هل أصبح العلم عبارة عن أداء للواجبات، واجتياز للاختبارات، وجمع للدرجات؟ في كثير من فصولنا الدراسية اليوم، يحفظ الطلاب الدروس لاجتياز الاختبارات. لكنهم يفتقرون إلى الشغف الذي يجعل المعرفة مشروعا إنسانيا ومعززا لبناء الهوية. ألا يعد ذلك فراغا معنويا ومؤشرا على عدم اكتمال دور المنظومة التربوية؟

إن التراث الإسلامي أدرك أهمية هذا الأمر ودق ناقوس الخطر مبكرا، وربط بين طلب العلم والقيمة الوجودية، وهذا ما أكد عليه علماء الإسلام منذ قديم الأزل وفي مقدمتهم  الإمام الشافعي حين قال : “من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تكلم في الفقه نما قدره… ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه”.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أزمة الدافعية المعاصرة التي تفضح اضطراب العلاقة بين الطالب والمعرفة داخل منظومة تتشابك فيها أدوار الأسرة والمدرسة والثقافة السائدة.

الدافعية الداخلية مقابل الخارجية

يلعب عامل الكفاءة الذاتية دورا حاسما في المثابرة والجد والاجتهاد، إذ يميل الطالب الذي يؤمن بقدراته إلى النجاح ووضع أهداف طموحة تجعله يصمد أمام العقبات ويواصل المسير.

يميز علم النفس التربوي بين مفهوم الدافعية الداخلية، النابعة من الرغبة في الفهم والاستمتاع بالنشاط لذاته، والدافعية الخارجية القائمة على الحوافز المنفصلة، فقد أظهرت أبحاث إدوارد ديسي وريتشارد رايان أن الإفراط في المكافآت الخارجية الملموسة يمكن أن يضعف الدافعية الداخلية على المدى الطويل، خاصة إذا شعر الطالب بالسيطرة بدلا من الاستقلالية. هذه الرؤية ليست غريبة عن تراثنا أيضا، فقد ربط الإمام أبو حامد الغزالي طلب العلم بنية القرب من الحق، محذرا من تحويل العلم إلى وسيلة للمباهاة أو لنيل المكانة الاجتماعية، مما يفرغ التعليم من هدفه الأساسي.

أثر الرفق في بناء الشخصية السوية

تتوق النفس بطبعها إلى الرفق وطيب الحديث ولين المعاملة وتنفر من الجفوة والغلظة، ولنا أسوة حسنة في رسول الله القائل: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه”. لذا كان لزاما على المعلمين إدراك أن الرفق سلوك أصيل في العملية التربوية.

وتتجلى أهمية هذا المنهج فيما نبه إليه ابن خلدون إذ لاحظ أن التربية القائمة على الغلظة والقهر—لا سيما مع الناشئة—تذهب نشاط النفس وتطفئ وهج الرغبة في التعلم، وتقود المتعلم إلى طريق الكسل والمكر والأخلاقيات السيئة، بسبب اضطرار الطفل لإخفاء حقيقته خشية العقوبة، فينشأ على السلوك الخاطئ. ومن هنا، وجب على المعلمين الوعي بأثر الأسلوب الحسن في الدافعية، واليقين بأن الشدة المفرطة لا تنتج إلا شخصية مهزوزة وغير سوية.

أما على المستوى العصبي نجد ارتباط نظام المكافأة في الدماغ بإفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي يعزز السلوك المرتبط بالإشباع، وتشير أبحاث التعلم المعرفي مثل كتاب “اجعله يثبت .. علم التعلم الناجح” أهمية المجهود الذهني والصعوبات المطلوبة في تثبيت المعرفة.

دور الأسرة التأسيسي

تشكل الأسرة علاقة الطفل بالتعلم، إما بالسلب أو الإيجاب، إما أن تزرع عامل الدافعية للتعلم لديه، أو تمارس أدوارا سلبية مثل الحماية الزائدة أوالضغط المفرط على النتائج. الأول يضعف الاستقلالية، والثاني يحول التعلم إلى مصدر قلق. وهذا ما أشارت إليه تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عام 2019 بين مشاركة الأسرة الواعية والنتائج الإيجابية للطلاب.

نقل الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه “إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان” حكمة للفيلسوف سقراط في سياق حديثه عن حكم اليونان في تهذيب النفوس قال “لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم” وجوهرها يؤكد على ضرورة مرونة التربية لتلائم تحولات العصر بدلا من الضغط القسري المولد للاضطرابات النفسية.

ثقافة الامتحان في المدرسة

يميز التقويم التربوي بين التقييم للتعلم وبين التصنيف، لكن هيمنة ثقافة الامتحانات على مستوى التعليم العربي حول المدرسة ساحات قلق لا مختبرات اكتشاف مواهب وتطوير مهارات. ووأوضح هذه الفكرة جون هاتي في كتابه ( Visible Learning for Teachers) بأن التغذية الراجعة النوعية هي أحد أقوى عوامل تحسين التعلم بينما يختزل التركيز المفرط على الاختبارات التجربة التعليمية في أداء سطحي.

ونجد هذه الفكرة أيضا في تراثنا التربوي، عندما حذر ابن سحنون في “آداب المعلمين”من الشدة وحدها، مشددا على “العدل بين الصبيان” والرفق بهم لضمان دوام رغبتهم في طلب  العلم.

المعلم وحدود الإصلاح

يخلق المعلم الملهم بيئة يسودها الاحترام والاستقلالية وبإمكانه إعادة دور الدافعية، مستلهما من التراث مبادئ الرفق والشفقة قبل التلقين ومع ذلك، فإن مطالبة المعلم بإصلاح بنيوي في ظل فجوات المنظومة تضعه في موقع مستحيل، مما يتطلب إعادة تعريف دور المدرسة في المنظومة التربوية، وتغيير النظرة حول الفشل والوقوع في الخطأ واعتباره مرحلة من مراحل تنمية قدرات الطالب على تقييم ذاته.

الثقافة الرقمية وإعادة هندسة الانتباه

تفرض الثقافة الرقمية السريعة تحديا آخر يناقض عملية الصبر المعرفي، إذ أعادت هندسة عادات الانتباه لدى المتعلمين عبر تدفقات “الدوبامين السريع” والمحفزات الخاطفة، مما أدى إلى تآكل القدرة على التركيز العميق والمعالجة الذهنية الرصينة.

هذا التفاوت الحاد بين إيقاع الشاشة المتسارع وإيقاع البيئة التعليمية الرصين جعل الحصة الدراسية تبدو مملة في نظر جيل اعتاد الاستهلاك السريع واستنزاف نظام المكافأة العصبي، مما يستوجب تحويل إدارة الانتباه إلى مهارة تربوية أساسية، وإعادة استخدام التكنولوجيا بحيث نحولها من أداة تشتيت للتركيز إلى منصة مساعدة على البحث العميق وداعية للقراءات الكثيفة ومن خلالها تتولد  وتستعيد سيادة العقل على أدواته.

نحو إعادة بناء متكامل

إن الدافعية تستعيد حيويتها عبر رؤية متعددة الأبعاد تبدأ بإعادة ربط العلم بالهوية الوجودية، وبناء ثقافة ” تجريب” آمنة في المدارس، وتنمية روح الاستقلالية في العائلة. إن تحويل أزمة الكسل إلى إلهام مرهون بإعادة بناء علاقتنا بالعلم فعل فضول ومسؤولية، حيث يلتقي التراث التربوي الراسخ بأحدث مكتشفات العلم الحديث.