ولعل قائل تلك المقولة ممن سيكون له دور جوهري إيجابي في الوصول إلى المقصد الكفائي لو لم يكن يفرق بين الفرضين من حيث الوجوبية والأهمية ويتكل.

في مجال الدين على ضرب المثال، لما انحطت رتبة الواجب الكفائي بين أهل العصر تجد أن ثوابتنا وأصولنا ورموزنا مهددة على الدوام أكثر مما مضى من تاريخها، والتقطيع والتشتيت مستمر في صفوف المسلمين لزعزعة الوازع الإيماني الذي هو روح المؤمن وسلاحه وهويته بين البشر، وترى أصناف سهام الطعون متجهة نحو ثوابت الأمة وتنال منها بين الفينة والأخرى؛ كتشكيك الناس في الوحيين وتصوير رموزنا الرجال الصالحين في صورة الطالحين، ولا تخفى حملات الإساءة والتشويه لعدالة الصحابة المتكررة وحرب طاحنة في كتب السنة النبوية المعتمدة، ولا تكاد ترى المسجد إلا مبنى مزين لا معنى لرسالته في واقع حياة الكثير، ولم تزل الضروريات الدينية عرضة للنقد من الداخل والخارج، حتى الدين الحنيف نفسه يميل ميلا في نفوس الكثير إلى العدم، وكم من شباب الأمة – ربما من كبارها أيضا- في حيرة شديدة من أمور دينهم لكثرة ما تأتيهم من الشبهات المثارة بلا جواب مقنع وقلة من يفند تلك الشبه من أهل العلم الراسخين؛ فأدى ببعضهم إلى هاوية الإلحاد غير مسبوق في سجل أمتنا المؤمنة بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا.

فإهمال فريضة الكفاية أو غيابها في المشهد الديني مما سبب ضعف سلطة العلم الصحيح فعلا، وخول زعماء السفلة حرية المجاهرة بانحراف سلوك العامة في عقيدتهم وفكرهم، حتى لبس المنافقون الأشرار لباس العلماء البررة، ويخرج كلام الأنبياء والرسل من ألسنة الفجرة تدليسا وتلبيسا على الناس في دينهم، مساعدين أعداء الإسلام – بقصد أو بغيره- في إبعاد الجيل الناشئ عن دينهم الصحيح.

ولذا يجب تكرار القول بأن الذود عن حياض الدين وتقويم الفكر الزائغ وتجديد الفهم الصحيح عن الدين من الفروض الكفائية التى بمنزلة فرض العين في هذا الزمان، وخاصة في حق العلماء خلفاء الأنبياء ونواب المسلمين، كل بحسب قدرته العلمية والإمكانية، وأما التخلف والعزلة بحجة أن آخرين قد قاموا بالمهمة غير ممدوح عند التأمل الدقيق، نعم! لا يطالب كل عالم بالبروز في القنوات ونحوها ولكن الاهتمام بقضايا الأمة الحديثة ذات الحاجة الماسة إلى الحل، لأنه قد يوجد من عالم ما لا يوجد عند آخر من الأفكار الإصلاحية والتجديدية، ولا سبيل إلى تسريبات تلك الأفكار أو العلم المفيد إلا عن طريق الشعور بواجب الأداء فينتشر.

وليكن أهل العلم هم النماذج العليا في إحياء الواجب الكفائي بين الأمة والمجتمع في مجالاتهم لتصبح قضية ذات نفع وجدوى في حياة كل فرد، سيما في هذا العصر الذي تنوعت الوسائل والطرق المعينة للنهوض بالأمة إلى مجدها وسيادتها في الثقافة والطب والهندسة والاقتصاد والإعلام والصناعة وغيرها مما تتربط بمصالح كافة الأمة وتمكنها أكثر على القيام بالفروض العينية.

وعليه، فلم يبعد ابن برهان البغدادي والآمدي النجعة في قولهما السابق عن الواجب الكفائي تماما، حيث لو حرر النظر فيه ليمكن استثماره في إحياء أهمية الواجبات الكفائية وأبعادها الأساسية وإيقاظ مشاعر الأمة لضرورة التقوي بها في السير السوي نحو النهوض الشامل – دينية ودنوية-، وإن الفروض الكفائية سند قوي لأداء الفروض العينية فتَبينْ.


[1] – الوصول إلى الأصول: ابن برهان البغدادي 1/ 81.

[2] – الإحكام في أصول الأحكام للأمدى، انظر فيه: 1/ 99.

[3] – الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم. ص:59