تتملك الإنسان عدة شهوات أحدها شهوة الكلام يظهر فيها معرفته بخبايا الأمور  وقدرته على التحليل والتعليل وهذا كثيرا ما يجره إلى إحدى الجرائم الخلقية التي تفسد دينه ودنياه وتحرمه من ثمرات أعماله الصالحة بل هي دليل على أن هذه الأعمال الصالحة لم تترك آثارها الطيبة على قلبه ولسانه.

و نعمة اللسان والبيان إحدى النعم التي امتن الله تعالى بها على الخلق، و يمكن أن ترفع الإنسان مكانا عليا حين يستخدمها لذكر الله تعالى والتذكير بقدرته وعظمته ونعمه، ويمكن أن تستخدم في دلالة الناس على الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر على اتساع مفهوم الخير والمعروف والمنكر، ويمكن أن يستخدم كأداة لمداواة آلام الناس الجسدية والروحية وتحفيزهم على الانتقال من حالة الكسل واليأس إلى الجدية والعمل، أداة كهذه أودعها الله سبحانه أمانة عند الإنسان إما أن يحسن استغلالها فتنفعه وترفعه عند الله وعند الناس، وإما أن يسيء استخدامها فتهلكه في الدنيا والآخرة.

وعندما يلتقى الناس ويحلو السمر يمكن للسان أن يكون أداة لتجريح الآخرين والانتقاص منهم وإفراغ الأحقاد في عبارات تدل على النقد لبعض التصرفات وهي في الحقيقة تنفيس عما في النفس من آثار سلبية نتيجة لعجزها عن الوصول لمواقع القمم.

ما هي الغيبة ؟

يعرفها النبي بقوله «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» والغيبة أعم من أن تكون بالكلمة فأحيانا تكون بالإشارة التي يفهم منها الانتقاص والإساءة عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ” دَخَلَتِ امْرَأَةٌ قَصِيرَةٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقُلْتُ بِإِبْهَامِي هَكَذَا، وَأَشَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَصِيرَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”اغْتَبْتِهَا.

ليس من الغيبة يصون الإنسان حرمته حينما يكون على الصراط المستقيم وحين يقع منه الخطأ  لكنه يراعي حرمة المجتمع ويدرك أنه على خطأ، أما ذلك الشخص الذي جمع بين الوقوع في الذنب وعدم احترام المجتمع والاستهتار بالقيم والأخلاق والشرائع فهو الذي أحل عرضه للناس ولعل ذلك جزء من عقوبته المعجلة  فمن جاهر بمعصيته ومن ظلم وفسق ودعا إلى البدع والفجور هؤلاء جميعا قد أحلوا أعراضهم لكن لا ينبغي أن يحملنا ذلك على الانشغال بهم عن أنهم هانوا على الله تعالى فخلاهم لأنفسهم وأن ذلك وارد أن يقع لغيرهم فينبغي أن نسأل الله تعالى لهم الهداية ولنا الثبات ولعل الطريق السليم أن نذكر المنكر ولا نسمي صاحبه فغاية المسلم الحق توقف المنكر وليس التشهير بالناس وليس من الغيبة أيضا ما تواجه به صاحب المنكر وما تذكره أمامه من عيوب يقع فيها.

وفي سبيل تجريم الغيبة والنيل من المسلمين يحرم النبي أعراض المسلمين كما يحرم دمائهم وأموالهم ولعل البعض يستفظع أن يصيب دم مسلم أو ماله لكنه يسهل عليه أن يلوث عرضه بالكلام عن كل ما يمس شرفه وأمانته بل إن الإسلام يقبح في النفوس الاعتداء على أعراض الآخرين حين يجعل الربا دركات أسوأها وأحطها أذية المؤمنين باللسان ويبين النبي أن الغيبة تفسد العمل الصالح مهما كان شاقا فقد صامت امرأتان على عهد النبي حتى كادتا تموتا من العطش واستأذنتا من النبي أن يفطرا فقال النبي : ” إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفَطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ.

لقد امتنعتا عن الطعام والشراب مع من امتتنع لكنهما حرما من الالتحاق بركب الصائمين وإذا كان الصيام والصلاة يسهلان على العبد فإن إمساك اللسان أمر صعب يحتاج إلى قوة وعزم.

ومن سوء الخلق الناتج من ضعف الإيمان أن يغتاب أهل المجلس من شاركهم طعامهم وشرابهم وحديثهم ولعل ذلك من النفاق فالبعض يظهر لجلسائهم البشر والمحبة وبمجرد تركهم للمجلس يبدأ الذم والسب وذكر المعايب التي قد تكون كذبا وزورا ولو لم تكن كذلك فإن صاحبها لا يجرؤ على مواجهة من يذمه.

وتأكيدا على ارتباط الغيبة بالنفاق قَالَ النبي في خطبة له : «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بقَلْبُهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، وَمَنْ يَتْبَعِ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتْبَعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ َتَبِعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَهُوَ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» ربط النبي بين الغيبة وتتبع العورات فإن المغتاب يريد مادة للحديث لا تتوافر له إلا من خلال تتبع من يغتابهم بحثا عن زلة يمكنه أن يغتب بها صاحبه.

صنوف العذاب التي يعاقب بها المغتاب وتفظيعا للغيبة وتنبيها على شدة خطرها وأن هذا الذنب من حقوق الخلق ومن ثم فلا بد من عفو من اغتبته فإن لم يغفر له صاحبه تعرض لعذاب أليم ونكال شديد يناله عن استحقاق.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ بِأَظَافِيرِهِمْ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ” وكما شوهوا الآخرين بألسنتهم يعاقبوا بأن يشوهوا أنفسهم بأيديهم”.

ولهم قبل ذلك عذاب في قبورهم مر النبي على قبرين يعذبان وبين سبب عذابهما فقال: ” أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة”.

ولا يتوقف العذاب عند مرحلة البرزخ أو تشويه وجوههم بأيديهم بل يتوعدهم الله تعالى بالويل {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } [الهمزة: 1]ثم يقول تعالى {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 4 – 7] ومن يتحمل نار الله الموقدة.

ومما يعين الإنسان على  التوقف عن هذه الجريمة:

1-أن يعلم أن خير الناس هم من ملكوا ألسنتهم قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ».

2-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَذْكُرَ عُيُوبَ صَاحِبِكَ فَاذْكُرْ عُيُوبَكَ» فإن التفكر في عيوب النفس واجب حتى نتخلص منها وشغل بالحق عن الباطل وكم يغفل الإنسان عن عيوبه مهما كانت واضحة وينشغل بعيوب غيره مهما كانت خافية.

3- كَانَ الْحَسَنُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَنْ تُصِيبَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى لَا تَعِيبَ النَّاسَ بِعَيْبٍ هُوَ فِيكَ، وَحَتَّى تَبْدَأَ بِصَلَاحِ ذَلِكَ الْعَيْبِ فَتُصْلِحَهُ مِنْ نَفْسِكِ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كَانَ شُغْلُكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ كَانَ هَكَذَا».

إن الايمان دعوى تحتاج إلى أدلة يقدمها الإنسان بسلوكه ومواقفه مع الآخرين وطريق الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالعيوب.

4-وتقليصا لخطر هذا الخطيئة الدينية والاجتماعية كان لابد من محاصرتها في أضيق نطاق فلا يسمح للمغتاب أن يقع في أعراض الناس فذلك تلويث للسمع وللقلب قَالَ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: رَآنِي عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ وَأَنَا مَعَ رَجُلٍ وَهُوَ يَقَعُ فِي آخَرَ فَقَالَ: ” لي: «وَيْلَكَ – وَلَمْ يَقُلْهَا لِي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا – نَزِّهْ سَمْعَكَ عَنِ اسْتِمَاعِ الْخَنَا كَمَا تُنَزِّهُ لِسَانَكَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى شَرِّ مَا فِي وِعَائِهِ فَأَفْرَغَهُ فِي وِعَائِكَ وَلَوْ رَدَدْتَ كَلِمَةَ سَفِيهٍ فِي فِيهِ لَسَعِدَ بِهَا رَادُّهَا كَمَا شَقِيَ بِهَا قَائِلُهَا».

فمن لم تردعه النصوص المحرمة للغيبة ردته أخلاق المحيطين به إلى الصواب وأظهرت الحق في المجالس.

كيف نصلح ما أفسدته الغيبة؟

 1-قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ».

2- قَالَ مُجَاهِد: «كَفَّارَةُ أَكْلِكَ لَحْمَ أَخِيكَ أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ وَتَدْعُوَ لَهُ بِخَيْرٍ».

3- عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوْبَةِ مِنَ الْفِرْيَةِ قَالَ: ” تَمْشِي إِلَى صَاحِبِكَ فَتَقُولُ: كَذَبْتُ بِمَا قُلْتُ لَكَ وَظَلَمْتُ وَأَسَأْتُ فَإِنْ أَخَذْتَ بِحَقِّكَ وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْتَ “.

إن القلوب السوداء تريد أن يظلل السواد أعراض الناس فلا يبقى شريف ولا أمين ولا صادق ليكون ذلك عذرا لكل مجرم أفاك أثيم.


الأحاديث والآثار الواردة في المقال ذكرها ابن أبي الدنيا في كتابه ذم الغيبة والنميمة