إدمان العلاقات العاطفية هو نمط سلوكيٌّ يتميز بـالاعتماد المفرط والقهري على شخص آخر، من أجل تلبية احتياجاته العاطفية، أو لتحديد قيمته الذاتية، أو لتحقيق الإحساس بالأمان، وهو ما يسمى بإدمان الحب، فصاحِبُه يقع في الحب لحاجته إلى أن يكون محبوبًا، أو مطلوبًا، وهذا النمط يجعل صاحبه غيرَ قادر على الشعور بالسعادة دون وجود الشريك، حتى لو كانت العلاقة بينهما مؤذية أو سامة.

والشريعة الإسلامية لم تذكر الإدمان العاطفيَّ باسمه المعروف، وإنما يستدل عليه ضمنيًّا من خلال النصوص التي تحدثت عن التعلق المفرط بغير الله، واتباع الهوى، والانغماس في العلاقات غير المنضبطة، لأن هذا التعلق يورِث الاضطرابَ والضعف النفسي، وهو من صور الانحراف في الحب والمشاعر؛ قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة: 165].

فالآية تبين خطورة التعلق بغير الله تعلقًا يشبه أو يزاحم محبة الله، وهو جوهر الإدمان العاطفي؛ إذ يصبح المحبوب أو العلاقة مركزَ حياة الشخص، وسبب سعادته أو شقائه.

وقال : ((ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه؛ كما يكره أن يُلقى في النار))؛ [صحيح الجامع]، ودلالة الحديث أن الحب في الإسلام يجب أن يكون منضبطًا، وأعظمه أن يكون لله، أما الإدمان العاطفي فيُقدِّم العاطفة على الطاعة والإيمان.

تقول ليلى: أنا فتاة جامعية كنت أبحث عمن يفهمني ويستمع إليَّ، حتى وجدت عبر وسائل التواصل شابًّا يبادلني الاهتمام، تعلقت به يومًا بعد يوم، حتى أصبحت حياتي تدور حول رسائله واتصالاته، كنت أستيقظ على صوته وأنام على كلماته، ومع مرور الوقت، بدأ يبتعد عني، تضاعَفَ قلقي وتبدَّل حالي، تركتُ دراستي، وانهار توازني النفسي، وبعد أشهُرٍ من الألم، أدركت أني لم أكن أحب شخصه بقدر ما كنت مدمنة على شعور الاهتمام الذي كنت أتلقَّاه منه.

أصبحت ثقتي بنفسي ضعيفة، ونومي ومزاجي صار مضطربًا، فقدتُ التركيز في الدراسة والعبادة، أدركت بعدها أن العاطفة التي تُبنى على الحاجة والفراغ وليست على القِيم، تتحول إلى قيدٍ يسلُب الحرية، ويطفئ نورَ القلب.

أسباب إدمان العلاقات العاطفية

أيها الآباء، إن إدمان العلاقات العاطفية يظهر في مجموعة من السلوكيات والأفكار التي تسيطر على حياة الشخص؛ ومنها:

  • التعلق والاعتماد المفرط؛ مما يجعل المدمن يشعر بـالقلق والتوتر الشديدين عند غياب الشريك، وهي أعراض تشبه أعراضَ الانسحاب في الإدمان المادي.
  • الهوس بالعلاقة أو بالشريك، والتفكير الدائم به لدرجة تعوق الحياة اليومية.
  • الرغبة في البقاء على اتصال دائم، وملاحقة الشريك أو الاتصال به بشكل مبالغ فيه.
  • الذعر والخوف المستمر من فقدان الشريك، مما يدفع إلى الغَيرة الشديدة.
  • إلغاء الحياة الشخصية والخاصة، ووضع أولوية مطلقة للطرف الآخر على حساب الأصدقاء، والعائلة، والهوايات، أو حتى الوظيفة والواجبات اليومية.
  • نسيان الذات والسعي المستمر لـرضا الشريك، والحصول على استحسانه وموافقته على كل شيء.
  • تقديم تنازلات مستمرة ومؤذية، أو حتى تقبُّل الإساءة الجسدية، واللفظية، والعاطفية، خوفًا من الانفصال والبقاء وحيدًا.

وغالبًا ما تتعدد أسباب هذا الإدمان؛ ومنها: غياب الدعم العاطفي أو الحرمان العاطفي منذ الصغر، ومنها: انخفاض أو فقدان الثقة بالنفس، والشعور بالنقص الداخلي، ومنها: ضعف التدين ونقص الأخلاق، والارتباط بقدوات سيئة، ومنها: الخلفية الأسرية التي تتسم بالخلافات الشديدة أو بالإهمال العاطفي.

علاج الإدمان العاطفي

وحتى نستطيع علاج الإدمان العاطفي، علينا التعامل معه بنفس نهج علاج الإدمان السلوكي بشكل عام، وتتطلب رحلة العلاج الوعيَ والالتزامَ؛ وقد يتضمن العلاج ما يلي:

  • فهم جذور الإدمان وأسباب التعلق، يساعدنا في اكتشاف الذات والبناء العاطفي لديه.
  • التركيز على الذات، والعمل على بناء الثقة بالنفس، وتطوير الهوايات والاهتمامات، والأهداف الشخصية لملءِ الفراغ الداخلي.
  • إحاطة المدمن بأشخاص وأصدقاء صالحين وداعمين، غير الشريك المتعلق به.
  • تجنُّب العلاقات السامة، واتخاذ خطوات حقيقية للتخلص من العلاقات المؤذية في الحياة.
  • التوكل على الله، وأن يكون اعتماده المطلق على خالقه، لا على المخلوق؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].
  • التعامل مع المشاعر باعتدال وبوعيٍ، والحذر من الإفراط في التعلق العاطفي الذي قد يتحول إلى ندمٍ أو إدمان مُهلِكٍ؛ قال في الحديث الحسن: ((أحبِب حبيبك هونًا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبْغِضْ بغيضك هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما))؛ [الجامع الصغير].

خاتمة

إن العلاج الفعَّال لإدمان العلاقات العاطفية يجمع بين التعافي النفسي وتقوية الإيمان بالله، فالعلاج النفسي يعمل على تغيير الأنماط السلوكية والمعرفية الخاطئة، وبناء تقدير الذات من الداخل، وتقوية الإيمان بالله، يحقق التوكل الحقيقي على الله، ويُعيد التوازن بين العاطفة والعقل، وبين محبة الخلق والخالق.