القرآن الكريم وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم

القرآن الكريم وحي

المقصود بالوحي عند علماء الشريعة إعلام الله تعالى أنبيائه ورسله بشرع ليعملوا به ويبلغوه للناس، فالوحي وسيلة المعرفة ومصدر التعليم، فقد نزلت شريعة التوراة على موسى، ونزل الإنجيل على عيسى، ونزل القرآن على محمد -صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، منه نزل، يقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2]، قدم القرآن هنا على جميع النعم المذكورة لأنه أصل النعم الدينية وأجلها، هو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأجل الكتب والمهيمن عليها والمصدق لها.

وقد يطلق لفظ الوحي ويراد به جبريل ملك الوحي الذي نزل بهذه الكتب السابقة، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم: “يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا” وكما في قول عائشة -رضي الله عنها: ولقد رأيته -صلى الله عليه وسلم- ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا.

والوحي كوسيلة للعلم ليس قاصرا على نزول الملك جبريل على قلب الرسول، وإنما تتنوع طرقه:

1- فقد يكون بواسطة الملك جبريل، وهو خاص بالوحي الرسالي التشريعي.

2- وقد يكون الوحي رؤيا منامية، كما في قصة إبراهيم -عليه السلام- فقد رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل. قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]

  – وقد يكون الوحي بالكلام من وراء حجاب، كما أوحى الله إلى نبيه موسى عليه السلام. قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} ، {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} ، {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ، {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى}

ومن المفيد هنا أن ننبه إلى أن وحي الرسالات التشريعية قاصر على النوع الأول فقط، فلم تفرض الفرائض والتكاليف الشرعية إلا بواسطة ملك الوحي جبريل.

عباد الله ! إن القرآن كما قال ابن عاشور اسم للكلام الموحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جملة المكتوب في المصاحف المشتمل على مائة وأربع عشرة سورة، أولاها الفاتحة وأخراها سورة الناس. صار هذا الاسم علما على هذا الوحي.

– فالاسم الأول هو القرآن ، وهو الذي اشتهر به، لأن أول ما بدىء به الرسول من الوحي: اقرأ باسم ربك [العلق: 1] . وقال تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا [الإسراء: 106].

فاسم القرآن هو الاسم الذي جعل علما على الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يسبق أن أطلق على غيره قبله، وهو أشهر أسمائه وأكثرها ورودا في آياته وأشهرها دورانا على ألسنة السلف.

وله أسماء أخرى هي في الأصل أوصاف أو أجناس أنهاها في «الإتقان» إلى نيف وعشرين. والذي اشتهر إطلاقه عليه منها ستة: التنزيل، والكتاب، والفرقان، والذكر، والوحي، وكلام الله.

الفرقان فهو في الأصل اسم لما يفرق به بين الحق والباطل، وأطلق على القرآن في قوله تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان: 1] وقد جعل هذا الاسم علما على القرآن بالغلبة مثل التوراة على الكتاب الذي جاء به موسى والإنجيل على الوحي الذي أنزل على عيسى قال تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران].  فوصفه أولا بالكتاب وهو اسم الجنس العام ثم عبر عنه باسم الفرقان عقب ذكر التوراة والإنجيل وهما علمان ليعلم أن الفرقان علم على الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

ووجه تسميته الفرقان أنه امتاز عن بقية الكتب السماوية بكثرة ما فيه من بيان التفرقة بين الحق والباطل، فإن القرآن يعضد هديه بالدلائل والأمثال ونحوها، وحسبك ما اشتمل عليه من بيان التوحيد وصفات الله مما لا تجد مثله في التوراة والإنجيل كقوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11].

– وأما التنزيل فهو مصدر نزل، أطلق على المنزل باعتبار أن ألفاظ القرآن أنزلت من السماء قال تعالى﴿‌تَنْزِيلٌ ‌مِنَ ‌الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 2-3]، وقال: ﴿‌تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: 2].

– وأما الكتاب فأصله اسم جنس مطلق ومعهود. وباعتبار عهده أطلق على القرآن كثيرا قال تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه [البقرة: 2] ، وقال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف: 1] وإنما سمي كتابا لأن الله جعله جامعا للشريعة .. وأن الله أمر رسوله أن يكتب كل ما أنزل عليه منه ليكون حجة على الذين يدخلون في الإسلام ولم يتلقوه بحفظ قلوبهم. وفي هذه التسمية معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف، قال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها [الأنعام: 92].

– أما الذكر فقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] أي لتبينه للناس، وذلك أنه تذكير بما يجب على الناس اعتقاده والعمل به. ويقول الله تعالى: ﴿‌إِنَّا ‌نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9] 

– أما الوحي فقال تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) [الأنبياء: 45] ووجه هذه التسمية أنه ألقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك وذلك الإلقاء يسمى وحيا لأنه يترجم عن مراد الله تعالى فهو كالكلام المترجم عن مراد الإنسان، ولأنه لم يكن تأليف تراكيبه من فعل البشر.


المصادر
التحرير والتنوير – ابن عاشور.
التفسير المنير – الزحيلي.
تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه – الدرة.
الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين