الخشوع في أصل اللغة: الانخفاض والذل والسكون، وفي الاصطلاح الشرعي: قيام القلب بين يدي الرب سبحانه وتعالى بالخضوع والذل، والجمعية عليه([1]). على أن الخشوع محله القلب، وتظهر ثمرته على الجوارح. وقد رأى النبي رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه([2]).

وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: “إياكم وخشوع النفاق؟ فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع”. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: “يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب”([3]).

وللخشوع في الصلاة ثمرات منها: تكفير الذنوب، وتحصيل الثواب الجزيل الذي أعده الله عز وجل للطائعين الخاشعين من عباده، واستجابة الدعاء، وقبول الأعمال والطاعات.

روي عن عثمان بن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله” (أي السنة كلها)([4]).

ومن الأمور التي تعين على الخشوع في الصلاة: إحسان الوضوء، والاستعداد للصلاة، واستحضار عظمة الله تعالى، واستحضار تفاهة الدنيا، والحضور المبكر في المسجد، وأداء النوافل القبلية للتهيئ والاستعداد للصلاة، والالتزام بأحكام الصلاة وآدابها، وترك الحركات والالتفات، واستبعاد المشاغل في وقت الصلاة، وطرد الخواطر، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، وأكل الحلال الطيب، والازدياد من العلم، ومحبة الله تعالى، والخوف والرجاء، والتوبة إلى الله تعالى، والحذر من العجب والرياء، والإكثار من قراءة القرآن، ومحاسبة النفس([5]).

ولما كانت الصلاة هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتوطن النفس على الصبر على المشاق، والتسلي في المصيبات، أمر الله عز وجل بالاستعانة بها على صعاب الأمور وشاقها. ولذلك كان النبي إذا حزبه أمر فزع إلى الذكر والصلاة([6]).

وقد أخبر الله جل ذكره في كتابه الكريم أنه يضرب للناس الأمثال، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها؛ فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر. ومن الأمثلة التي ضربها الله جل ثناؤه لعباده أنه لو أنزل هذا القرآن العظيم على جبل بعد أن خلق فيه إدراكا وتمييزا كما خلقه في الإنسان، لرؤي ذلك الجبل خاشعا ذليلا متصدعا متشققا من خشية الله تعالى لعله قصر في حق الله تعالى وفي حق كتابه ما أداهما على الوجه المطلوب. وفي هذا موعظة للمؤمنين ليتدبروا القرآن ويخشعوا عند تلاوته وسماعه([7]).

وقد عاتب الله عز وجل المؤمنين في كتابه العزيز ودعاهم إلى أن تلين قلوبهم وتخشع لذكره تبارك وتعالى الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وهذا فيه الحث على الاجتهاد لحصول خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله تعالى من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك([8]).