تعد حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في العام التاسع للهجرة من الوقائع الجليلة في تاريخ البيت الحرام وتنظيم شعيرة الحج؛ ففيها أُعلن للناس انقضاء عهد كانت تختلط فيه شعائر المسلمين ببقايا عوائد أهل الشرك، وفيها نودي ألا يحج بعد ذلك العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، كما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان” (متفق عليه) [1]، فكان ذلك تقدمة لحجة الوداع، وتهيئة للموسم الذي حج فيه رسول الله ﷺ في العام العاشر، وقد خلصت شعائر الحرم لأهل التوحيد.
سياق الحجة وبعث أبي بكر الصديق
لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، وأقام بالمدينة بقية رمضان وشوالاً وذا القعدة، بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج سنة تسع، ليقيم للناس حجهم، والناس يومئذ على منازلهم من الإسلام والشرك والعهود [2]. وكان في العرب من لا يزال يأتي الموسم على عوائد الجاهلية، ومنهم من يطوف بالبيت عرياناً، فجاءت هذه الإمرة إيذاناً بانتظام الموسم تحت سلطان الإسلام، وتمهيداً لما ينزل من حكم الله في أهل الشرك والعهود.
وتذكر كتب المغازي والسير أن أبا بكر خرج في جماعة من الصحابة، وساق معه هدياً، وبعث رسول الله ﷺ معه هدياً كذلك. وهذه التفاصيل تُذكر في باب السير والمغازي على وجه الاستئناس، وأصل الخبر ثابت بما صح من إمرة أبي بكر ونداء البراءة.
نزول براءة وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه
ثم نزل صدر سورة براءة، مفتتحاً بقوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1]، وفيه إعلان البراءة من المشركين وبيان ما لهم وما عليهم في العهود. فدعا رسول الله ﷺعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعثه في أثر أبي بكر، ليقرأ على الناس صدر السورة، ويؤذن فيهم بما أُمر به رسول الله ﷺ [3].
فلحق عليٌّ أبا بكر في الطريق، فقال له أبو بكر: أَمِيرٌ أم مأمور؟ فقال: مأمور. فمضيا جميعاً؛ أبو بكر رضي الله عنه على إمرة الحج وإقامة المناسك، وعلي رضي الله عنه على أذان براءة وتبليغها. وقد ذكر أهل العلم أن إرسال علي رضي الله عنه جاء موافقا لما تعارف عليه العرب في شأن العهود، إذ كان نقض العهد أو إعلانه يصدر من الرجل نفسه أو من رجل من أهل بيته [4].
مضمون النداء
ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر بعثه في رهط يوم النحر يؤذنون في الناس: “لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان” فهذان الأصلان هما عماد التحول في موسم الحج؛ إذ أعلن بهما منع المشركين من الحج بعد ذلك العام، وإبطال عادة الطواف عراة، وهي عادة جاهلية تنافي حرمة البيت وستر العبادة.
وجاءت روايات السنن والمسانيد بذكر بنود أخرى، منها قول علي رضي الله عنه: «بُعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد العام مشرك» [5].
فقه العهود
لم يأت إعلان براءة هدما لكل عهد على السواء؛ فقد فرّق القرآن الكريم بين من استقام على عهده ومن نقض، أو من كانت له عهود عامة غير مؤقتة. فأصحاب العهود المؤقتة الذين لم ينقضوا عهودهم ولم يظاهروا على المسلمين أحداً، أُمر المسلمون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم المحكومة بها، طالت أو قصرت، كما قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4].
وأما من لا عهد له، أو كان عهده مطلقاً غير مؤقت، أو كان عهده أقل من أربعة أشهر، فقد أُمهل أربعة أشهر يسيح فيها بآمان ليتدبر أمره، كما قال تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [التوبة: 2]، فظهر في هذه الحجة كمال الشريعة في الجمع بين الحزم والوفاء؛ حزمٌ في تنقية البيت من الشرك، ووفاءٌ لمن ثبت على عهده ولم يظاهر على المسلمين [6].
يوم الحج الأكبر
كان النداء في يوم النحر، وهو أظهر الأقوال في تفسير قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3].
وقد رجح جماعة من المفسرين أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، وذلك لاجتماع معظم مناسك الحج فيه، من رمي ونحر وحلق وطواف إفاضة. وقد تجلى هذا التحول التاريخي في حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع للهجرة، حين بعث رجالا ينادون في الناس بأمر رسول الله ﷺ: «ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». ووصف صفي الرحمن المباركفوري – رحمه الله- في كتابه الرحيق المختوم هذا المشهد مؤكدا أن هذا النداء كان بمثابة إعلان نهاية الوثنية في جزيرة العرب، وأنها لا تبدئ ولا تعيد بعد هذا العام [7].
أثر هذه الحجة في التمهيد لحجة الوداع
بهذه الحجة تهيأ البيت الحرام لحجة رسول الله ﷺ في العام العاشر. فقد زالت عن الموسم أعظم مظاهر الجاهلية من مشاركة المشركين في الحج، والطواف عراة، وتبيين مصير العهود القائمة. فلما قدم النبي ﷺ في حجة الوداع، وجد موسما قد انتظم لأهل الإسلام، وأمة تسمع منه بيان المناسك والحقوق والوصايا الجامعة.
ومن هنا يظهر وجه التمهيد التي أحدثته حجة أبي بكر رضي الله عنه، وكانت حجة الأذان والتنقية والتنظيم، وحجة الوداع كانت حجة البيان والإكمال والتعليم. ففي الأولى أعلن انتهاء مشاركة أهل الشرك في شعائر البيت، وفي الثانية وقف رسول الله ﷺ بين أمته معلماً ومودعاً، يقول لهم: ” خذوا عني مناسككم [8] وقرر ﷺ في خطبته حرمة الدماء والأموال، فقال: “إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”[9] ووضع أمر الجاهلية، فقال في خطبته: “ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع” [10].
الخلاصة
كانت حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في العام التاسع حلقةً فاصلة بين حج تختلط فيه بقايا الجاهلية بشعائر الإسلام، وحجٍّ خلصت فيه المناسك لأهل التوحيد. فيها تولى أبو بكر إمرة الموسم، وأدى علي أذان براءة، ونودي في الناس ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، مع حفظ العهود لأهلها إلى آجالها. وبذلك دخلت الأمة إلى حجة الوداع وقد تهيأ لها الحرم، واستقام لها الموسم، وصفا حجها من مظاهر الشرك، فكان البيان النبوي الأخير على أرض مهيأة لقبول تمام الرسالة وكمال الأداء.
