في لحظة فارقة يمر بها الفكر الإنساني حيال التقدم المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، استضاف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة مؤخرا سيمناراً علمياً وفلسفياً رفيع المستوى، وضع “الذكاء الاصطناعي وذكاء الإنسان” تحت مجهر المساءلة الفلسفية الجادة. المحاضرة التي قدمها الدكتور رجا بهلول، أستاذ الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا، لم تكن مجرد استعراض تقني، بل كانت محاولة لاستعادة السؤال الفلسفي الجوهري في زمن هيمنة الخوارزميات، وسط حضور نخبوي من الأكاديميين والباحثين المهتمين بمستقبل الوعي والوجود البشري.
استعادة الفلسفة في زمن الخوارزميات: نقد “الاستهلاك التقني”
بدأ الدكتور رجا بهلول، وهو أحد أبرز المشتغلين بالفلسفة في العالم العربي ورئيس تحرير دورية “تبيّن” للدراسات الفلسفية، محاضرته بتحديد دقيق لمنطلقاته البحثية. وأوضح أن مشروعه ينأى بنفسه عن المسارات التقليدية التي سلكتها أغلب الأدبيات العربية المعاصرة، والتي انصبت على رصد الآثار الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي. ورأى بهلول أن هذا الانشغال المفرط بالنتائج والآثار، رغم أهميته البالغة في رسم السياسات، قد حجب الأسئلة الأكثر عمقاً وجوهرية، وهي تلك المتعلقة بفلسفة العقل، واللغة، والإبستيمولوجيا، والميتافيزيقا.

وشدد بهلول في استهلاله على ضرورة سد الفجوة الكبيرة في المعالجات العربية لهذا الحقل؛ حيث يغلب طابع الاستهلاك لـ “ثمار” التقنية والذكاء الاصطناعي دون مساءلة أُسسها النظرية والفلسفية التي قامت عليها. وأشار إلى أن الفكر الغربي لم يصل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية إلا بعد أن خاض مخاضاً فلسفياً عسيراً استمر لعقود في فهم طبيعة التمثيل المعرفي والمنطق الصوري، وهو ما يجب على الباحث العربي استيعابه بعمق إذا ما أراد تجاوز مرحلة “المتلقي” السلبي إلى مرحلة “المساهم” الفاعل في صياغة هذه المفاهيم وتطويرها بما يتلاءم مع سياقاتنا الحضارية.
رحلة النماذج: من صرامة المنطق الرمزي إلى ثورة الاحتمالات الترابطية
قدم الدكتور بهلول رحلة تاريخية ونظرية مكثفة لتطور نماذج الذكاء الاصطناعي، مميزاً بين مرحلتين مفصليتين شكلتا مسار هذا العلم:
1. الذكاء الاصطناعي الرمزي (Symbolic AI): حلم العقل المنطقي الصوري
استند هذا النموذج، الذي هيمن على العقود الأولى من أبحاث الذكاء الاصطناعي (من الخمسينيات وحتى الثمانينيات)، إلى إرث فلسفي ومنطقي ممتد من أعمال فريغه ورسل ووايتهيد، وصولاً إلى التصور الرياضي لـ “آلة تورينغ. يقوم هذا النموذج على افتراض أن التفكير هو عملية “معالجة رموز” وفقاً لقواعد منطقية صريحة، وأن العالم يمكن تمثيله كوقائع صورية قابلة للحوسبة.
وأوضح بهلول أن هذا النموذج، رغم نجاحه الباهر في “الأنظمة الخبيرة” (Expert Systems) التي برعت في مجالات محددة مثل التشخيص الطبي (نظام MYCIN)، واجه معوقات بنيوية عُرفت بـ “عنق الزجاجة المعرفية”. وتجلى ذلك في عجز الآلة الصارخ عن استيعاب “الحس المشترك” (Common Sense) والمعرفة الضمنية اليومية التي يمتلكها البشر بالفطرة. وهو النقد الذي وجهه مبكراً الفيلسوف هيوبرت دريفوس في كتابه الشهير “ما لا تستطيع الحاسبات فعله”، معتبراً أن العقل البشري ليس مجرد معالج للرموز، بل هو كيان منغرس في سياق جسدي واجتماعي ووجودي لا يمكن اختزاله في معادلات منطقية جافة.
2. الذكاء الاصطناعي الترابطي (Connectionist AI): ثورة الشبكات العصبية
انتقل المحاضر إلى عرض النموذج الثاني الذي بدأت هيمنته المطلقة منذ أواخر الثمانينيات، والمبني على الشبكات العصبية الاصطناعية والتعلّم الآلي الإحصائي. هذا النموذج لا يعتمد على تزويد الآلة بقواعد مسبقة، بل على “فرضية التوزيع” لزيليغ هاريس، ومقولة اللغوي جون فيرث الشهيرة بأن “الكلمة تُعرف من خلال الصحبة التي تلازمها”.
وبيّن بهلول أن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) المعاصرة، التي نراها اليوم في تطبيقات مثل ChatGPT، لا “تفهم” المعنى بالمعنى البشري الوجودي، بل تمثل الكلمات كـ “متجهات” (Vectors) في فضاء رياضي متعدد الأبعاد. إن القرب الهندسي بين هذه المتجهات في الفضاء الرياضي يعكس تقارباً دلالياً إحصائياً ناتجاً عن تحليل مليارات النصوص. وبالتالي، فإن الآلة تعمل كدوال رياضية معقدة تنتج توزيعات احتمالية للكلمات التالية، مما يجعلها قادرة على إنتاج نصوص تبدو مفهومة ومقنعة للغاية، لكنها في جوهرها تظل نتاجاً لعمليات إحصائية عملاقة تفتقر إلى “القصدية” البشرية.
معضلة الفهم: هل الآلة تفهم حقاً أم نحن من نمنحها المعنى؟
طرح الدكتور بهلول سؤاله المركزي الذي يشكل قلب المساءلة الفلسفية: “أتفهم هذه النماذج فعلاً ما تنتجه من مخرجات وتحليلات؟”. وأشار بذكاء إلى أن ما نراه من “فهم” في الآلة قد لا يكون سوى “إسقاط” (Projection) ناتج عن ممارساتنا التأويلية كبشر، وميلنا الفطري لـ “أنسنة” (Anthropomorphism) كل ما يبدي سلوكاً ذكياً أو لغوياً متطوراً. وحذر بهلول من أن الانزلاق وراء هذه الأنسنة قد يعمينا عن الفوارق الجوهرية والأنطولوجية بين “المعالجة الصورية” وبين “الفهم الوجودي” المرتبط بالوعي والخبرة الذاتية.

وأكد بهلول أن تعريف “الذكاء” و”الفهم” يظل هدفاً متحركاً؛ فكلما حققت الآلة إنجازاً كان يُعتبر سابقاً حكراً على العقل البشري (مثل لعب الشطرنج أو كتابة الشعر)، ننتقل لتعريف الذكاء بشكل مختلف وأكثر تعقيداً. هذا الوضع يضعنا في “حلقة مفرغة” إبستيمولوجية، ما لم نحدد معايير فلسفية ووجودية صارمة لماهية الفهم والوعي البشري، وكيف يختلف جذرياً عن المحاكاة الآلية.
تعقيبات فلسفية: الوظيفية، الغرفة الصينية، والذكاء المتجسد
في تعقيبه الثري على المحاضرة، قدم الدكتور مايكل مدحت، أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة العاصمة (جامعة حلوان سابقاً)، إضافات فلسفية وضعت النقاش في سياقه العالمي المعاصر. طرح مدحت المقاربة “الوظيفية” (Functionalism) للذكاء، والتي ترى أن العمليات العقلية هي “وظائف” يمكن أن تتحقق عبر ركائز مادية مختلفة؛ فإذا كان الذكاء وظيفة، فلا يهم إذا كان الحامل مادة بيولوجية (دماغ الإنسان) أو مادة إلكترونية (رقائق السيليكون). وبناءً على ذلك، رأى مدحت أن الحامل المادي لا يشكل عائقاً مبدئياً أمام نسبة الذكاء للآلة، حتى لو ظل سؤال “الوعي” والخبرة الذاتية الداخلية (Qualia) لغزاً معلقاً.
واستحضر مدحت تجربة “الغرفة الصينية” للفيلسوف جون سيرل، ليناقش حدود الفهم الصوري؛ حيث يمكن للنظام أن يعالج الرموز الصينية ببراعة فائقة دون أن يدرك معنى رمز واحد منها. ومع ذلك، طرح مدحت إمكانية أن تؤدي “التراكمات الكمية” الهائلة في البيانات وسرعة المعالجة إلى “تحولات كيفية” (Qualitative Shifts) غير متوقعة، مما قد يفضي مستقبلاً إلى انبثاق أشكال من الوعي الاصطناعي التي لا تخضع بالضرورة لمعاييرنا البشرية الحالية.
كما اقترح الدكتور مدحت مخرجاً عملياً وفلسفياً للأزمة الحالية للذكاء الاصطناعي، يتمثل في الانتقال من النماذج اللغوية المعزولة إلى “الذكاء الاصطناعي المتجسد” (Embodied AI). هذا النوع من الذكاء لا يكتفي بمعالجة النصوص، بل يتصل بالعالم المادي عبر مستشعرات وتفاعلات حركية وحسية مباشرة، مما يجعله يحاكي مراحل تعلم الطفل البشري، حيث ينبثق المعنى من الاحتكاك المباشر بالواقع والبيئة، وليس فقط من التلاعب بالرموز المجردة في فضاء افتراضي.
نقاشات معمقة: الحضور الأكاديمي والآفاق المستقبلية
شهد السيمنار، الذي أداره الدكتور فادي زراقط رئيس وحدة دراسة المجال الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بالمركز العربي، مداخلات ونقاشات اتسمت بالعمق والجدية. شارك في النقاش نخبة من الأساتذة والطلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا، وتنوعت المداخلات بين الجوانب التقنية البحتة وبين الأبعاد الفلسفية والوجودية.
تركزت بعض النقاشات حول إمكانية بناء “ذكاء اصطناعي عربي” ليس فقط من حيث اللغة، بل من حيث المنظومة القيمية والثقافية التي تحكمه. كما طُرحت تساؤلات جوهرية حول “أخلاقيات الآلة” ومدى إمكانية تزويد الخوارزميات ببوصلة أخلاقية تحمي الإنسان من تحيزاتها المحتملة، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات مصيرية في الطب والقانون والسياسة.

وأكد المشاركون في مداخلاتهم أن المساءلة الفلسفية التي طرحها الدكتور بهلول هي حجر الزاوية لأي تعامل عقلاني ومستقبلي مع هذه التقنية الجبارة. فبدون وعي فلسفي، سنظل أسرى إما للانبهار السطحي بالمنجز التقني أو للخوف الوجودي غير المبرر من “نهاية الإنسان”. إن الفلسفة هنا تعمل كأداة نقدية تضع التقنية في حجمها الطبيعي وتعيد الاعتبار للتميز البشري القائم على الوعي والقصدية والمعنى.
مرآة الإنسان في وجه الآلة
في ختام هذا السيمنار الاستثنائي، بدا واضحاً أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ثورة تقنية أو أداة لتحسين الإنتاجية، بل هو “مرآة” كبرى تعيد وضع الإنسان وجهاً لوجه أمام تساؤلاته الوجودية والأنطولوجية القديمة: ما هو العقل؟ ما هو الوعي؟ وما الذي يجعلنا بشراً؟
إن المساءلة الفلسفية التي احتضنها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، تؤكد على الدور الريادي والمحوري للمؤسسات الأكاديمية العربية في قيادة حوار فكري رصين وعالمي. إنها محاولة جادة لربط التقدم التكنولوجي العاصف بالجذور الفلسفية العميقة التي تحفظ للإنسان كرامته وتميزه ومعناه في عالم يزداد رقمية يوماً بعد يوم.
إن محاضرة الدكتور رجا بهلول وتعقيب الدكتور مايكل مدحت، وما تلاهما من نقاشات، تفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من الباحثين والمفكرين العرب للغوص في فلسفة الذكاء الاصطناعي. إن الرسالة الختامية للسيمنار كانت واضحة: يجب ألا نكتفي باستهلاك ذكاء الآلة، بل يجب أن نستخدم ذكاءنا البشري لمساءلتها وفهمها وتوجيهها نحو خير البشرية، مع الحفاظ على تلك الشعلة الفريدة من الوعي التي لا يمكن لأي خوارزمية، مهما بلغت قوتها، أن تطفئها أو تحاكيها بالكامل.
