أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، ثم نزل بعد ذلك منجّمًا ومفرّقًا حسب الأحداث. وقد استمر نزول القرآن على النبي 23 سنة، وكانت آخر آية نزلت بمكة في حجة الوداع قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3)، وكانت هذه الآية بمثابة إعلان اكتمال الدين والشريعة واستكمال أركانه وأحكامه وتشريعاته.

والقرآن نزل ليكون منهج حياة للمسلمين، وليصنع وعيهم تجاه كل ما يتعلق بشؤونهم على مر التاريخ. وفي رمضان يعود المسلمون إلى القرآن قارئين وتالين ومتدبرين لسوره وآياته، فما هو أثر القرآن على حياتهم، وكيف يطبقونه في حياتهم اليومية؟

القرآن الكريم هداية للحق ومنهج للسعادة

لقد جاء القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء، وهو يهدي للحق وإلى طريق مستقيم، ومن خلاله يتعرف المسلم على سر الحياة وحقيقة الدنيا ومهمته على هذه الأرض، وهو المنهج الذي منه يتعلم الأسس والمبادئ التي تصنع سعادته وتبعده عن الخطأ وتضمن سلامته، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: 185).

والمسلمون يقبلون على تلاوة القرآن في رمضان ويتنافسون بعدد الختمات، وهذه لا شك فيها أجر عظيم وخير كبير، إلا أن التدبر في القراءة والعمل بها هو غاية نزول القرآن. وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “إذا سمعت الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا}، فأصغِ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه” (شعب الإيمان للبيهقي، ج3 ص408).

ومفهوم كلام ابن مسعود هنا أن على المؤمنين أن يكونوا حاضرين للامتثال للأمر والابتعاد عن الشر الذي سيرد النهي عنه في كل آية يتلونها، وأن يكونوا مقبلين على القرآن مستشعرين عبوديتهم لله سبحانه وتعالى راضين بحكمه ممتثلين لكل أوامره.

الغاية من الصيام في ظلال القرآن

ومن أوضح وأجلّ تأثير القرآن على حياة المسلمين في رمضان أن الله بيّن الغاية منه في القرآن بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والآية هنا تلفت عناية المؤمنين بأن الصيام لم يكن فريضة جديدة عليهم، بل قد فرضه الله على أمم سابقة، وأن الغاية للجميع {لعلكم تتقون}، ولم تذكر تفاصيل أخرى عن العبادات المترافقة مع الصيام كالصلاة والذكر والدعاء ونحوها، إذ فرائض الإسلام مترابطة بعضها ببعض، وأن المسلم بإمكانه التقرب إلى الله في هذا الشهر بما شاء من القربات بعد أدائه الفرائض التي كتبها الله عليه.

وإن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن للعمل به والسير وفق نظامه. قال في حجة الوداع: “تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنتي” (صحيح مسلم، حديث رقم 2408).

أثر العمل بالقرآن على استقامة السلوك

وإن العمل بكتاب الله والاعتصام به يورث المرء استقامةً في أقواله وأفعاله، وحسنَ خلقٍ تجاه عباد الله، ويكون العمل بالقرآن من خلال التزام ما أمر الله به من الواجبات والأعمال المفروضة، والابتعاد عما نهى الله عنه من الأفعال والأمور المحرمة، وذلك لما فيها من أضرار تعود على الفرد وعلى المجتمع وعلى الأمة أيضًا. وإن العمل بالقرآن أيضًا يقتضي أن يكون قارئه نموذجًا راقيًا من حسن الخلق والتعامل، عفيف اللسان من الغيبة والنميمة والكلمات البذيئة النابية، صافي القلب من الكراهية والبغضاء، متخلقًا بخلق الأمانة، بعيدًا عن الغش والخيانة.

العبرة والعظة من قصص القرآن الكريم

كما أن علينا ونحن نقرأ القرآن أن نتمعن ونتدبر قصص القرآن الكريم ونستخلص ما فيه من العظات والعبر. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111)، ونستلهم ما فيها من عِبر مصارع الأمم الغابرة، وما هي أسباب زوالها وفنائها، وأسباب دوامها واستمرارها، بالإضافة إلى مصارع الظالمين وما هي أفعالهم التي أودت بهم إلى الهلاك، كقصة فرعون وموسى مثلًا، وغيرها الكثير مما ورد في القرآن، مما يعين على تجاوز مصاعب الحياة للفرد أو الجماعة، كما في قصة يوسف عليه السلام، وكيف تجاوز تلك المصاعب والمحن التي تعرض لها في حياته، بدءًا من إلقائه في البئر حتى دخوله السجن، ثم خروجه منه ليصبح عزيزًا لمصر يأمر وينهى ويحكم.

الاقتداء بالرسول والصحابة في التعامل مع القرآن

وإن المسلم إذا تدبر آيات القرآن وقرأها بعقل وفكر، فاتبع الأوامر للعمل بها والنواهي للاجتناب عنها، وتخلق بأخلاق القرآن، يكون بذلك قد اقتدى بخير البشر ، الذي كان كما قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق النبي فقالت: “كان قرآنًا يمشي على الأرض”، ومقتديًا بصحابة النبي الذين فهموا الهدف من نزول القرآن، فجعلوه دستورًا يديرون به شؤون حياتهم، وكانوا يطبقون كل ما جاء فيه، ولا يقومون بعمل حتى يعرضوه على القرآن الكريم أو فعل النبي وقوله ليعرفوا حكمه فيه قبل القيام به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: “حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعاً”، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، ص9).

خاتمة: نداء للعودة إلى كتاب الله في شهر القرآن

ولهذا حري بنا ونحن في شهر رمضان، شهر القرآن، أن نعود إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، ننهل من معينه العذب الصافي، نتخلق بأخلاقه ونعمل بأوامره ونبتعد عن زواجره، ونتمثل صفة النبي بأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض. وشهر القرآن ينبغي أن نجعله محطة تزودنا بتعاليم القرآن وأخلاقه ليكون معنا طيلة أيام العام، وهذا لا يعني أننا نقلل من شأن التلاوة بل نحض عليها مع التدبر والعمل، وأجر تلاوة كتاب الله تعالى كما هو معلوم عظيم وكبير، وللمرء في كل حرف يتلوه حسنة والحسنة بعشر أمثالها كما أخبرنا النبي .

جعلنا الله ممن يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار متدبرين آياته عاملين بأحكامه..