العالم يتغيير بصورة دائمة ومستمرة على كافة المستويات والأصعدة، ويسير بصورة سريعة إلى الحياة الرقمية والتكنولوجية ، كما يمارس الذكاء الصناعي سلطات متعددة على البشرية؛ والأمم التي ليس لها نصيب في ذلك تشعر بالإهانة والدونية في هذا الصدد.

 وقد ظهرت في الأونة الأخيرة مصطلحات وطرائق جديدة كلها أفرزها الذكاء الصناعي  والرقمنة عابرة لكافة أشكال الحياة، فلا يمكن ونحن نعايش هذه الطفرات الهائلة من الرقمنة تجاهل تداعيتها علي الأفراد والمجتمعات سواء سلبًا أو إيجابًا ، وهذا محل مواطن أخرى غير ذلك .

إن ما نعنيه ونقصده هو المحتوى الرقمي، ذلك المصطلح الذي بدأ يغزو كل شيء من حول الإنسان.

لا شك أن الأشخاص المعمرين يواجهون إشكالية، ومع ذلك  أصبح المحتوى الرقمي  يمارس سلطاته علينا في كل جانب من جوانب الحياة ، فإذا أردت أن تعرف شيئًا أو أمرًا فما عليك إلا التوجه إلى “الموبايل ” والبحث عنه.

إنها قفزة كبيرة في عالم المعرفة والتلقي ، فلم يعد عصر احتكار المعرفة أو العلم موجودًا ولا نمط التلقي التقليدي  متقبل عند الأجيال الحالية، ولا شك في أن ذلك سيقود بدوره إلى  عدم الإكتراث والإهتمام بالأنماط التقليدية في كل شيء ، وهذه حتمية التطور: أي قانون لا يمكن اعتراضه أو تجاوزه ، فهو مثل الثوابت التي تسير من حولنا.

المحتوى الرقمي رغم أنه سهَّل كل شيء إلا أنه عقَّد كل شيء في آن واحد ، فلا يمكن للإنسان متابعة الكم الهائل في منصات مختلفة وفي كل الأوقات والموضوعات فهذا أشبه بالمستحيل الذي لا يقدِر عليه إنسان.

ولكن هذا المحتوى الرقمي منه المزيَّف، ومنه الهادف ومنه المغلوط، ومنه الخطأ، ومنه المكرر، وغير ذلك.

 فالحقيقة التي يمكن لنا الإقرار بها هي:

الأمر الأول : إن غالبية المحتوى الرقمي على كافة المنصات الهدف منها تحقيق الأرباح والأموال والشهرة، وتأتي  إفادة المتلقي في نهاية الأمر، هذه واحدة.

الأمر الثاني :  إن المحتوى الرقمي  غالبية من يقدمه ليس متخصصًا في مجاله، وجل ما يمكن التسليم له هو أنه قرأ بعض الأوراق – ولا يعلم كيف ينقل المعلومة أو يسوقها أو يسقطها على الواقع أو يوظفها أو يسمع بعض “الفيديوهات” ثم يخرج علينا ويقدم مادة ذات شأن .

الأمر الثالث : ليس حكرًا على أحد أو منع أحد من إلقاء المعرفة، ولكن نحن نعالج ما يقدم ويلقى علينا من معلومات وطريقة إلقائها وتوظيفها .

الأمر الرابع : كذلك فإن جل الذين يقدمون ذلك يمارس سلطات متعددة على المتلقين أو البشر من حوله.

 والسؤال هنا: لماذا على الرغم من كونه قد يكون أمياً من الناحية المعرفية أو العلمية أو لا يجيد قراءة العلم وأساليب أهل العلم ، إلا أنه يتجاهل كل ذلك وينظرإلى عدد “الليكات” التي حصل عليها والمشاهدات التي أحرزها، ومن ثم فهو صاحب الرأي و الفكر والمعرفة، وهذا كما قال رسول الله ( ) : ” المتشح بما لم يعط كلابس ثوبي زور”([1])

كذلك فقد خرج علينا مجموعة من الجمهور الجاهل، وهذا نتاج طبيعي إذا كان المتحدث جاهلا، فإن المتلقي سيكون أشد جهلا ، وهو ما يسمونه “الفانز” أو المتابيعين وهؤلاء جرمهم إعطاء شرعية للمزيفين .

إن المعرفة هي المعرفة، وطريقة تحصيلها تتطور وحسب، ولا يعني ذلك القفز إلى منصة المتحدثين دون المرور بمرحلة المتعلمين، وإذا كانت الرقمنة أتاحت لكل شخص التحدث، فلا قيمة لأشخاص  إدَّعوا المعرفة دون سابق علم أو دراية، فهوءلاء كما قال الله تعالى عنهم :فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } ([2])

إذا كانت الرقمنة أتاحت لكل فرد أن يتكلم ويعبر عن مكوناته ، فهذا لا يمنع من المسألة ، والانتقاد. فكما قلنا وما نَزالُ نقول: إذا كان من حق المبدع أن يقول ما يريد ، فإن من حق المتلقي قبول هذا أو رفضه، فالمسؤلية مشتركة .


([1])  صحيح البخاري :كتاب النكاح باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة (حديث رقم: 5219 )

([2]) الرعد /17