القرآن الكريم وهو كتاب هداية وعبرة، في وزنه للحياة، وتقديره لحقائقها، يقصد في قصص الأنبياء والرسل فيما يقصد إليه من معان وحقائق إلى تنبيه العقول والأفكار إلى ما وقع في التاريخ البشري من غمط ظالم لأعظم حقائق الحياة، وتقصير متعمّد فيما كان يجب أن يكون في موضوع الصدارة من صحائفه.

ومن ثم جعل القرآن الكريم حديثه في عقائده، وعباداته، وتشريعاته، وآدابه، وأخلاقياته، ونظمِه في بيان علاقات الناس الاجتماعية، متصلاً أكمل اتصال بسيرة الأنبياء والمرسلين؛ لأنهم جميعاً لبنات في بناء الحضارة المثلى الرفيعة، التي جاءت رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم لتكميلها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: “إِنَّ مثَلي ومثلَ الأنبياء مِنْ قبْلي كمثَل رجل بَنى بيتاً فأحسنَهُ وأجمله، إِلاّ موضِع لبِنة مِنْ زاويةٍ، فَجعَل الناسُ يطوفونَ بهِ، ويعجبون له، ويقولون: هلًا وُضِعَتْ هذه اللَّبنة؟ قال: فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين” (1).

وفي رواية عن جابر رضي الله عنه: “مثَلي ومثلُ الأنبياء كرجل بَنى دارًا فأكملَها وأحسَنها، إِلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون، ويقولون: لولا موضعُ اللَّبنة”. زاد مسلم: “فأنا موضع اللّبنة جئت فختمت الأنبياء” (2).

فهذا الحديث الشريف يضع النبوة في أفقها الواقعي من آفاق الحياة، ويضع حملة لوائها من المصطفين لتلقّي كلمات الله في ذروة بناء الحضارة الإنسانية، حتى كأنهما حقيقة واحدة، هي التي تصنع الحياة، وتبني الحضارة الفكريّة والماديّة في صورة إنسانيّة موحّدة الإحساس والشعور والاتجاه!فالحضارة الإنسانيّة الرفيعة، أو الحياة الإنسانيّة المهذّبة، في معنى هذا الحديث الشريف بناء وضع كل نبيّ من الأنبياء، وكل رسول من الرسل، لبنة في صرحه، حتى استقام مستعلياً سامقاً في أجواء الحياة، مزيّناً مجملاً، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه لم توضع، وبقي مكانها فارغاً، يُنْقِص من عجاب الناس بالبناء، وهم يطوفون به في أطوار الحياة، ودورات الفلك، ويتمنّون لو أن هذه اللبنة جاءت بحقيقتها وصورتها, لتوضع في موضعها، ليتكامل حُسن البناء، ويتم الإعجاب به .. وجاءت اللبنة بحقيقتها الجامعة لكل ما في لبنات البناء من طبيعة وحقيقة، فكانت درّة البناء الفريدة، وكانت الرسالة الخالدة لخاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم.