القدس في عيون الرحالة حكاية حب وتوثيق، تعلقت قلوب المسلمين وعقولهم بالقدس منذ أن سمعوا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، وقوله ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى».
أهمية تدوين القدس في عيون الرحالة
عند تتبع القدس في عيون الرحالة نجد أنه يمثلأدب الرحلات كاميرا تلتقط صوراً ومشاهد عابرة للزمان والمكان، تُنقل للقارئ الذي عاش مع الكاتب نفس الزمان أو لمن يأتي بعده. وتبدو أهمية هذه الصور أنها تسجل ما أنجزته الحضارة الإسلامية؛ حضارة العلم والإيمان والرحمة والإحسان والتعمير.
وإني لأدعو المؤرخين أن يقارنوا بين مدينة القدس قبل أن يدخلها المسلمون وبعد أن دخلوها، كما يقارنون بين مدينة القدس وقت وجود الصليبيين وبعد أن خرجوا منها وعادت إلى الأيدي المتوضئة التي تبني وتعمر باسم الله؛ لأن عمارة المكان وعمارة الإنسان واجب شرعي.
هذه المقارنة تقدم للتاريخ وللباحثين عن الحقيقة الذين تملأ أسماعهم وأبصارهم كتب ومقالات وأفلام عن بربرية المسلمين وهمجيتهم وبُعدهم عن الحضارة. وفي ظل محاولة طمس المعالم الإسلامية للقدس الشريف تبدو قيمة هذا التسجيل التاريخي والمعاصر لهذه المعالم، ولا نشك في أن هذا الطمس يتلاحق بإصرار وصبر لكي تتحول الادعاءات الكاذبة حول القدس وسكانها عبر الحقب الزمنية إلى حقيقة يسندها الواقع، وحتى تصل الحقائق التي حفرت على صفحات التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا إلى أن لا يكون لها سند من الواقع ولا من التاريخ.
إن تسجيل الحقائق المتعلقة بالقدس ومن سكنها وعَمّرها نوع من القيام ببعض ما يجب علينا تجاه ديننا وتاريخنا وتجاه الحقيقة التي يراد لها أن تختفي لتظهر الأباطيل. وإذا أردنا أن نسجل ما دونه التاريخ عن القدس في عيون الرحالة وعن المدينة التي حوت مآثر خالدة ومشاهد للصراع بين الحق والباطل، فيمكن أن نتحدث عن المدينة المباركة ومسجدها الشريف وسكانها.
المدينة وعمارتها
تحفل مدينة القدس بالعديد من الشواهد على عظمة ورقي الحضارة الإسلامية ومدى ما وصل إليه المسلمون في فن العمارة.
يقول الشيخ عبد الغني النابلسي: “دخلنا من باب المدينة الذي يسمى باب العمود، وهو كبير عظيم واسع عال كأنه قطعة من جلمود [صخر]، وسور بيت المقدس سور جديد متين قوي الأركان عظيم البنيان يحيط بالبلاد كلها وهدها [الأرض المنخفضة] وسهلها، مبني بالشيد [الجير] والحجر المنحوت، وفي داخله جميع الأماكن والبيوت، وقد أُخبرنا أنه من بناء السلطان الملك المظفر سليمان خان من ملوك آل عثمان، ولمدينة القدس عشرة أبواب منها هذا الباب المذكور”.
ولنا أن نتصور الآلات التي قطعت هذه الأحجار الكبار والآلات التي نقلتها من مكانها إلى السور، والروافع التي رفعت البنيان من الأرض حتى وصل إلى هذا الارتفاع، والعمال الذين قاموا بالبنيان وإدارة هذا العمل؛ كل ذلك يكشف عن تقدم فن العمارة، وكانت رحلته سنة 1101هـ. ولم يكن هذا التقدم طارئاً على مدينة القدس بل لها تاريخ عريق من جودة العمارة وإتقانها حتى يقول صاحب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»: «بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه ولا أتقن من بنائها». قيلت هذه العبارة في حدود 375هـ.
المراكز العلمية والخدمات الصحية في القدس
ولم تكن العمارة في القدس متوقفة فقط على بناء الأسوار والبيوت والقصور، بل امتدت لتوجد مراكز إشعاع علمي وحضاري وتوفر فرصاً مناسبة لتلقي العلم وبيئة ملائمة لطلبته.
يصف الشيخ عبد الغني المقدسي المدرسة الأشرفية التي بناها الأشرف قايتباي الشركسي ويذكر من بين مرافقها: “مطبخ وبيت طهارة وما يحتاج إليه من الأحوال”، وكم تخرج في هذه المدارس من علماء أناروا الدنيا بعلمهم. وتواصل إحسان المسلمين ويدهم الممدودة بالرحمة لتنال المرضى فتخصص لهم مبنى عظيماً ينفق عليه نفقات هائلة لكي يحصل كل مريض على ما يحتاجه من غذاء ودواء ورعاية طبية: «وَفِي بَيت الْمقدّس مستشفى عَظِيم عَلَيْهِ أوقاف طائلة وَيصرف لمرضاه العديدين العلاج والدواء وَبِه أطباء يَأْخُذُونَ مرتباتهم من الْوَقْف الْمُقَرّر لهَذِهِ المستشفى».
ومما يدل على القوة الاقتصادية للمدينة أسواقها العامرة؛ «وفيها أسواق كثيرة وعمارات حسنة»، و«لا أطيب من العيش بها ولا أنظف من أسواقها ولا أكبر من مسجدها ولا أكثر من مشاهدها، عنبها خطير، وليس لمعنّقتها نظير». وهذا الوصف جاء من رجل طاف أنحاء العالم الإسلامي العربي منه والأعجمي في القرن الرابع الهجري، والعالم الإسلامي في هذا الوقت هو مركز الحضارة الإنسانية والعمران البشري، فوصفه للقدس الشريف بهذا الوصف دلالة على مدى الرقي والمستوى الحضاري الذي بلغته هذه المدينة.
بل عرفت مدينة القدس التخطيط الحضري الذي يخصص مناطق صناعية لكل حرفة على حدة: «وَفِي الْمَدِينَة صناع كَثِيرُونَ لكل جمَاعَة مِنْهُم سوق خَاصَّة».
وصف الرحالة للمسجد الأقصى
جمعت عمارة المسجد الأقصى بين القوة والجمال والسعة. يقول ياقوت الحموي واصفاً بنيان المسجد الأقصى: «وأما الأقصى فهو في طرفها الشرقي نحو القبلة أساسه من عمل داود، عليه السلام، وهو طويل عريض وطوله أكثر من عرضه، وفي نحو القبلة المصلى الذي يخطب فيه للجمعة وهو على غاية الحسن والإحكام مبنيّ على الأعمدة الرخام الملونة والفسيفساء التي ليس في الدنيا أحسن منها لا جامع دمشق ولا غيره».
ومما يدل على الثراء العريض الذي كان يتمتع به المسلمون في هذه العصور ما أودعوه في المسجد الأقصى من كنوز نهبها البرابرة الذين أفسدوا في البلاد، يقول ياقوت الحموي: «وأخذوا [الصليبيون] من عند الصخرة نيفاً وأربعين قنديلاً فضّة؛ كل واحد وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم فضّة، وتنّور فضة وزنه أربعون رطلاً بالشامي وأموالاً لا تحصى».
ولا تنتهي عجائب البنيان وفخامة العمارة عند ما ذكرنا من وصف لجزء صغير من هذا الكيان الكبير، فـ «في المسجد أماكن كثيرة وأوصاف عجيبة لا تتصوّر إلا بالمشاهدة عياناً». ويبدو أن اختزال المسجد الأقصى في أحد أجزائه خطأ قديم، يقول الشيخ عبد الغني المقدسي: “نزلنا من الدرج القبلي الذي يقابل باب المسجد الذي يسمونه الآن المسجد الأقصى، والمسجد الأقصى جميع مسجد بيت المقدس كله“.
وصف الرحالة لسكان مدينة القدس
مدينة بهذا المستوى من العمارة لا بد أن يكون سكانها على مستوى عال من المدنية وأن تجذب إليها الباحثين عن رغد العيش، فـ “فيها كلّ حاذق وطبيب، وإليها قلب كلّ لبيب، ولا تخلو كلّ يوم من غريب”. وقد جمعت المدينة بين طيب العيش وعفة السكان فلا تجد «أعفّ من أهلها ولا أطيب من العيش بها ولا أنظف من أسواقها».
التسامح الإسلامي وبقاء الآثار المسيحية
ورغم بسط المسلمين لسيطرتهم على القدس الشريف، إلا أن يدهم كانت يد رحمة وبر وإحسان لم تمتد بسوء للمعالم المسيحية بل أبقتها على ما كانت عليه.
«وإذا خرجت من باب الأسباط سرت في حدود مقدار رمية سهم فتجد كنيسة كبيرة حسنة جداً على اسم السيدة مريم ويعرف المكان بالجسمانية، وهناك قبرها يبصر جبل الزيتون وبينه وبين باب الأسباط نحو ميل. وفي طريق الصعود إلى هذا الجبل كنيسة عظيمة حسنة متقنة البناء تسمى كنيسة “باتر نصتر”، وعلى أعلى الجبل كنيسة أخرى حسنة معظمة وفيها رجال ونساء محبوسون يبتغون بذلك أجر الله سبحانه. وفي شرقي هذا الجبل المذكور منحرفاً قليلاً إلى الجنوب قبر “العازر” الذي أحياه السيد المسيح، وعلى ميلين من جبل الزيتون القرية التي جلب منها الأتان لركوب السيد المسيح عند دخوله إلى أورشليم وهي الآن خراب لا ساكن بها».
ستبقى القدس في عيون الرحالة شاهدة على سماحة الإسلام وحضارته وشموخ أهلها الصامدين، وسيبقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها متعلقون بوعد ربهم سبحانه ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾ [الإسراء: 8].
