لشهر شعبان منزلة عظيمة عند المسلمين؛ لأن الخير فيه متشعب. والعرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل: تشعبهم في الغارات، وقيل: لأنه شَعَبَ أي ظهر بين شهري رجب ورمضان (لسان العرب 1 / 503). وكانوا في الجاهلية يغالون في تعظيم شهر رجب، ويهملون شعبان؛ لذا جعل الإسلام له عدة فضائل منها ما يأتي:
أ- استحباب الإكثار من الصيام فيه
كان ـ ﷺ ـ يكثر من الصيام في شهر شعبان؛ لغفلة الناس عنه بين رجب ورمضان. فعَنِ ابْنِ أَبِى لَبِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فَقَالَتْ: “كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ. وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ. وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً” (متفق عليه).
وعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْها ـ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ وَكَانَ يَقُولُ: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ يَقُولُ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ» (متفق عليه).
لماذا أكثر النبي من الصيام في شعبان؟
وقد أكثر ﷺ من الصيام في شعبان دون المحرم:
- لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه.
- أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما. قال العلماء: وانما لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يظن وجوبه (شرح النووي على مسلم 8 /37).
ويرجع سبب إكثاره ﷺ من الصيام في شعبان لعدة أمور منها ما يأتي:
1- أنه شهر يغفل عنه الناس بين رجب وشعبان
2- أن أعمال العام تعرض في ذلك الشهر: فعن أسامة بن زيد ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ: قال: قلتُ: يا رسول الله، لم أرَكَ تصوم من شهر من الشهور ما تصومُ من شعبان؟ قال: “ذاك شهر يَغْفُلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إِلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي، وأنا صائم” (النسائي بإسناد حسن). وأعمال العباد في الأسبوع تُعْرض على الله عز وجل في يومي الاثنين والخميس. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ قَالَ: “تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اتْرُكُوا” أَوْ “ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا” (رواه مسلم).
3- قضاء النوافل: أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، وكان النبي ﷺ إذا عمل بنافلة أثبتها وإذا فاتته قضاها.
4- موافقة صيام زوجاته: وقيل إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم لذلك (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص135). فعن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِى شَعْبَانَ، الشُّغُلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ. وفي رواية: أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَانُ (متفق عليه).
حكم صيام يوم الشك وآخر شعبان
ونهى ﷺ أن يُسْبق رمضان بصوم يوم أو يومين لمن لم يصادف عادة له، أو يصله بما قبله. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ: «لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلاَ يَوْمَيْنِ، إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ» (متفق عليه).
- فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام هذا هو الصحيح في مذهب الشافعية لهذا الحديث.
- فإن وصله بما قبله أو صادف عادة له، فإن كانت عادته صوم يوم الاثنين ونحوه فصادفه فصامه تطوعًا بنية ذلك جاز لهذا الحديث.
وسواء في النهى عند الشافعية لمن لم يصادف عادته، ولا وصله، ويوم الشك وغيره فيوم الشك داخل في النهي، وفيه مذاهب للسلف فيمن صامه تطوعًا وأوجب صومه عن رمضان أحمد وجماعة بشرط أن يكون هناك غيم (شرح النووي على صحيح مسلم 7 / 194،195).
وعَنْ صِلَةَ بْن زُفَرَ الكوفي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ في الْيَوْمِ الَّذِى يُشَكُّ فِيهِ فَأُتِىَ بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ـ ﷺ ـ (رواه البخاري). ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، وهو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال، ولم تثبت رؤيته أو شهد واحد فردت شهادته، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما.
ب – مغفرة ذنوب العباد في ليلة النصف من شعبان
فالله عز وجل يطلع على قلوب عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع عباده إلا لمشرك أو مشاحن. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قالَ النبيُّ ﷺ: «إِن اللهَ لَيَطلِعُ فِي لَيْلَةِ النصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» (رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، وله شاهد صحيح عند الترمذي عن عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ).
وعن أبي ثَعلبة الخُشَنِيُّ قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ: “إنّ الله يَطّلِعُ على عِبادِهِ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنينَ وَيُمْلِي لِلْكافِرِينَ ويَدَعُ أهْلَ الحِقْدِ بحِقْدِهمْ حَتَّى يَدَعوهُ” (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف).
ج- شهر القراء
سمى السلف الصالح شعبان شهر القراء؛ لأنه إذا دخل عليهم شعبان تركوا الكثير من أمور دنياهم وأقبلوا على قراءة القرآن، واخرجوا زكاة أموالهم؛ عونًا لغيرهم على طاعة ربهم في رمضان، واستعدوا أتم الاستعداد لاستقبال رمضان؛ لعلمهم أنه ضيف عجول ما أن يبدأ إلا وينتهى، ويمر بهم سريعًا.
- قال ابن رجب: ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.
- قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء.
- وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء.
- وكان عمرو بن قيس المُلَائِي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
- قال الحسن بن سهل: قال شعبان: يا رب جعلتني بين شهرين عظيمين فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص135).
- وقال الحافظ ابن حجر: كان المسلمون إذا دخل شعبان، أكبوا على المصاحف، وأخرجوا الزكاة (فتح الباري 20/ 397).
د- حادث تحويل القبلة
في هذا الشهر تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في مكة المكرمة، وهذا الحادث خير شاهد على قوة وصلابة أهل الإيمان، ورسوخ عقيدتهم التي لا تتزعزع أبدًا، ولا تتغير ولا يمكن أن تتبدل، لذا لما سمعوا خبر التحويل، قالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: (آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا) [آل عمران: 7]. وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم. بل لما جاءهم الأمر، وهم في الصلاة، استجابوا له وتحولوا، وهم على هيئتهم في الصلاة؛ إمعانًا منهم في الاستجابة العملية الفورية لأمر الله عز وجل، وأمر رسوله ﷺ.
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ ﷺ ـ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ (متفق عليه).
دروس من تحويل القبلة
وهذا خلق المؤمن القوي الإيمان لا يجادل في أمر صح دليله، وقويت حجته. فكان حادث تحويل القبلة بمثابة اختبار لهم في إيمانهم، تبين من خلال موقفهم: قوة يقينهم بما يعتقدونه.
- وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا أنه الحق.
- وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله ولو كان نبيًا لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.
- وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه إن كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل وكثرت أقاويل السفهاء من الناس.
وكانت كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّا عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ) [البقرة: 143]. وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: 143].
وأن هذه القبلة هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها؛ لأنها أوسط القبل وأفضلها وهم أوسط الأمم وخيارهم فاختار أفضل القبل لأفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب وأخرجهم في خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ومنحهم خير الأخلاق وأسكنهم خير الأرض وجعل منازلهم في الجنة خير المنازل وموقفهم في القيامة خير المواقف فهم على تلٍّ عال والناس تحتهم فسبحان من يختص برحمته من يشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (زاد المعاد 3 / 57: 59).
