ممّا لا شك فيه أن مدرسة المعتزلة لم تَخْبُ جذوة أفكارها في أيّ عصر من العصور منذ نشأتها تمامًا بل لها وجود في معظم الحقب التاريخة التالية وإنْ اختلف حجم تأثيرها الفكري أو الديني وإنْ كانت تختلف من حيث قوة صوتها وحجمها من عصر إلى عصر.. ويكفي أن أفكارها دائمًا في مرمى البحث والدراسة والتعليق والنقد، وهذا في حد ذاته نوع من الوجود والمساهمة في الحياة الفكرية أيًّا كانت جذوتها وقوتها، لا سيَّما كلما ترنو على الأمة الإسلاميّة سحائب التخلف الفكري والجمود العقليّ وإنكار الاجتهاد وتقدم الناقلين للتراث بلا وعي ولا تمحيص وتبوؤهم الصفوف الأولى.

ونحن لا نقصد دراسة تاريخية كاملة أو بحتة لفكر المعتزلة في هذا الصدد وتطوره بل ما يعنينا هي تلك الفترة التي تلقي بظلالها على حياتنا الآن ويمكن القول إن هذه الفترة بدأت بوضوح من منتصف القرن التاسع عشر وحتى لحظتنا الراهنة.

ولا شك أنّ أنصار العقل أو نظرية المعرفة العقليّة كما يحلو لنا تسميتها لدى المعتزلة في تلك الفترة المتقدمة لَمْ تَكُنْ تشغلهم ذات الأفكار أو الأطروحات الفكرية التي كانت تشغل مدرسة الاعتزال في بدايتها ومراحلها الأولى، بل حتى المراحل التالية، فقضايا مثل خلود مرتكب الكبيرة في النار وشفاعة النبي () وعذاب القبر لَمْ تَكُنْ مطروحة بقوة بفعل تغير قضايا العصر الذي يعيش فيه المعتزلة الجدد والتراكم الفكري والفلسفي الحاصل للمجتمعات الإسلاميّة نتيجة للاحتكاك بالغرب..

ليس هذا فحسب بل إن أهم العوامل التي يمكن أن تكون قد أثرت في فكر المعتزلة الجدد بداية من منتصف القرن التاسع عشر حتى لحظتنا الراهنة هو ذلك الواقع المؤسف والمتردي للأمة الإسلاميّة في عمومها والأمة العربية بصفة خاصة، هذا الواقع ليس مقصورًا على الجانب الديني أو العقائدي فقط ولكن الذي نستطيع دون كثير من المجادلة أن نؤكد عليه أن الجانب السياسيّ والتردي الاجتماعي لهذا الواقع كان دافعًا لتلمّس النهوض والتطوير من خلال فكر المعتزلة وإعلاء قيمة العقل ومبادئ مثل العدل والاختيار، فقد استُخدمت أفكار المعتزلة ومنهجهم العقليّ لمحاولة مقاومة المستعمر الخارجي والحاكم المستبد المؤيد له أو الذي يعد أداة لهذا الاستعمار ثم الحاكم المستبد بعد قيام الثورات العربية وزوال الاستعمار بمفهومه العسكري وبقائه جاثمًا على صدر الأمة بالتبعية الاقتصادية والثقافية.

رغم اختلافنا من بعض الزوايا مع الاتجاهات الحديثة سواء ما تعلق بالمنهج وما تعلق ببنية الفكر الاعتزالي الحديث فإننا لا نستطيع أن نجرده من محاولته الحقيقية للنهوض بالمجتمعات الإسلاميّة والعربية من خلال المنهج العقليّ واستخدام المنهج والمضمون لمقاومة أساليب السلطة السياسيّة والدينية في الهيمنة وتشكيل العقول لتخنع بالاستبداد وتمالئ الظلم السياسيّ وتقبل بضياع العدالة الاجتماعية.

كما لا نتفق مع تلك الحملة الشرسة التي يتعرض لها بعض أنصار الفكر المعتزليّ الحديث خاصة تلك التي تُبنى على رصانة علمية ومتانة ثقافية وليست مجرد هجوم أجوف على أفكار الإسلام فنحن لا نتفق أبدًا مع تجريد هؤلاء من وطنيتهم أو دينهم أو رميهم بالإلحاد والكفر أيًّا كان حجم الاختلاف، فالفكر بالفكر والنية محلها القلب ورب السموات هو الذي يحاسب على المقصد ولا يمكن استنتاج النية والقصد من رأي أو تصرف أو فعل، فالفكر ليس عملاً ماديًّا إجراميًّا يخضع لقواعد القصد الجنائي في قانون العقوبات.

فالحق أنه منذ محاولات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حتى لحظتنا الراهنة فإنه يمكن بسهولة القول إن الرغبة في تحرير الإنسان وإعلاء قيمته في مواجهة السلطات الزمنية والاستبداد السياسيّ والتغييب العقليّ الديني كانت هي الدافع وراء تبني أفكار المعتزلة في محاولة إصلاحية جادة وحقيقية وهو شيء محمود وإن اختلف الفكر وتباينت الرؤى سواء من حيث المنهج أو المنتج النهائي لهذا المنهج.

وفي المقابل لا يمكن أن ننكر أن بعض هذه المحاولات جاءت نتيجة لتبني الفلسفة الغربية والمناهج العلمية في التحليل والنقد والفلسفة وكأن التاريخ يعيد نفسه فكما تأثرت المعتزلة في نشأتها بالفلسفة اليونانية ــ دون ان تكون الدافع الوحيد لها ـــ فمما لا شك فيه أيضًا أن بعض أنصار تقديم العقل مطلقًا على النص بل ومحاولة تهميش النص وإخضاعه للتأويل العقليّ المحض ومناهج التفسير النابعة من الفلسفة الغربية من الواضح تأثرهم بالفلسفة الغربية ومناهج تفسير النصوص الأدبية التي استُخدمت لتفسير نصوص لاهوتية كالتوراة والإنجيل.

والأمر لدينا مختلف تمامًا حيث يستقل النص القرآني باعتباره شاملاً للعلاقة بين العبد وربه والعبد والعبد بقواعد تفسير مستقلة ومنضبطة ترتبط أحيانًا بنصوص السنة قطعية الثبوت قطعية الدلالة وهو في ذلك منهج يختلف عن المناهج الغربية سواء ما يفسر النص الأدبي أو النص اللاهوتي ([1]).

وفي هذا السياق يرى البعض أن مفهوم «المعتزلة الجُدُد» لا يدل على تيار فكري مُعين أو معسكر يُمكن تسميته بهذا الاسم، وفي مُحاولة لإعطاء هذا المصطلح المطاطي شيئًا من التحديد؛ وضَعَ الكاتبُ عِدَّة معايير للحكم على أحد المفكرين بانتمائه العام لهذا التيار موضوع البحث، وهي:

1- اهتمام الكاتب عن طريق التأليف والكتابة عن المعتزلة، مع تأييده لبعض أفكارهم، أو الدعوة إلى إعادة التفكير فيها من جديد، أو الحديث عنها بشكل إيجابي، ذكر من هؤلاء «أحمد أمين، محمد عبدالهادي أبوريده، علي مصطفى الغرابي، زهدي جار الله، ألبير نصري نادر، المغربية فاطمة ميرنيسي».

2- الكُتاب الذين يتناولون قضايا مثل حرية الإنسان، وتقديم العقل، وغيرها من المفاهيم المتقاربة مع فكر المعتزلة والمتأثرة بها بطريق غير مُباشرة، ولكن بأسلوب الكاتب ولغته الخاصَّة، من هؤلاء: «الرِّوائي محمد كامل حسين، هشام جعيط، الطالبي، محجوب بن ميلاد، خلف الله، حسن حنفي»، كما ذكر من بينهم «سيد قطب والمودودي»، وقد ذكر المؤلف أنَّ هذا المعيار أوسعُ من المقصود؛ حيث إن القائمة التي نتجت من تطبيق هذا المحدد على المفكِّرين العرب قد أنتجت مُثقَّفين من جميع التيارات، ربَّما كان بعضها مناوئًا تمامًا لمدرسة المعتزلة، وفي إشارة تدُلُّ على الحرص في تتبُّع المفهوم في الوسط العربي، فقد أشار الكاتب إلى ما كتبه محمد العبده، وطارق عبدالحليم، عن المعتزلة، ورصدهم للمعتزلة الجُدُد، وقد نَبَّه المؤلف إلى أن الكاتِبَيْن -السُّنِّيين- قد استعملا مصطلحَ «المعتزلة الجُدُد» بمعنى سلبي.

3- الكُتاب الذين يؤمنون بأفكار المعتزلة، لكنَّهم لا يُصرِّحون بذلك لأسباب تكتيكية -حسب تعبير الكاتب- وقد ذكر أنَّ أوضح مثالٍ لهذا الصنف هو مُحمد عبده؛ حيثُ وصَفه بمحاولة إيجاد طُرُق وصياغات وسطية بين الأشاعرة والمعتزلة؛ مما أدَّي إلى إخفاء تأيِيده للمعتزلة صراحة، وقد ذكر في هذا السِّياق موقفَ جابر عصفور أثناء تأييده لتلميذه نصر حامد أبو زيد، ممثلاً الصِّراع بينه وبين مُخالفيه على أنَّه صراع بين أهل العقل «المعتزلة» وأهل النَّقل.

4- الكُتاب الذين يُقِرُّون صراحة بانتمائهم إلى مدرسة الاعتزال، وقد رأى المؤلف أنَّ قلة من الكتاب يتَّخذون هذا الموقف الصَّريح لعدة أسباب؛ منها أنَّ سمعة الجماعة خلال القرون الماضية تثبِّت في عقول المسلمين فكرة سلبية عن المدرسة والمنتسب إليها، كما أشار إلى أن معنى كلمة الاعتزال وما تحويه من انغلاق وتفريق للأمَّة جعل الاتصاف بها غير مرغوب فيه لدى كثير من الناس، إلاَّ أنَّه أشار إلى أن السير أحمد خان، وحسن حنفي، من هذه القلة التي تعلن عن تأييدها وانتمائها الفكري إلى هذه المدرسة، وقد تزايدت هذه الدَّعوى في السنوات الماضية، فقد تَحدَّث بها كثيرون([2]).

والواقع أنه مع بالغ احترامنا لهذا الرأي فإننا نرى أن ثمة تطورًا لَحِقَ بأطروحات المعتزلة الجدد وذلك تحت تأثير البيئة الثقافية والسياسيّة والاجتماعية قبل الدينية التي يعيشون فيها وهذا التطور بدأ بالبحث في القضايا التقليدية التي تناولها المعتزلة وكان الباعث هو التحرر من الاستبداد العثماني كسلطة زمنية والهيمنة الدينية التي مارستها الخلافة العثمانية لترسيخ الاحتلال.

ويظهر ذلك جليًّا واضحًا في أفكار جمال الدين الأفغاني ومقالاته والإمام محمد عبده ثم تلا ذلك مرحلة التأثر الشديد بالاحتلال ومناهضة أيضًا الأفكار الاستعمارية ثم انتهى بقضايا عصرية وأفكار جديدة على يد بعض منظري المعتزلة وانتقلت من الأفكار التقليدية إلى أفكار حديثة تتعلق بتأويل النص وتاريخية النص القرآني ومس قدسيته في كثير من الأحيان بالإضافة إلى تبنيها الكثير من الرفض لكل ما هو غيبي قد يتنافى مع العقل المادي الحاضر بقوة في الثقافة الغربية.

إن هذا الرأي يتعرض للمعتزلة الجدد من وجهة نظر شخصية كما أن هناك تداخلاً في الأفكار بين الأسماء التي يتم تصنيفها ضمن المجموعات التي أشار إليها.. أما نحن فتقسيمنا لا يستند إلى عنصر الزمن بقدر ما يرجع إلى الأفكار التي يطرحونها فنحن نتناول المعتزلة الجدد من حيث القضايا التي شغلتهم والتطور الذي لَحِقَ بهذه القضايا وصولاً إلى لحظتنا الراهنة.

وإذا كان ذلك إجمالاً فإنه يمكن تناوله بشيء من التفصيل وهذا ما يدفعنا لطرح عدة أسئلة:

1- ما القضايا التي عاد بها الفكر المعتزليّ للساحة في الفترة الزمنية التي نعنيها في دراستنا، وهل شهدت تغيرًا منذ القرن التاسع عشر حتى لحظتنا الراهنة أم لا؟

2- هل المنهج المتبع في تناول الأفكار والأطروحات المقدمة من أنصار مدرسة العقل تتفق تمامًا مع الفكر المعتزليّ أم خضعت لتأثير الثقافة الغربية، وما حجم هذا التأثير؟

3- هل نجح أنصار الفكر المعتزليّ في تحقيق أهدافهم أم لا، وما السبب وراء ذلك ومواقف السلطة الزمنية أو السياسيّة و كذلك السلطة الدينية ممثلة في المؤسسات الرسمية مثل الأزهر وغيره من هذا الاتجاه؟

4- وجهة نظرنا الشخصية في الفكر المعتزليّ (المعتزلة من الداخل هل هم صنف واحد أم عدد من الأصناف والاتجاهات، معتزلة من داخل الفكر الإسلاميّ ومعتزلة من خارجه) وتقييمنا لما حققه الفكر المعتزليّ؟

وستتضح إجابتنا عن هذه الأسئلة من خلال تناولنا لموضوع قضايا الفكر المعتزليّ في العصر الحديث.

المطلب الأول: قضايا الفكر المعتزليّ في العصر الحديث

يمكن ملاحظة مرور قضايا الفكر المعتزليّ أو مدرسة العقل بثلاث مراحل رئيسية مع تمتعها بذات الأسس والملامح، وهي إعلاء العقل وتقديمة على النص ومحاولة جحد ما لَمْ يَكُنْ محلاً لقبول العقل، تبدأ بمرحلة كان هاجسها سياسيًّا دينيًّا نظرًا للظروف التي عاشها العالم الإسلاميّ والعربي وتبدأ بظهور جمال الدين الأفغاني ثم مرحلة نابعة من الهاجس الثقافي وجمود العقل العربي ويظهر في كتابات طه حسين وبعض الأدباء والمفكرين وقد استمرت هذه الحقبة إلى الستينيّات من القرن العشرين حيث رسخ لها الفكر الاشتراكي ودعواته للتحرر من كثير من المعتقد الديني.

ثم المرحلة الأخيرة وكانت رد فعل على تفشي السلفية الدينية المنغلقة وغلب عليها قضايا تتعلق بإشكالية النص الديني وفهمه وأثره على الحياة الثقافية والدينية ويظهر ذلك بوضوح وجلاء في كتابات بعض المعتدلين أمثال محمد عمارة وفهمي هويدي والعوا والقرضاوي ثم طرف أكثر تشددًا ومغالاة أمثال نصر أبو زيد وحسن حنفي وغيرهم حيث بالغوا في مسألة تفسير النص والتأويل للنص القرآني القاطع وفقًا لمناهج تفسير حديثة لا صلة لها بالنص القرآني وقواعده.

والملاحظ أن هذه الاتجاهات جميعًا لم تعد مشغولة من التراث القديم لمدرسة العقل إلا بالقضايا التي يمكن أن تخدم الواقع الذي نعيش فيه فهي لم تعد مشغولة بقضية خلق القرآن مثلاً أو صفات الله أو معجزات النبي أو منزلة مرتكب الكبيرة وغيرها بقدر اشتغالها بمفهوم الحرية والعدالة والاختيار وإن هي تعرضت لمثل هذه الموضوعات  التى لا تجد لها صدى فى واقع حال المسلمين فإن تعرضها يكون عرضيًّا غير ذي أهمية خاصة لدى المعتزلة الأحدث بعد تغلغل الفكر اليساري.

ومع ذلك يحصر البعض([3]) أثر فكر المعتزلة على الفكر الإسلاميّ المعاصر في كثير من المسائل منها إعلاء قيمة العقل ومكانته وتأويل آيات القرآن الكريم والموقف من عقيدة الملائكة في القرآن، وتأويل المراد بالجن، والتأويل للمراد بالجنة في القرآن والموقف من قصص القرآن والمراد بها موقفهم من أخبار الغيب وعلامات الساعة وأخبارها وعن عقيدتهم في الدجال وعقيدتهم في نزول عيسى (عليه السلام) وعن عموم أشراط الساعة، وعن النفخ في الصور، وعقيدتهم في الولاء والبراء وتقارب الأديان والموقف من حديث المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ونَقَلَتُه إلينا (رضي الله عنهم) والتشكيك في منهج المحدثين وتمييع الحدود الشرعية.

غير أننا وإنْ كنا نتفق مع بعض هذه الأفكار خاصة في مرحلة الإمام محمد عبده فإن الاهتمام بالقضايا المشار إليها تضاءل أمام مشكلة الحرية والاختيار ومحاولة التخلص مما تصوره البعض جمود النص.

بيد أننا نُقصر بحثنا على مسألة واحدة وهي إعلاؤهم لقيمة العقل ومحاولتهم استخدام العقل للتأويل ومحاولات تأويل نصوص القرآن بما يتفق مع منهجهم العقليّ وسنعرض لذلك بإيجاز لحين تناول بعض نماذج من هذه المدرسة.

أولاً: إعلاء قيمة العقل على حساب النقل

كان لزعماء المدرسة العقليّة المعاصرة قصب السبق في هذا الباب، ونسوق هنا بعض كلامهم وكلام المنتمين لهذه المدرسة في هذه المسألة:

1. يقول الشيخ محمد عبده (رحمه الله) ([4]): «اتفق أهل الملة الإسلاميّة إلا قليلاً ممن لا يُنظَر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دلّ عليه العقل». ويقول عن منزلة العقل: «فأول أساس وُضِع عليه الإسلام هو النظر العقليّ والأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض».

وقال: «اتفق المسلمون إلا قليلاً ممن لا يعتد برأيه فيهم على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتابًا ويرسل رسولاً».

2. أما الدكتور حسن الترابي([5])، وهو من أبرز المحسوبين على التيار العقلاني المعاصر، فهو يقول مضخمًا لدور العقل في أمور الحياة: «لم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم، ولا توافق المقاصد التي يتوخاها لأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت… وقد تزايد المتداول في العلوم العقليّة المعاصرة بأقدار عظيمة وأصبح لزامًا علينا أن نقف في فقه الإسلام وقفة جديدة لنُسَخِّر العلم كله لعبادة الله وحده، ولعقد تركيب جديد بين علوم النقل التي نتلقاها كتابة ورواية وقرآنًا محفوظًا أو سنة يدعمها الوحي، وبين علوم العقل التي تتجدد كل يوم وتتكامل التجربة والنظر، وبذلك العلم الموحد نجدد فقهًا للدين وما يقتضيه في حياتنا الحاضرة طورًا بعد طور».

3. ويأتي في السياق نفسه كلام الدكتور محمد عمارة ([6])، الذي هو من أعمدة الفكر المعتزليّ المعاصر باعترافه هو في كثير من كتبه، يقول عن دور العقل مع الشرع: «إن حدث وبدا أن هناك تعارضًا بين ظاهر النص وبرهان العقل وجب تأويل النص -دون تعسف- بما يتفق مع برهان العقل حتى تتوافق في هداية البشر الأدلة النابعة من مصدر واحد». ويقول أيضًا: «لا بد من عرض النصوص المروية على البرهان العقليّ فإذا تعارضت معه وجب تأويلها كي تتفق مع برهان العقل».

ثانيًا: تأويل النصوص القرآنية بما يتوافق مع منهجهم العقليّ

حاول أنصار المعتزلة الجدد، أو أنصار مدرسة العقل، تأويل النصوص القرآنية إلى ما يتفق مع منهجهم العقليّ دون أدنى محاولة لرفع التناقض وأكثرها النصوص التي تتحدث عن الغيبيات كالملائكة والجن والجنة والمسيح الدجال وغيرها، وعلى سبيل المثال يقول الإمام محمد عبده: (وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم، ولكن من وفقهم الله (تعالى) على هذا السر قليلون، والدين إنما شُرِع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم يكاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله (تعالى) بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء) ([7]).

وكأن هذا الكلام هو تمهيد لذكر الرأي الآخر الذي توسع في ذكره والاستشهاد له ومناقشة مخالفيه في كتاباته الكثيرة فهو يقول: (ذهب بعض المفسرين مذهبًا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة وهو أن هذا النمو في النبات لَمْ يَكُنْ إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة.

وكذلك يقال في الحيوان والإنسان فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سُمّي في لسان الشرع (مَلَكًا) ومن لم يبالِ في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني (القوى الطبيعية) إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرًا هو مناطها، وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكًا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسًا طبيعيًّا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات).

وكذلك الشيخ أحمد مصطفى المراغي (رحمه الله ) ينقل هذا القول عن محمد عبده ويؤيده في تفسيره([8]). ويفعل ذلك أيضًا رشيد رضا (رحمه الله) في تفسير المنار.

وكما أن الإمام محمد عبده عند تعرضه لمسألة الجن يقول: (يصح أن يقال إن الأجسام الخفية التي عُرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصح أن تكون نوعًا من الجن…) ([9]).

أما الإمام محمد رشيد رضا قيقول: (وفعل جنة الشياطين في أنفس البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في أجسادهم وفي غيرها من أجسام الأحياء تؤثر فيها من حيث لا تُرى فتُتَّقى).

كما أنهم استخدموا المنهج العقليّ عند التعامل مع قصص القرآن، خاصة المتقدمين منهم، ويقول رشيد رضا ([10]): (ولا يشترط أن تكون القصة في مثل هذا التعبير واقعة بل يصح مثله في القصص التمثيلية، إذ يراد أن من شأن مثلها في وضوحه أن يكون معلومًا حتى كأنه مرئي بالعين..).

ثم يأتي قول أكثر صراحة من واحد من هؤلاء المعتزلة العصرانيين وهو محمد أحمد خلف الله، الذي ذكر أن ورود الخبر في القرآن لا يقتضي وقوعه، ثم قال: (هذه الوقفات الطويلة وهذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلاميّ يقرر أخيرًا، ويقرر في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، وأن التمسك به خطر أيّ خطر على النبي (عليه السلام) وعلى القرآن..).

ويقول في كلام أخطر من هذا، بعد ذكر قوله تعالى: «وقالُوا أساطيرُ الأولينَ اكتتَبَها… «[الفرقان: الآية 5]: (وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد (عليه السلام) وليس من عند الله، إذا كان هذا ثابتًا فإننا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير، لأننا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصًّا من نصوص القرآن..).

وهذا أيضًا قريب لقول طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي»: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي…).

ولم يقف التأويل عند النص القرآني ولكن ظهرت مشكلة التعارض مع نصوص السنة فكان موقفهم أيضًا يتمحور نحو إعلاء قيمة العقل على حساب النص([11])، وهو باب يطول الحديث فيه لكثرة خوض العقلانيين فيه وكلامهم عنه وإتيانهم بأصول جديدة في هذا الباب.. خذ مثلاً لذلك بتقسيمهم الحديث إلى تشريعي وغير تشريعي، ومن زعمائهم في ذلك السيد أحمد خان الذي كان يرى أن من السنة ما هو أحاديث خاصة بالأمور الدينية وهي الملزمة، وأحاديث خاصة بالأمور الدنيوية وهي ليست ملزمة للمسلمين ولا داخلة في مهمة الرسول ().

ويقول الدكتور محمد سليم العوا، وهو يعلق على حديث [أنتم أعلم بأمور دنياكم]: (لو لَمْ يَكُنْ غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته () ليست كلها شرعًا لازمًا وقانونًا دائمًا لكفى..).

وسبق هؤلاء الدكتور شلتوت حين قال بعد تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وبعد تقسيم السنة غير التشريعية يقول: (وكل ما نُقل من هذه الأنواع ليس شرعًا يتعلق به طلب الفعل أو الترك، إنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعًا ولا مصدر تشريع..). والدكتور عمارة كذلك ممن يرى أن من السنة ما هو غير تشريعي، فيقول عن هذا النوع بعد ذكره النوع الأول: (والسنة غير التشريعية وهي تتعلق باجتهاد الرسول في فروع المتغيرات الدنيوية سواء في السياسة أو الحرب أو المال، وكل ما يتعلق بإمامته للدولة الإسلاميّة أو بقضائه في المنازعات أو… إلخ كلامه).

كما أنهم أنكروا أحاديث الآحاد،  ويبدو أن لهم موقفًا من حديث رسول الله () ردوا به كثيرًا من سنته وشريعته مرة بوصفها أحاديث آحاد ومرة بأنها لا توافق العقل.. وثالثة بالقدح في نَقَلَتها إلينا، كما سيأتي.. يقول الشيخ رشيد رضا: (أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمنًا لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد).

والشيخ محمد الغزالي يؤيد ذلك بقوله: (العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يتحمل إثارة من شك، وعلى أيّ حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقليّ ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد).

ورشيد رضا أيضًا يقول: (إن البخاري لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر…، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه…).

ويقول الدكتور الترابي: (لا بد لنا أن نعيد النظر في الضوابط التي وضعها البخاري، فليس هناك داع لهذه الثقة المفرطة في البخاري) ([12]).