أبصر كتاب “الجواهر المفتخرة من الكنايات المعتبرة” لمحمد النعمان بن محمد بن علي بن عبد الرحمن، الشهير بابن عِراق (ت نحو 995هـ)، النور في إصدار علمي حديث عن “دار روائع الكتب” بدمشق، بعد أن ظل زمنا طويلا محفوظا في هيئة مخطوطة نادرة لا يعرفها إلا المتخصصون.
وقدمت الدار النص في مجلد كبير الحجم يبلغ 424 صفحة، مع تحقيق دقيق أنجزته لجنة علمية قارنت النسخ الخطية المتاحة، وفي مقدمتها نسخة جامعة لايدن الهولندية الشهيرة. وزودت الطبعة الحديثة بفهارس تحليلية شاملة للكنايات والأعلام والمواضيع، وأدوات ضبط تساعد الباحثين على تتبع الشروح والشواهد في متن الكتاب بسهولة، كما جاء الإخراج الفني أنيقا على ورق فاخر حتى يسهل القراءة ويرفع حضوره في المعارض الدولية والمنصات الرقمية الحديثة.
ويسد هذا الإصدار فجوة كبيرة في المكتبة البلاغية العربية، نظرا لندرة المصنفات المستقلة في باب الكناية مقارنة بباقي أبواب البيان الأخرى مثل الاستعارة والتشبيه، مما يجعله مرجعا نوعيا يخدم الدراسات المعاصرة في البلاغة والنقد الأدبي واللسانيات.
ابن عراق بين الفقه والبلاغة والقضاء
ينتسب مؤلف الكتاب إلى أسرة علمية دمشقية جمعت بين القضاء والفقه. تأثر النعمان بوالده الشيخ شمس الدين تأثراً شديداً؛ وبالرغم من أن الأب كان شافعياً، إلا أنه سمى ابنه النعمان تيمناً بالإمام أبي حنيفة وأوصاه بأن يكون حنفياً قدم إلى حلب مع أخويه العلاء والسري سنة ثلاث وخمسين وتسعمئة. تولى قضاء مدينة تعز باليمن في القرن العاشر الهجري، حيث أظهر دقة في الحكم.
ورث من والده الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن عِراق رؤية فريدة في الاستنباط الفقهي الدقيق، وانعكس هذا المزاج المتنوع في اختياره الكنايات “المعتبرة”، أي تلك التي ترفع من شأن اللفظ وتسمو بالمعنى بعيدًا عن السفاسف الدنيوية، لتليق بلغة الأدباء وذائقة البلغاء.
ويندرج الكتاب ضمن إرث غني لآل ابن عِراق الذين رفدوا المكتبة الإسلامية بأعمال متنوعة منها : فلوالده “هداية الثقلين في فضل الحرمين” و “شرح العباب” في فقه الشافعية لكنه لم يتمه، كما قدموا “تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة” لـ نور الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن ابن عراق في علوم الحديث الذي يناقش مسائل الرواية والجرح والتعديل. ومن أعمال النعمان ابن عِراق أيضا “الزناد الواري في ذكر أبناء السراري” مما يؤكد ميله الدائم لاستخراج الدرر المخفية سواء في اللغة أو في السير.
من معجم الألفاظ إلى قراءة الذوق العربي
برع ابن عِراق في تقديم كتاب بلاغي حيوي يجمع شواهد نادرة من الشعر الجاهلي والعباسي والأمثال الشعبية والحِكَم الفلسفية. يعرضها بعد ذلك على موازين الشرح الدقيق والتفسير المنهجي. رصد فيه تعريضات العرب البارعة في المدح والذم والوصف الدقيق والموت والحرم والفضائل الأخلاقية.
بيّن ابن عراق في الكتاب الفروق الدقيقة بين المعنى الحرفي والإيمائي عبر اللوازم اللفظية والقرائن السياقية، وعمل على توثيق كل كناية بشواهدها الشعرية الاستثنائية والاجتماعية اليومية، ليرسم خريطة شاملة للقول غير المباشر تعكس ثقافة ذلك العصر من تاريخ الحضارة الإسلامية، وسيستفيد قارئ اليوم من التدرب على كياسة اللسان.
الكياسة اللغوية
تعد الكناية عند ابن عِراق أداة فكرية رفيعة منزلة وسطا بين الحقيقة المباشرة والمجاز الخيالي، تشترط فطنة المتكلم والسامع معا. ففي باب الموت يستعرض صيغًا مثل: ـ”استأثر الله به” و”انتقل إلى جوار ربه”، توقّر الفقيد وتخفّف الألم العاطفي. في الحرم يلمح بتلميحات رقيقة تحمي الحشمة والعفة. أما في الفضائل فيصور الكرم بـ”بابه مفتوح” والشجاعة بـ”أسد الغابة”، وهي أمثال خالدة تحولت إلى كنايات متداولة في الأدب والحياة، تثبت قدرة اللغة العربية الفائقة على الاقتصاد في اللفظ مع الثراء الهائل في الدلالة، خاصة في المواقف الحساسة الاجتماعية.
خاتمة
إحياء كتاب “الجواهر المفتخرة” يمثل استعادة لمرجع يربط جمال القول بتهذيب النفس، يدرب على مراعاة المشاعر وصياغة المعنى بالإيحاء، ويذكر بجدارة اللغة العربية في التلميح أمام أسلوب المباشرة، لذلك يستحق الاهتمام من قبل الجامعات والمكتبات العربية.
