نقصد بطرق التلقي، الأساليب والكيفيات التي يتلقى بها الإنسان آيات الله في كتابيه المسطور والمنظور، وكيف يتعامل الإنسان مع آيات الله في الأنفس والآفاق. ونروم هنا إلى الحديث عن التعامل الإيجابي المفضي إلى الفقه عن الله في كل مناحي الوجود والحياة، وليس التعامل السلبي المعرض (وَكَأَينْ مِنْ ءايَةٍ فِي السمَوَاتِ وَالاَرْضِ يَمُرونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [سورة يوسف /  الآية:  105].

وهذه الأساليب هي كما يتلو:

أولا: الفقه/الفهم

أوردنا الفقه والفهم هنا مجتمعين، لما بينهما من التداخل والتقارب حتى أنك لا تكاد تفرق بينهما فتستعمل أحدهما مكان الآخر.

يقول ابن فارس: الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به. والفاء والهاء والميم علم الشيء[1]. ويقول أبو هلال العسكري: الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على تأمله[2]. والفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصة ولهذا يقال فلان سيء الفهم إذا كان بطيء العلم بمعنى ما يسمع… ولا يجوز أن يوصف الله بالفهم؛ لأنه عالم بكل شيء على ما هو به فيما لم يزل[3].

ويقول صاحب التعريفات: الفقه، هو في اللغة عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه، وفي الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وقيل هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد ويحتاج إلى النظر والتأمل ولهذا لا يجوز أن يسمى الله فقيها؛ لأنه لا يخفى عليه شيء. والفهم، تصور المعنى من لفظ المخاطب[4]. ويقول الراغب الأصفهاني: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم، وَفِقه أي: فهم. وقيل: الفقه هو العلم بغرض المخاطب من خطابه. يقال: فقهت كلامك أي: وقفت على غرضك من هذا الخطاب[5]. والفهم هيئة للإنسان بها يتحقق معاني ما يحسن، يقال فهمت كذا وقوله: “ففهمناها سليمان” وذلك بأن جعل الله له من فضل قوة الفهم ما أدرك به ذلك، وإما بأن ألقى ذلك في روعه أو بأن أوحى إليه وخصه به، وأفهمته إذا قلت له حتى تصوره والاستفهام أن يطلب من غيره أن يُفهمه[6].

نلاحظ أن التعريف اللغوي وتعريف الراغب أشمل من المعنى الاصطلاحي الذي ذكره الجرجاني، وهذا الأخير رغم قصوره -للأسف- هو السائد عبر قرون وأزمان، وهو المستقر في الأذهان، أما المعنى القرءاني الشامل للفقه فمغيب ومستبعد، يقول الغزالي: المهم أن كلمة “فقه” من الناحية اللغوية لها أبعاد غير ما استقر في الأذهان.. فنجد أن هناك فقها للفلك، وفقها للنفس، وفقها للأخلاق، وفقها للحضارة، وهذا ما نلمحه من قوله تعالى: (فَالِقُ الاِصْبَاحِ وَجَاعِلُ الَيْلِ سَكَنًا وَالشمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ النجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَر وَالْبَحْرِ، قَدْ فَصلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَر وَمُسْتَوْدَعٌ، قَدْ فَصلْنَا الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) [سورة الانعام / الآيات: 97- 99].

ما الفقه هنا إلا معرفة مستقر النفس الإنسانية قبل أن توجد وهي في الرحم لأن الآية: (ونُقِرُ فِي الاَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) [سورة الحج / الآية: 5]. ما المستودع؟.. إنه القبر. وما يصل إليه البدن.. ثم ما بين المستقر والمستودع من حياة، هذا كله يحتاج إلى فقه. هذا الفقه قد يكون فقها في علم الأجنة.. وقد يكون فقها في أشياء كثيرة كما توحي الآية هنا، فالفقه الذي أشار إليه القرءان هنا واسع المرادات”[7]. 

وقد جعل القرءان القلب مستقر الفقه[8] (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) [سورة التوبة / الآية: 88]. (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنةً اََنْ يَفْقَهُوهُ) [سورة الاسراء / الآية: 46]. وذم الذين يعطلون قلوبهم عن وظيفة الفقه ( لَهُمْ قُلُوبُُ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا) [سورة الاعراف / الآية: 179]. وذم الذين لا يفقهون القول والحديث ( فَمَا لِهَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [سورة النساء/ الآية: 77].

وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) [سورة الكهف / الآية: 89]. ولا يفقهون تسبيح المخلوقات من حولهم (يُسَبحُ لَهُ السمَوَاتُ السبْعُ وَالاَرْضُ وَمَنْ فِيهِن وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ اِلا يُسَبحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ) [سورة الاسراء / الآية: 44]. ولا يفقهون الآيات (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرفُ الاَيَاتِ لَعَلهُمْ يَفْقَهُونَ).[سورة الانعام / الآية: 66]. ونجد الأمر بالتفقه في قوله عز وجل: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةُُ لِيَتَفَقهُوا فِي الدينِ) [سورة التوبة / الآية: 123]. فالإنسان مطالب بالفقه عن الله في كل شيء، باعتباره المستخلف في الأرض، الموجه إليه الخطاب الإلهي.

يقول الحارث المحاسبي: “وكيف يكون المولى تبارك وتعالى وقد علم منا أنا قليل تعظيمنا له، ونحن لا نعبأ بفهم كلامه، وتدبر قوله فيما خاطب به، كما نعبأ بفهم كتب عبيده وحديثهم، الذين لا يملكون لنا ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. تبارك من يملك ذاك كله، وذلك أنه قد رآنا يأتي أحدنا كتاب من القرابة أو الأخ أو العامل أو الجار فلا يتمالك أن يقرأه، ويقرأه مرارا من حبه لصاحبه، ولا يرضى بقراءة حروفه دون الفهم بما كتب به إليه بإحضار عقل، وفقه للحروف، ليفهم ما أراد، وما الذي به أمر ونهى، وما أوحى. فإن أشكل عليه استخراج بعض حروفه استعان بغيره على قراءته ليستخرج له ما لم يستخرجه، ليعرف بذلك ما معنى الذي كتب به، وما الذي أراد، وما الذي يكن، خوفا أن يفوته فيه معنى منفعة، أو علم مضرة ليحذرها… أو حياء منه أن يقدم عليه، فيسألنا عن بعض ما كتبه فلا تقوى قلوبنا ونستحي أن نجيبه بأنا لم نقرأ كتابه. أو أنا قرأناه ولم نفهم ما كتب به؛ لأنه يرى أن ذلك تهاون منا به، وقلة عناية منا بالمرة”[9].

ويقول الغزالي: “فإن كلمة “قرأت”، عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها، تعني أن رسالة جاءته أو كتابا وقع بين يديه فنظر فيه وفهم المقصود منه.. فمن حيث الدلالة لا أجد فكاكا بين القراءة والفهم”[10].

فالإنسان مطالب بالقراءة ومأمور بها، مطالب بأن يقرأ كتاب الله عز وجل ويفقه ويفهم عن الله عز وجل كلامه، وسننه المبثوثة في هذا الوجود. لما زود به من وسائل إدراكية وهي: القلب والسمع والبصر أو ما يسمى بمداخل المعرفة في الإنسان[11].

ثانيا: العقل

يقول ابن فارس: عقل، العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطرد، يدل عُظْمُه على حبيسة في الشيء أو ما يقارب الحبيسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل. قال الخليل: العقل، نقيض الجهل، يقال عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله. وجمعه عقول. ورجل عاقل وقوم عقلاء وعاقلون ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم وافر العقل[12]. 

يقول الراغب الأصفهاني: العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عَقْلُُ ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

  • العقل عقلان
  • مطبوع ومسموع
  • ولا ينفع مسموع
  • إذا لم يك مطبوع
  • كما لا ينفع ضوء الشمس
  • وضوء العين ممنوع

وإلى الأول أشار صلى الله عليه بقوله: “مَا خَلَقَ اللهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ” وإلى الثاني أشار بقوله: “مَا كَسَبَ أَحَد شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ يَهْدِيهِ إِلَى هُدًى أَوْ يَرُدهُ عَنْ ردًى” وهذا العقل المعني بقوله: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ) [سورة العنكبوت / الآية: 43]. وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول نحو: (وَمَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذِي يَنْعِقُ) إلى قوله: (صُم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة / الآية: 170] وأصل العقل الإمساك والاستمساك كعقل البعير بالعِقال[13].

ولا نجد في القرءان حديثا عن العقل، لا بالصيغة المصدرية ولا الاسمية، وإنما نجد وظيفة التعقل ممثلة في الصيغة الفعلية: تعقلون ويعقلون وعقلوه ونعقل، وقد ذكرت هذه الوظيفة للإنسان في تسعة وأربعين موضعا معزوة إلى القلب في موضع واحد هو: (اَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُُ يَعْقِلُونَ بِهَا).[سورة الحج / الآية: 44].

ونلاحظ من خلال الآيات التي ذكر فيها التعقل أن “التعقل وظيفة عامة لكل أنواع الإدراك، ولجميع عمليات التفكير والنظر والفقه والتدبر والتذكر. ولكننا إذا نظرنا إلى الآيات التي ذكر فيها التعقل ذكرا صريحا نجدها تشير إلى الأدوار التالية:

– وظيفة تعقل تشير إلى الإدراك الإنساني المتميز المنسجم مع الفطرة التي لا تتناقض مع نفسها بأن تقول شيئا وتخالفه، وهو يشير إلى أن العاقل هو الذي يعمل عقله ولا يتناقض معه فيعمل بما لا يعمل ولا يسوي بين الخبيث والضار والطيب والنافع؛ فالذي يعقل إنما يلجم الأمور بلجام العقل، فلا يترك لنفسه الحبل على الغارب ومن الآيات الدالة على ذلك المعنى قوله سبحانه: (أَتَامُرُونَ الناسَ بِالْبِر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة البقرة / الآية: 43] / (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِن الذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [سورة المائدة / الآية: 105]؛

– وظيفة لتحصيل العلم بالقياس، وذلك لاستنتاج معرفة عقلية إيمانية، مثل الإيمان بقدرة الله على البعث، من خلال آية أو معجزة حسية مشاهدة قال تعالى: (فَقُلْنَا اَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمُ ءايَاتِهِ لَعَلكُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة البقرة / الآية: 72] / (وَيُنَزلُ مِنَ السمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِن فِي ذَلِكَ ءلايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [سورة الروم / الآية: 23]؛

– وظيفة تشير إلى دور العقل في فهم الآيات القرآنية والعلم بها (إِنا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيا لَعَلكُمْ تَعْقِلُون) [سورة يوسف / الآية: 2] / (لَقَدْ اَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمُ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)[14] [سورة الانبياء /  الآية: 10].

– وظيفة تشير إلى دور العقل في معرفة أن الأفضلية للأبقى والأدوم، فيقدم ما هو أبقى على ما هم أفنى وبذلك يقدم الآخرة على الدنيا، لأنها خير وأبقى، يقول عز وجل: (وَللدارُ الاَخِرَةُ خَيْرُُ لِلذِينَ يَتقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة الانعام / الآية: 33] / (وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرُُ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة القصص / الآية: 60]؛

– وظيفة تشير إلى دور العقل في الوصول إلى الحقيقة عبر قراءة التاريخ (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التوْرَاةُ وَالاِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة ال عمران / الآية: 64] / (فَكَأَينْ مِنْ قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةُُ فَهِيَ خَاوِيَةُُ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِيرٍ مُعَطلَةٍ وَقَصْرٍ مشِيدٍ اَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُُ يَعْقِلُونَ بِهَا).[سورة الحج /  الآيتان: 43 -44]؛

– وظيفة تشير إلى دور العقل في أخذ العبرة والحكمة من الأمثال (وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلناسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ) [سورة العنكبوت / الآية: 43]؛

– وظيفة تشير إلى دور العقل في إدراك دلالة الآيات على الله عز وجل: (وَتَصْرِيفِ الريَاحِ وَالسحَابِ الْمُسَخرِ بَيْنَ السمَاءِ وَالاَرْضِ ءلايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة / الآية: 163] / (وَهُوَ الذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اليْلِ وَالنهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة المومنون / الآية: 81] / (وَسَخرَ لَكُمُ اليْلَ وَالنهَارَ وَالشمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنجُومَ مُسَخرَاتٍ بِأَمْرِهِ إِن فِي ذَلِكَ ءلايَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).[سورة النحل / الآية: 12].

خلاصة القول: إن “دور التعقل يجني ثمار النظر إلى الواقع وما فيه من مشاهد كونية وأسرار نفسية في الإنسان، أي: إعماله في عالم الشهادة، إعمالا يوصل إلى رأس المعرفة، وهي معرفة الله سبحانه. وهنا نلاحظ دور العقل مع الحواس، والارتفاع بالإنسان من مجرد أنه مخلوق مع سائر الكائنات، إلى أنه مخلوق مميز عنها بقدرة استنتاج المعاني من النظر في الأشياء. كما يبرز القرءان دور العقل مع الحواس في عالم الشهادة، فيجعل دور العقل معطلا في هذا الميدان بتعطل الحواس، وهنا نرى دور الحواس في عملية المعرفة، وأن العقل في مجال الحسيات لا يعمل بدونها (صُم بُكْمُ عُمْيُ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة / الآية: 170].

كما أنه أبرز في آيات أخرى أن الحواس لا قيمة لها في المعرفة بغير تعقل، إذ قال سبحانه: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصمََ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ) [سورة يونس / الآية: 42] / (فَإِنهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصدُورِ) [سورة الحج / الآية: 44])[15]. إنه الترابط الوظيفي في كينونة الإنسان العارفة الذي لاحظناه أثناء حديثنا عن مداخل المعرفة في الإنسان، وسنلحظه في كل وظيفة من الوظائف الإدراكية في الإنسان.

ثالثا: التفكر

جاء عند صاحب المقاييس: الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبرا. ورجل فِكير: كثير الفكر[16]. وقال أبو هلال العسكري: التفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل[17]. وقال الجرجاني: التفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب[18]. ويقول الراغب: الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب…

قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها[19]. وعرفه الغزالي فقال: “هو أن تجمع بين علمين مناسبين للعلم الذي أنت طالبه بشرط عدم الشك فيهما، وفراغ القلب عن غيرهما، وتحدق النظر فيهما تحديقا بالغا، فلم تشعر إلا وقد انتقل القلب من الميل الخسيس إلى الميل النفيس، إحضارا لمعرفتين يسمى تذكرا وحصول المعرفة الثالثة المقصودة من هاتين المعرفتين يسمى تفكرا”[20].

فالمعنى الاصطلاحي للتفكر لم يخرج عن المعنى اللغوي، بل كلاهما يدور حول حركة الجهة المدركة في الإنسان وانتقالها من حال إلى حال وتصريفها في عناصر الوجود قصد تحصيل معرفة أو علم، ونهاية العلم والمعرفة هي معرفة حقيقة الوجود التي مدارها على أن الله وحده وراء هذا الوجود.

وذكر التفكر في القرءان في 18 موضعا، لم يرد ولا في موضع واحد إسناده إلى عضو في الإنسان، لكنه لا يخرج عن وظائف القلب باشتراك مع باقي الأعضاء المدركة في الإنسان. وموضوعات التفكر في القرءان لا تخرج عن الوظيفة الموصلة إلى المعرفة من خلال الآيات سواء المسطورة أو المنظورة. وهذه الموضوعات كالتالي:

– التفكر في شخص الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي الأمثال التي ضربها الله للناس في القرءان، من أجل التيقن أن هذا القرءان وحي من الله عز وجل، وأن الرسول إنما هو بشر يوحى إليه من الله عز وجل وما هو بمجنون، وأن ماجاء به صادر عن الله وحده دون غيره من خلقه. (قُلْ اِنمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ اَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُم تَتَفَكرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنةٍ اِنْ هُوَ إِلا نَذِيرُُ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ[21]) [سورة سبإ /  الآية: 46] / (لَوْ اَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ. وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلناسِ لَعَلهُمْ يَتَفَكرُونَ) [سورة الحشر / الآية: 21]؛

– التفكر في آيات الله المسطورة للاستهداء بها في أضرب الحياة، والارتفاع بها عن مستوى الحيوان (المادة)، والحذر مما حذرت منه واتباع ما أمرت باتباعه، والتمييز بين النافع والضار والصالح وغير الصالح. والتفكر في كيفية عمل الوحي في مجال الكائنات الأخرى، فهي تعمل بوحي من ربها، وكيف يجب أن يعمل الإنسان الوحي في مجاله ويستهدي به للتي هي أقوم، (كَذَلِكَ يُبَينُ اللهُ لَكُمُ الاَيَاتُ لَعَلكُمْ تَتَفَكرُونَ) [سورة البقرة / الآية: 217 والآية: 265]. (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلهُمْ يَتَفَكرُونَ) [سورة الاعراف / الآية: 176].

– التفكر في النفس البشرية وفي خلق السموات والأرض، وفي المظاهر الكونية المتعاقبة من موت بعد حياة وحياة بعد موت، وأن كل شيء مخلوق لأجل مسمى. والتفكر فيما بين الموت والنوم من تقارب وتشابه، فالذي يرسل النفس من نومها هو الذي يبعث النفس بعد موتها. كل هذا من أجل معرفة أن الدنيا ليست هي نهاية المطاف، بل هناك بعث ونشور، وهناك حياة أخرى هي الباقية فيها يجازى كل بما عمل في الحياة الدنيا.

 يقول عز وجل: (اللهُ يَتَوَفى الاَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاخرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمى إِن فِي ذَلِكَ ءلايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ) [سورة الزمر / الآية: 39] / (أَوَ لَمْ يَتَفَكرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السمَوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَق وَأَجَلٍ مُسَمى وَإِن كَثِيرًا مِنَ الناسِ بِلِقَاءِ رَبهِمْ لَكَافِرُونَ) [سورة الروم / الآية: 7] / (إِنمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدنْيَا كَمَاءٍ اَنْزَلْنَاهُ مِنَ السمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِما يَاكُلُ الناسُ وَالاَنْعَامُ، حَتى إِذَا أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازينَتْ وَظَن أَهْلُهَا أَنهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ) [سورة يونس / الآية: 24] / (وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَوَاتِ وَالاَرْضِ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ) [سورة ال عمران / الآية: 191]؛

– التفكر في آيات الله المبثوثة في الكون، أي: هذه المخلوقات المشاهدة من أرض وجبال وأنهار وليل ونهار… لمعرفة أن هناك خالقا لهذه المخلوقات أعظم منها؛ فالطريق إلى معرفة الله هو التفكر في مخلوقاته، فآياته المشاهدة المبثوثة في الكون تدل عليه (وَهُوَ الذِي مَد الاَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُل الثمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اليْلَ النهَارَ إِن فِي ذَلِكَ ءلايَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ[22]) [سورة الرعد / الآية: 3].

فالتفكر إذن لا يكون إلا بما يمكن للقلب والحواس أن تدركه مما هو في عالم الشهادة، والانتقال من هذا العالم كله كأثر من وجود الله إلى الإيمان به سبحانه وتوحيده. فالتفكر “عبادة”[23] حرة طليقة لا يحدها شيء سوى التفكر في ذات الله سبحانه وتعالى، فقدرات الإنسان الإدراكية محدودة جدا، فإذا كان لا يعرف حتى أسرار نفسه التي هي أقرب شيء إليه ناهيك عن باقي أسرار عالم الشهادة، فكيف به يجرؤ على التفكر فيمن (لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ) [سورة الانعام / الآية: 104].

ولهذا قال، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “تَفَكرُوا فِي خَلْقِ اللهِ وَلاَ تَتَفَكرُوا فِي اللهِ فَإِنكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ[24]. وقد تساءل الزمخشري عن معنى (الرحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [سورة طه / الآية: 4]، فرد عليه الغزالي بهذه الأبيات من الشعر:

قل لمن يفهمُ عني ما أقول         قصر القولَ فذا شرح يطولْ

ثَم سِر غامض من دونه           قَصُرَتْ -والله- أعناق الفحول

أَيْنَ منك الروحُ في جوهرها       هل تراها أم ترى كيف تجول

وكـذا الأنفاسُ هل تحصُرها       لا. ولا تدري متى عنك تزول

أين منك العقلُ والْهَم  إذا          غَلَبَ النومُ فقل لي يا جهول

أنت، أًكْلُ الخبزِ لا تعرفه          كيف يجري منك أم كيف تبول

فإذا كانت طواياك التي            بين جنبيك فيها ضلول

كيف تدري من على العرش استوى    لا تقل كيف استوى كيف النزول

كيف يحكي الرب أم كيف يُرى          فلعمري ليس ذا إلا فضول

فهو لا أينَ ولا كيف له                وهو رب الكيفِ والكيفُ يحول

جَل ذاتًا وصفاتٍ وسما              وتعالى قدره عما تقول[25]

لكن هذا لا يمنع من التفكر في الغيب، فيما بعد الموت وفي البرزخ والآخرة…؛ لأن هذه الظواهر وإن كانت في عالم الغيب أي: مما هو خفي عن الإنسان، فإن لها أمثالا وصورا في عالم الشهادة، ثم إن الوحي (قرءانا وسنة) أخبر عنها مما يقرب صورتها في الذهن؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يتفكر إلا فيما يمكن أن يتصوره أو فيما له صورة، لهذا كان التفكر في ذات الله محالا؛ لأنه لا صورة له.

رابعا: التذكر

التذكر أصله من الذكر، عرفه الراغب الأصفهاني بقوله: الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره[26]. فالتذكر إذن استحضار للمعرفة، وهو أشد من الذكر؛ لأن الذكر حضور الشيء في القلب من غير مشقة ولا طلب، أما التذكر ففيه بذل الجهد والوسع طلبا لحضور المعرفة في القلب. ولهذا قال الغزالي: إحضار لمعرفتين يسمى تذكرا[27].

وذكر الذكر ومشتقاته في القرءان في 108 موضعا منها 51 في صيغة التذكر خاصة، والتذكر في القرءان له وظيفة معرفية توجب وتستلزم الشكر والثناء على الله. فالتذكر إذن استحضار واسترجاع للمعلومات والمعاني سواء منها:

– المعاني الفطرية أو المعلومات السابقة التي تقر بها الفطر جميعا، ويتناساها الإنسان في غمرة التحدي والإعراض والانحراف، يقول عز وجل: (هَذَا بَلاَغُُ لِلناسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنمَا هُوَ إِلَه وَاحِدُُ وََلِيَذكرَ أُولُوا الاَلْبَابِ) [سورة إبراهيم / الآية: 54] / (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشْأَةَ الاُولَى فَلَوْلاَ تَذكرُونَ) [سورة الواقعة / الآية: 62] / (قُلْ لِمَنِ الاَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ اَفَلاَ تَذكرُونَ[28]) [سورة المومنون / الآيتان: 85- 86].

– التذكر للمعاني من خلال النظر في الآيات الكونية والسنن الاجتماعية والآيات القرءانية، أو من النظر باسترجاع المعاني وأخذ العبرة من مصارع الغابرين، والمعلومات التاريخية، وذلك في قوله عز وجل: (أَوَ لَمْ نُعَمرْكُمْ مَا يَتَذَكرُ فِيهِ مَنْ تَذَكرَ وَجَاءَكُمُ النذِيرُ) [سورة فاطر / الآية: 37] / (وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الريَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتى إِذَا أَقَلتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُل الثمَرَاتِ، كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلكُمْ تَذكرُونَ) [سورة الاعراف / الآية: 56] / هُوَ الذِي يُرِيكُمُ ءايَاتِهِ وَيُنَزلُ لَكُمْ مِنَ السمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكرُ إِلا مَنْ يُنِيبْ) [سورة غافر / الآية:  12]. وغير هذا من الآيات.

وأكثر الآيات التي ذكر فيها التذكر جاءت في سياق التذكير بالنعم، وأمر للإنسان بتذكر نعم الله عليه التي لا تعد ولا تحصى ومن ثم تقديم الشكر له بحسن عبادته وإخلاصها له، يقول عز وجل: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالاَعْمَى وَالاَصَم وَالْبَصِيرِ وَالسمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اَفَلاَ تَذكرُونَ) [سورة هود / الآية:  24] / (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنمَا يَتَذَكرُ أُولُوا الاَلْبَابِ) [سورة الزمر / الآية: 10] / (وَمِنْ كُل شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلكُمْ تَذكرُونَ) [سورة الذاريات / الآية: 49].

وسمي القرءان ذكرا لأنه كلام الله الذي أنزله على البشر عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، مذكرا للناس بأنهم عباد الله وبأنهم مكرمون على سائر المخلوقات، وأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، ومذكرا للإنسان بالعداوة التي بينه وبين الشيطان، ومذكرا لهم كذلك بأنه الدين الذي أنزله على الأنبياء من قبل. ومذكرا لأهل الكتاب بما نسوا من كتبهم وبما أخفوا وبما حرفوا منها. وأخيرا مذكرا للإنسان أي إنسان عبر الزمان والمكان، بالأمانة التي أشفقت منها السموات والأرض وحملها الإنسان، إنها أمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها والمحافظة على أصل الصلاح فيها، ومذكرا للإنسان بحاجته إلى الوحي.

خامسا: التدبر

قال صاحب الفروق: التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب[29]. وقال الجرجاني: التدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور، وهو قريب من التفكر إلا أن التفكر تصرف القلب بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب[30].

فالتدبر إذن هو تصرف القلب بالنظر في العواقب، وعاقبة الشيء هي مآله وما يرجع إليه أو حقيقة الشيء ومنتهاه. وقد جاء التدبر في القرءان وظيفة للقلب، موضوعها الوحيد هو القرءان الكريم، وذلك من أجل معرفة أنه كلام الله ولو كان قول بشر لكان متناقضا بعضه مع بعض، في حين أن هذا القرءان هو كالكلمة الواحدة، متسق كالبنيان يشد بعضه بعضا، (اَفَلاَ يَتَدَبرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [سورة النساء / الآية: 81].

وأن رسالة القرءان ليست بدعا من الرسالات، بل هي متممة للرسالات السابقة، وأن هذا الرسول ليس بدعا من الرسل وأنهم يعرفونه؛ لأنه مذكور في الكتب السابقة وأن ما جاء به حق، (أَفَلَمْ يَدبرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ ءابَاءَهُمُ الاَولِينَ. أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنةُ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَق كَارِهُونَ) [سورة المومنون / الآيات: 69- 71]. ثم تدبر لآيات القرءان لمعرفة أن الله ما خلق السموات والأرض ولا الإنسان باطلا، وأن عمله سوف يرى وسيجازى المصلح بإصلاحه ويعاقب المفسد على إفساده (كِتَاب اَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لِيَدبرُوا ءايَاتِهِ وَلِيَتَذكرَ أُولُوا الاَلْبَابِ) [سورة ص / الآية: 28] / (أَفَلاَ يَتَدَبرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ اَقْفَالُهَا) [سورة محمد / الآية: 25].

فالهدف من الوحي ليس النظر إليه على أنه مجرد خبر أو وصف أو نص من النصوص، وإنما النظر إليه وفيه وتدبره باعتباره يهدف إلى بناء الحياة الإنسانية وفقا لمنهجه في بناء الحياة الأقوم؛ لأنه يستوعب الحياة والإنسان والزمان والكون وحركته لأن مصدره الله الذي أحاط بكل شيئا علما ولا يخفى عليه شيء في السموات والأرض فيما كان وفيما سيكون والذي خلق وهو اللطيف الخبير.

سادسا: السير في الأرض

لماذا السير في الأرض وليس في غيرها؟؛ لأن الأرض هي مستقر الإنسان ومسرح الحياة وأحداثها وتاريخها، ومستودع الإنسان بعد الموت. وليس المراد بالسير السياحة المادية، وإنما السياحة الفكرية، أي السير في الأرض بقلوب عاقلة وآذان سامعة وعيون مبصرة (اَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُُ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ -اذَان يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصدُورِ) [سورة الحج / الآية: 44].

إنه السير باستعمال كل مداخل المعرفة في الإنسان وتوظيفها. وقد ورد الأمر بالسير في الأرض في 13 موضعا مقترنا بأمر آخر وهو النظر (قل سيروا فانظروا)، وليس النظر بمعنى الرؤية البصرية المجردة وإنما هو كما أشرنا سابقا عمل لهذه المداخل (القلب والأذن والعين) مجتمعة، إنه النظر المنتج للعلم والمعرفة عن طريق النظر في الشواهد والبينات والدلائل. وهذا النظر ليس في السماء ولا في باقي المخلوقات كما مر معنا، وإنما هو نظر في عواقب أقوام وما انتهوا إليه، إنه نظر في واقع حياة الناس لاكتشاف السنن والقوانين التي تحكم سير الحياة والعمران البشري.

لهذا جاء القرءان يأمر الناس بالسير في الأرض لينظروا ما آل إليه القوم الذين كذبوا ورفضوا تشكيل الحياة والحضارة بالوحي، وأشركوا بالله وشكلوا حضارتهم بمنهج الشيطان وما يمليه عليهم. ولينظروا أن “القوة لا تشكل مقياس الحضارة بمفردها، وإنما التقوى والإيمان هما أساس كل تشكل حضاري في حياة الناس، وما لم تؤسس البشرية على أساس التقوى والإيمان بالله لنهوضها الحضاري، فإن العاقبة ستكون العذاب والهوان في الدنيا والآخرة.

ونظرا لكون الإنسان هو الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل، ونظرا لكون السنن الحاكمة في الكون والحياة هي سنن لا تحويل لها ولا تبديل، فإن معنى ذلك أن يستمر الإنسان بلحظ الواقع في إطار من هذه السنن لضبط مساره وتحوله الدائم نحو المستقبل لأن آيات القرءان والمثال القرءاني تحديدا يدعو إلى ضرورة استقراء الواقع وملاحظة التجربة من خلال السير في الأرض والاعتبار بالأحداث واستخلاص الدروس والعبر منها والتأمل في المصائر التي آلت إليها الأقوام السابقة.

إنها دعوة إلى الاعتبار الواعي والمسؤول لتجنب أي منزلق حضاري في المستقبل”[31]، يقول عز وجل: (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَد مِنْهُمْ قُوةً وَأَثَارُوا الاَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِما عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَينَاتِ، فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[32])[سورة الروم / الآية: 8] / (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمرَ اللهُ عَلَيْهِم وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) [سورة محمد / الآية: 11]. (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَن فَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ) [سورة ال عمران / الآية: 137].

ثم دعوة للسير في الأرض والنظر في تاريخ البشرية، لمعرفة سنة الله في الحياة وهي سنة الزوجية (وَمِنْ كُل شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) [سورة الذاريات / الآية: 49].  فهناك الدنيا والآخرة، والجنة والنار، والصلاح والفساد، والإيمان والشرك، والله والطاغوت، المهتدون والضالون، الاستجابة والإعراض، القاسطون والظالمون، المؤمنون والمشركون، المصدقون والمكذبون، المتقين والمجرمون،…

هذه الثنائيات المتضادة تدل على أن هناك تصادما في الحياة مستمر بين قوى ومبادئ مختلفة توحي إلى سنة أخرى وهي سنة التدافع، فالحياة الإنسانية لا بد فيها من التدافع، تدافع بين الإيمان والكفر بين الصلاح والفساد بين الخير والشر، فيكون البقاء للأصلح والأتقى وتكون الشهادة للإيمان (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَيَتخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِب الظالِمِينَ) [سورة ال عمران /  الآية: 140].  فيحق الله الحق بكلماته ويزهق الباطل إنه كان زهوقا، يقول عز وجل: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ اَيْدِي الناسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ، قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) [سورة الروم / الآيتان: 40- 41] / (قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ) [سورة النمل / الآية: 7] / (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُل أُمةٍ رَسُولاً اَنْ اَعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقتْ عَلَيْهِ الضلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ[33]) [سورة النحل / الآية:36] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ مِنْ اَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرُ لِلذِينَ اتقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة يوسف / الآية: 109].

فمقتضى السير في الأرض إذن، هو أن يكون الإنسان/ الأمة في حالة رصد واقعي ودائم للتحولات النفسية والواقعية للشعوب سواء في الماضي أو الحاضر، وهذا ما يختزنه القصص والمثال القرءانيان في كشفهما مسار الأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل، أن يتحقق الإنسان/ الأمة بالوحي نفسيا وواقعيا، وأن ترصد أحداث الزمن والعالم، فتعتبر بالماضي في بناء الحاضر والمستقبل.

فهذه هي صفات عباد الرحمن، قوم يقبلون على القراءة بحواسهم، فهم: يسمعون، ويبصرون، ويعقلون، ويفقهون، ويتفكرون، ويتذكرون، ويتدبرون، ويسيرون في الأرض فينظرون، ومن ثم يتحركون ويعملون. فكل وظيفة من الوظائف وكل طريق من الطرق التي ذكرناها لا تعمل بصورة منفصلة في الكينونة الإنسانية، بل بصورة مترابطة متكاملة ترابط الكينونة الإنسانية الواحدة. فالإنسان ذو القلب يتذكر ويتفكر ويعقل المشهد الواحد ويتدبر وينظر ويفقه وهكذا. فالكينونة الإنسانية ليست انشطارية في وظائفها.


نعيمة لبداوي – باحثة في الدراسات القرآنية