مقدمة: بداية عصر التنوير القرآني

نزل القرآن الكريم على قلب النبي فكان نزوله إعلاماً ببداية عصر جديد؛ تسير الإنسانية فيه نحو تحقيق عبوديتها لله تعالى وعمارتها للكون وصياغة الإنسان الذي يقوم بحق ربه وحق نفسه ويعرف منزلته بين الكائنات. نزل القرآن الكريم لتدب روحاً جديدة في كيان الإنسانية تحيا بها القلوب والعقول والأفراد والمجتمعات.

من آثار القرآن على الكون والبشر

للقرآن الكريم تأثيره البليغ على الكون بأسره:

﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21].

هذا الجبل بصلابته وشدته يخشع وتتشقق صخوره من خشية الله، وللقرآن تأثيره على بني آدم كذلك حتى العصاة منهم؛ فهذا الفضيل بن عياض كان مجرماً يرتكب العديد من كبائر الذنوب، يزني ويقطع الطريق ويروع الناس، بينما يستعد يوماً لارتكاب الفاحشة صاعداً إلى سطح أحد البيوت إذ به يسمع قوله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

هزته الآية هزاً عنيفاً فقال بلسان خاشع وقلب ضارع: “بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ”.

قصة توبة الفضيل بن عياض وعودته للفطرة

لجأ إلى مغارة مظلمة بعد أن اخترقت هذه الآية الكريمة قلبه واختلطت بروحه فسمع أصوات أناس يسيطر عليهم الرعب خوفاً من جبروته وعدوانه؛ منهم من يقول: “نكمل رحلتنا”، ومنهم من يقول: “كيف تسيرون بالليل والفضيل يقطع الطريق؟!”.

تفكر فيما سببه للناس من رعب وخوف وقال:

“أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي المَعَاصِي، وَقَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ هَا هُنَا يَخَافُونِي، وَمَا أَرَى اللهَ سَاقَنِي إِلَيْهِم إِلاَّ لأَرْتَدِعَ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ البَيْتِ الحَرَامِ“.

لقد أثرت هذه الآية الكريمة في شخص مجرم يتعدد إجرامه وفساده وأعادته مرة ثانية إلى الفطرة السليمة ليعلن توبته، وهذا من قوة الروح القرآني. وإننا لنجد تأثير القرآن على الفضيل بعد أن تفتح قلبه لسماع هداياته فكانت كلماته مشرقة بنور الذكر الحكيم، قال الفضيل:

“لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ، وَطَلَبِ الحَلاَلِ”.

فقال ابنه علي: “يَا أَبَةِ! إِنَّ الحَلاَلَ عَزِيْزٌ”. قَالَ: “يَا بُنَيَّ، وَإِنَّ قَلِيْلَهُ عِنْدَ اللهِ كَثِيْرٌ“. قليل من الحلال يكفي ويغني ويشبع ويعطي القوة ويجلب الرضا والسعادة ويزيد في جمال الجسد والروح وكمال العقل والقلب ويكون سبباً للتوفيق للعمل الصالح، قليل من الحلال يسد أبواباً من الشر على العبد وأسرته لا تستطيع أموال الدنيا أن تسدها.

من آثار القرآن على الكفار

إن تأثير القرآن ليس على المسلم العاصي فحسب بل حتى على الكفار؛ فقد خشي كفار مكة من تأثير القرآن على نفوس نسائهم وصبيانهم وعبيدهم وهم يعلمون قوة هذا التأثير وسلطانه على من يسمعه.

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصلي في بيته ويقرأ القرآن قراءة خاشعة باكية، فيجتمع على صوته نساء مكة وصبيانها، ويصور الراوي حالة هؤلاء المجتمعين على تلاوة أبي بكر فيقول:

“فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلاً بكّاءً لا يملك عينيه”.

هذا التأثر البالغ مداه بالقرآن ينتقل من الصديق إلى قلوب من يسمعه فتنجذب له انجذاباً كبيراً يُخشى منه أن يدخلوا في الإسلام، “فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين”. ولهم الحق كل الحق في هذا الفزع فإن القرآن شديد التأثير في النفوس إذا تجاوب لسان القارئ مع قلبه.

طريقنا للاتصال الصحيح بالقرآن

وإننا لنحاول الاتصال بروح القرآن من خلال تلاوة متدبرة نفرغ فيها القلب من الشواغل ونعطي عقولنا وقلوبنا الفرصة لكي تنهل من البركات التي أودعها الله تعالى في القرآن؛ نقرأ القرآن على أنه خطاب الله تعالى لنا، نعطي أرواحنا الفرصة لكي تنتقل من الانشغال بالدنيا إلى حد التهلكة إلى أن نرى آثار رحمة الله وقدرته وعظمته فتأنس هذه النفوس وتزول مخاوفها.

من أنوار آية الكرسي

ولنحاول وصل أرواحنا بشيء مما في آية الكرسي:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

هذه الآية الكريمة تحفظ قارئها من الآفات وتنير له الطريق في الظلمات وتخبره أن الطريق إلى الله تعالى مفتوح إذا انسدت طرق البشر. وكيف يخاف الإنسان وهو يقرأ في آية الكرسي ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؟

كل من في السموات ومن في الأرض من بشر ومملكة النباتات والحيوانات والطلائعيات والبدائيات والفطريات، وكل مملكة تقسم إلى شعب وطوائف ورتب وعائلات وأجناس، وتحت كل مسمى مليارات الكائنات يرزقها الله تعالى من خزائنه ويحفظها ويدبر أمرها، وما لا نعلم من الكائنات أضعاف ما نعلم.

فهل بعد ذلك يخاف المسلم على رزقه أو أجله؟! إن الرزق يصل إلى الكائنات في أعماق البحار والمخلوقات في قمم الجبال، فهل تخشى أن لا يصل إليك رزقك أو معونة الله تعالى لك؟؟ إذا أصابك أمر عسير فتذكر قوله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4].

فهذه الممالك الخمس التي ذكرناها هي جزء من جنود الله تعالى التي يسخرها لمعونة عباده المؤمنين. هذا الملك المتسع الذي لا نعلم مبتدأه ومنتهاه الله تعالى يمسك السموات والأرض أن تزولا، أفيعجزه سبحانه وتعالى أن يحفظ عباده الصالحين وقد أخبرنا سبحانه:

﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: 21].

من ثمرات الاتصال بالقرآن

هذه المشاعر إذا عمرت قلب الإنسان المسلم انطلق في الحياة ثابتاً ينظر إلى الأزمات مهما كانت كبيرة على أنها جزء من طبيعة الحياة وستمضي اللحظات الصعبة مع مرارتها وشدتها، تمضي وقد ربح منها الصابرون خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة.

نتصل بروح القرآن فنستحضر معانيه في مواقف الحياة المختلفة:

  • إذا اغتر أحد بقوة بدنه وسعة سلطانه تذكر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37].
  • وإذا يأس أحد من مرضه تذكر: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80].
  • وإذا ضاقت الدنيا بأحد تذكر: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
  • وإذا داهمت المخاوف إنساناً تذكر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمـر: 36].
  • وإذا كثرت ذنوب العبد وأيقن بالهلاك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

الخلاصة: القرآن رفيقك إلى النور

كلما اقتربت من القرآن وحرصت على أن تقتبس من نوره كلما وجدته إلى جنبك يؤنس وحدتك ويطمئن قلبك ويمدك بالقوة. اقرأ القرآن بنية أن ينير قلبك ودربك حتى تصل إلى ما قال الله عنه:

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: 12].