معنى ” إنا لله وإنا إليه راجعون “

سورة البقرة

قال تعالى: { وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنا لله وإنا إليه راجعون } البقرة : 155 -156

جاء في التفسير الوسيط : الخطاب في قوله ( وَبَشِّرِ ) للنبي صلّى الله عليه وسلّم أو لكل من تتأتى منه البشارة.

والجملة عطف على (لنبلونكم) عطف المضمون على المضمون أي: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر.

والمصيبة اسم فاعل من الإصابة، والمراد بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن.

وراجِعُونَ من الرجوع بمعنى مصير الشيء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير.

والمعنى : وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، في أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا: بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره إِنَّا لِلَّهِ أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف في ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، «وإنا إليه راجعون» أي: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التي ليس في استطاعتنا دفعها.

فقولهم : ( إِنَّا لِلَّهِ ) إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم (وإنا إليه راجعون) إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة.

وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله- تعالى-: { الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} قالُوا فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة «ويصرح بهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم «الصبر عند الصدمة الأولى» .

وهذه الجملة الكريمة وهي قوله- تعالى: { الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ } إلخ  وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه.

قال القرطبي: جعل الله هذه الكلمات وهي قوله- تعالى: { إنا لله وإنا إليه راجعون } ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله { إنا لله} توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله ( وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له.

قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: { يا أسفى على يوسف} . هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: “العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون” .

وإنما الذي ينافيه ويؤاخذ الإنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود.

وجاء في تفسير ابن رجب الحنبلي : الرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه، مستحبٌّ، والصبرُ واجبٌ على المؤمنِ حتمٌ.وفي الصَّبرِ خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ اللَّه أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجرِ.قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: { إِنَّمَا يُوَفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

وقال: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } .

قال الحسنُ: الرِّضا عزيزٌ، ولكنَّ الصبر معولُ المؤمنِ.والفرقُ بين الرِّضا والصبرِ: أن الصَّبرَ: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخطِ مع وجودِ الألم، وتمنِّي زوالِ ذلكَ، وكفُّ الجوارح عن العملِ: بمقتضَى الجزع ، والرِّضا : انشراحُ الصدرِ وسعتُهُ بالقضاءِ، وترك تمنَي زوالِ ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسَ بالألمِ، لكنَّ الرِّضا يخفِّفُه، لما يباشر القلبَ من رَوح اليقينِ والمعرفةِ، وإذا قوِيَ الرِّضا، فقد يزيلُ الإحساسَ بالألم بالكليّة.

وأورد ابن جزي الغرناطي في كتابه التسهيل لعلوم التنزيل فائدة عن ذكر الصبر في أكثر من سبعين موضعاً في القرآن ، وذلك لعظمة موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلاّ الصبر فإنه لا يحصر أجره، لقوله تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]

وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة:

 أولها: المحبة، قال: { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ } [آل عمران: 146].

والثاني: النصر قال: { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ } [البقرة: 153].

والثالث: غرفات الجنة. قال: { يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ} [الفرقان: 75].

والرابع: الأجر الجزيل قال: { إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10] والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، ففيها البشارة، قال: { وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } [البقرة: 155] والصلاة والرحمة والهداية {أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُون}

والصابرون على أربعة أوجه:

صبر على البلاء، وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع.

وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبر بها.

وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها.

وصبر عن المعاصي بكف النفس عنها، وفوق الصبر التسليم؛ وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهراً، وترك الكراهه باطناً، وفوق التسليم: الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعله المحبوب محبوب.

أحاديث نبوية في أجر الاسترجاع

وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول {إنا لله وإنا إليه راجعون} عند المصائب أحاديث كثيرة.

فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به. قال: “لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا فعل ذلك به”.

وفي صحيح مسلم، عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله من مصيبته، وأخلف له خيرا منها” قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام أحمد: عن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني -فأخرجني، وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله:يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنو له بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد”.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين