اليوم العالمي للتسامح ..ثقافة إنسانية لا بد منها

اليوم العالمي للتسامح

يحتفل العالم في اليوم الـ 16 من شهر نوفمبر، كل عام بـ اليوم العالمي للتسامح أو ما يُعرف بـ “اليوم الدولي للتسامح”، فما معنى التسامح؟ وإلى ما يشير مفهومه بالضبط؟ وما قصة هذا اليوم؟ وأيضا ما موقع التسامح في ديننا الإسلامي وماهي فوائدة ومظاهره وأنواعه؟

اليوم العالمي للتسامح، هو اليوم الذي دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء  للاحتفال به. وقد جاءت هذه الدعوة في أعقاب إعلان الجمعية العامة في عام 1993، بأن يكون عام 1995 عام الأمم المتحدة للتسماح، ومبادرة المؤتمر العام لليونسكو في 16 نوفمبر عام 1995، حيث اعتمدت الدول الأعضاء في المنظمة الدولية المبادئ المتعلقة بالتسامح وخطة عمل متابعة سنة الأمم المتحدة للتسامح.

وأعلنت الجمعية العامة التابعة لليونسكو في 1993 سنة 1995 بوصفها سنة الأمم المتحدة للتسامح. وفي المؤتمر العام لليونسكو في 16 نوفمبر 1995، اعتمدت الدول الأعضاء إعلان المبادئ بشأن التسامح وخطة عمل متابعة سنة الأمم المتحدة للتسامح.

وباعتماد إعلان المبادئ وخطة العمل من أجل المتابعة، أعلنت الدول الـ185 الأعضاء في اليونسكو أنها تأخذ على عاتقها اعتماد اليوم العالمي للتسامح وتعزيز التسامح واللاعنف عن طريق برامج ومؤسسات تُعني بمجالات التربية والعلم والثقافة والاتصال.

ما معنى وتعريف التسامح؟

التسامح في اللغة أصله: سَمَحَ، وهو مفهومٌ يعني العفو عند المقدرة، وعدم رد الإساءة بالإساءة، والترفع عن الصغائر، والسمو بالنفس إلى مرتبة أخلاقية عالية، فهو مفهوم أخلاقي اجتماعي، دعا إليه كافة الرسل والأنبياء والمصلحين، لما له من أهمية كبرى في تحقيق وحدة وتماسك المجتمعات، والقضاء على الخلافات بين الأفراد والجماعات، والتسامح يعني احترام ثقافة وعقيدة وقيم الآخرين، وهو ركيزة أساسية للعدل والحريات الإنسانية العامة.

يُعرَّف التسامح في قاموس أكسفورد الإنجليزي بأنه: العمل، أو الممارسة المُتمثلة بتحمُل الألم، أو المشقة. ويُعرَّف أيضاً بأنه: القوّة، أو المقدرة على التحمل.

وتُعرف منظمة اليونسكو التسامح على أنه “الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا”.

وقد أوضحت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف التسامح كالتالي: “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا..إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد أنه الوئام في سياق الاختلاف. وهو ليس واجباً أخلاقياً فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضاً. والتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب”.

ويُشيرُ لفظ التّسامح -المُشتقّ من الفعل تسامَح الخماسيُّ اللازم المعتدِّي- إلى التَّساهل والتَّهاون واللين، ومن مدلولاته اللغويَّةُ الحِلمُ والعفوُ والمُسامحة، أي غُفرانُ الحقوقِ، والعفوِ عن الخطأ، والموافقة على الصَّفح وتدلُّ السَّماحةُ لُغةً على السَّلاسة، والمُساهلة، والتهاونِ، والحِلم، والرِّفق، وفي النُّظم الفلسفيَّة العالمية يُنظر إلى التسامح على أنَّه احترامٌ تبادليٌّ بين الأفرادِ والآراء مهما كان مستواه صحيحاً كان أم خاطئًا.

إنَّ تحقيقَ التَّسامح بين النَّاس وتعميمه بينهم ليشملَ جميع معاملاتهم وأمور حياتهم، يتطلَّب تأكيداً تربوياً دستورياً يرعاه، ويُنظِّمه، ويضمنُ ترتيبه واستحقاقه، ويكفلُ إنفاذه بلا ضرر ولا غُبن، فقد ضمن الإسلامُ حقوقَ النَّاسِ وأكَّدَ على تمامها وعدم الانتقاصِ من حقوقهم شيئاً مهما كانت مستوياتهم ودرجاتهم بالنَّسبِ والمالِ والشَّرف وغير ذلك.

لماذا التسامح؟

للتسامح أثر طيّب في حياة المجتمع، فالأشخاص الذينَ يُبدونَ التسامح تجاه الآخرين من المحتمل أن يصبحَ حالهم أفضل من الأشخاص الأقلّ تسامُحاً. ومن الناحية الاقتصاديّة يُعتبَر التسامح مقياساً لمدى استعداد فرد، أو مجتمع للمشاركة مع الآخرين الذينَ لديهم أيديولوجيّات المختلفة؛ فالتسامح يُحفِّز العقلانيّة لدى الأشخاص، وبالتالي يزيد من قدرتهم على رؤية الآخرين الذين يختلفون عنهم على أنّهم شركاء مُحتمَلون.

كما يُوجِد التسامح بيئة تجذب المواهب، والقدرات جميعها، وبالتالي فإنّ التنوُّع سيكونُ كبيراً في تلكَ المناطق، ممّا يساهم في التقدُّم، والابتكار، والنموّ الاقتصاديّ. ومن الناحية الاجتماعيّة يساهم التسامح في تقليل نسبة التنمُّر، وخاصّةً لدى الأطفال، ويُعتبَر التسامح واجباً أخلاقيّاً تجاه الآخرين، ممّا يعزز احترام الشخص لذاته قبلَ احترامه للآخرين.

وللتسامح أهميّة إنسانية كبيرة خاصة في حفظ حقوق الإنسان، وتحقيق السلام، والديمقراطيّة، والحدّ من العنف، والنزاعات، والحروب. ونظراً لأهميّة التسامح، فإنّه لا بدّ من معرفة وسائل تنشئة الأشخاص ليكونوا متسامحينَ منذ طفولتهم؛ إذ يبدأ اكتساب الطفل لصفاته الأخلاقيّة من الوالدين في المنزل؛ فإذا كانَ الوالدان مُتسامحَينَ مع الآخرين، فإنّ الطفل سيكون انعكاساً لما يراه في المنزل، ممّا يُوجِب الحذر من استخدام العبارات السلبيّة، والعُنصريّة أمامَ الطفل. كما يمكن تعليم الطفل ثقافات الآخرين، وأفكارهم، ودَفعه إلى مشاركة الأنشطة مع الأصدقاء الذين يختلفونَ عنه؛ فالطفل عندما يكون منفتحاً على الثقافات، والأشخاص، والأديان المختلفة، سيكون من السهل عليه قبول اختلاف الآخرين عندما يكبر. وللمدرسة دور في توعية الأطفال بضرورة احترام الآخرين، وإعداد برامج تعليميّة توعويّة عن التسامح، ولزيادة الاندماج بينَ الأطفال على اختلافهم، فإنّه يمكن إشراكهم في الرحلات، والمُخيَّمات الصيفيّة. ويكمن دور الإعلام في إيصال صورة غير مُتعصِّبة للأشخاص المُختلفين، وضرورة انتباه الأهل للمحتوى الإعلامي الذي يشاهده أطفالهم.

التسامح كمهارة تاريخية

التسامح خُلق موجود عبرَ التاريخ، وعبر مختلف الحضارات، والدُّول، والأمم والأديان. أمّا في العصر الحديث فقد ظهرَ مصطلح التسامح في القرنَين: 16م، و17م، من أجل تأكيد حقّ الأفراد في العبادة في إنجلترا، وقد أقرّه فلاسفة سياسيّون لهم أهميّة كبيرة، مثل: جون لوك، وجون ستيوارت مل، وجون رولس.

وهو خُلُق لا بُدّ من اتّخاذه كبُنية أساسيّة في سياسات البشر، وتطلُّعاتهم، وتنمية القِيَم، والفضائل لديهم بغضّ النظر عن انتماءاتهم، وأديانهم، وطوائفهم، ومعتقداتهم، وذلك بهدف بناء عالَم سعيد، وجديد تسوده روابط الألفة، والروحانيّة.

ويبرز التسامح كمهارة من مهارات الحياة المهمّة، وصفة في المجتمعات المُتحضِّرة التي لا يتقيّد فيها الإنسان بتقاليد، وعادات تحكم نظرته للآخرين؛ فيكون منفتحاً مُتقبِّلاً للناس على اختلافهم، وهو ما يؤدّي إلى التعايُش السلميّ بينَ الفئات المختلفة في المجتمع، علماً بأنّ التسامح يُطبَّق على العديد من الجوانب، كالتسامح العرقيّ، والتسامح المهنيّ، والتسامح المَبنيّ على الجنس، والتوجُّه الجنسيّ، والتسامح الدينيّ، وغيرها.

ولا يعني التسامح القناعة التامّة بالمُعتقدات الخاصّة بالإنسان الآخر، ولكنّه مهارة تتطلّب عدم التعصُّب، أو العنصريّة، واحترام الاختلاف مع الآخرين، والتركيز على القواسم المشتركة بدلاً من التركيز على الاختلاف، بل والدفاع عن الآخرين إذا ما تعرّضوا لمُضايقات؛ بسبب اختلافهم.

ماذا تعرف عن اليوم العالمي للتسامح ؟

  • بدأ الاحتفال باليوم العالمي للتسامح اعتباراً من 16 نوفمبر عام 1996.
  • يعد اليوم العالمي للتسامح مناسبة سنوية تحتفي بها الأمم والشعوب والمجتمعات، من أجل ترسيخ قيم وثقافات التسامح والاحترام والتآخي ونبذ كل مظار التعصب والكراهية والتمييز.
  • اليوم العالمي للتسامح هو يوم لاحترام ثقافات ومعتقدات وتقاليد الآخرين وفهم المخاطر التي يشكلها التعصب.
  • التسامح لا يعني التساهل أو عدم الاكتراث، لكنه احترا موتقدير التنوع الثقافي والإنساني.
  • التسامح يعترف بحقوق الإنسان العالمية كافة والحريات الآساسية للآخرين، ويؤكد أن المسألة ليست فقط واجباً أخلاقياً ولكن شرطاً أساسياً وقانونياً للأفراد والجماعات والدول.

جائزة اليونسكو للتسامح

أنشأت منظمة اليونسكو جائزة – مادانجيت سينغ – بهدف تعزيز قيمة التسامح واللاعنف في الأنشطة المختلفة، العلمية والفنية والثقافية والتواصلية. فمن أجل إعلاء قيم التسامح في العالم، اُستلهم إنشاء الجائزة من المثل العليا الواردة في الميثاق التأسيسي لـ منظمة اليونسكو الذي ينص على أن “من المحتم أن يقوم السلام على أساس من التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر”.

وتكافئ الجائزة الأشخاص أو المؤسسات أو المنظمات التي تتميز بالقيام بمبادرات جديرة بالتقدير بوجه على مدار عدة سنوات، ترمي إلى تعزيز التفاهم وتسوية المشكلات الدولية أو الوطنية بروح من التسامح واللاعنف.

تبلغ قيمة الجائزة 100000 دولار أمريكي يتم منحها كل سنتين، وقد أنشئت عام 1995 بمناسبة الاحتفال بسنة الأمم المتحدة للتسامح وبذكرى مورو 125 عاماً على ميلاد المهاتما غاندي. وجاءت في ضوء المثل العليا الواردة في الميثاق التأسيسي لليونسكو الذي ينص على: “من المحتم أن يقوم السلام على أساس من التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر.

وتحمل الجائزة اسم مانحها، السيد مادانجيت سنغ، الذي كان سفيراً لليونسكو للنوايا الحسنة وفناناً وكاتباً ودبلوماسياً من الهندن وتبلغ قيمتها 100 ألف دولار أمريكي، ويتم منحها كل سنتين خلال احتفال رسمي بمناسبة اليوم الدولي للتسامح في 16 نوفمبر.

مفهوم التسامح في الإسلام

تكتسي ثقافة التسامح في الإسلام أهمية كبرى، سواء تعلق الأمر بالقرآن الكريم أو بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان التسامح اصطلاحا في اللغة والعلوم، قد أجمع الفلاسفة وأهل اللغة والاجتماع على وصفه كقيمةٍ بأنَّه العطاءُ والبَذلُ المُتفضِّلُ الذي لا إجبار فيه ولا واجب، وهو السُّهولة في المعاملات، وإنفاذ الأمور وتيسيرها وفي اللينِ والتلطُّف. فإن التسامح في الإسلام خُلق عظيم، حثنا الإسلام على التخلق به، وتطرق ديننا الحنيف إلى أهمية هذا الخلق، والمجالات التي نحتاج فيها إلى التزين بهذا الخلق، وهل تقتصر مجالات التسامح على المسلمين فيما بينهم، أم هو عامّ للمسلم وغيره.

فالتسامح في الإسلام يعني نسيان إساءة الماضي بكامل إرادتنا، وهو أيضا يعني التخلي عن رغبتنا في إيقاع الأذى بالآخرين لأي سبب قد حدث في الماضي، وهو رغبة قويّة في أن نفتح أعيننا لرؤية مزايا الناس بدلًا من أخطائهم، ومن أن نحكم عليهم ونحاكمهم؛ أو ندين أحدًا منهم.

التسامح هو التجاوز والعفو، وهو دعامة من دعائم العلاقات الإنسانية الإسلامية”، يقول تعالى في سورة الأعراف الآية 199: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ)، ويقول عز وجل في سورة المائدة، آية13 (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

ويمكن تعريفه: “التسامح مع الغير في المعاملات المختلفة، ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها، التي تتجلى في التيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين التي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى”.

والتسامح قد يقلل كثيرا من المشاكل التي تحدث بين الأقران والأحبة، الناتج عن سوء الظن وعدم التماس الأعذار. فقد يكون لك صديق أو أخ، صدر منه تصرف غير مناسب خطأ، فتقوم عليه الدنيا ولا تقعد، ثم يبدأ الشيطان يوسوس بأنه لا بد فعل كذا لأنه يريد كذا من السوء، أو قال كذا يقصد كذا من السوء، وهو قد يكون ما قال تلك الكلمة لشيء ولا لسبب، إنما خرجت منه دون قصد، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يومًا “إذا سمعت كلمة تؤذيك فطأطئ لها حتى تتخطاك”.

وذات يوم سُرِق الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود حين كان في السوق.. فقال له من كان معه: “تعالوا لندعوا على السارق”، فقال عبد الله: أنا صاحب المال، أنا أدعو وأنتم آمِّنوا! وبدأ بالدعاء قائلًا: ” اللهم إن كنت تعلم أنّ الذي سَـرق نقودي محتاجًا إليها فـبارك لـه فيها وإن كان غير محتاج إليها فاجعله آخـر ذنب يذنبه”.

أبرز أنواع التسامح في الإسلام؟

أنواع التسامح في الإسلام كثيرة ومتعددة بتعدد مجالات الحياة وتشعبها، ويمكن إيجاز بعض منها:

التسامح الديني:  لا تعرف البشرية ديناً أطول باعاً في التسامح والتصالح مع الآخر من الإسلام، وضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأمثلة على التسامح العقدي، وهو الذي عاش وأصحاب الديانات من غير المسلمين في المدينة آمنين؛ أمّنهم على معتقداتهم، وعباداتهم، ومعابدهم، وطقوسهم وصلبانهم، يمارسون شعائرهم، دون حرج ولا ضيق.

وقد أذن الله تعالى للمسلمين بالتعايش مع غير المسلمين، وملاطفتهم والتودد إليهم، قال الله -تعالى-: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

التسامح العرقي:

 جاء الإسلام ليمحو الجاهلية وما فيها من المحرمات والأباطيل، ومن هذه الأباطيل التي كانت منتشرة في الجاهلية؛ العصبية، سواء العصبية العرقية؛ هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا عربي، وهذا عجمي، أو العصبية الإقليمية، هذا من الشرق، وهذا من الغرب، أو العصبية القبلية؛ هذا من مضر، وهذا من ربيعة. فأبطل الإسلام ذلك كله، وجعلهم كلهم سواسية كأسنان المشط، لا فرق لعربيهم على عجميهم، ولا لكبيرهم على صغيرهم إلا بالتقوى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيُّها النَّاسُ، ألَا إنَّ ربَّكم واحِدٌ، وإنَّ أباكم واحِدٌ، ألَا لا فَضْلَ لِعَربيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عَرَبيٍّ، ولا أحمَرَ على أسوَدَ، ولا أسوَدَ على أحمَرَ؛ إلَّا بالتَّقْوى).

التسامح الاجتماعي:

 لقد اشتهر عند أصحاب الحضارات العريقة التي سبقت الإسلام؛ كحضارة الهند واليونان والروم نظام الطبقات، حيث يتوزع فيها الناس بالتفاضل، فيترأس على هذه الطبقات الملوك والحكام وكبار التجار، والوزراء والأغنياء، وكان هذا التقسيم متداولاً في تلك الحضارات، لا يستحيون منه، ولا ينكرونه، وكذلك كان كفار قريش يفعلون، فكان المجتمع المكي قائما على الطبقية المقيتة، حتى جاء الإسلام فارتفع من كان وضيعاً؛ لما ناله من العلم والإيمان، واتّضع من كان رفيعاً؛ بسبب جهله بكتاب الله وسنة نبيه.

مظاهر التسامح في الإسلام

ظهر التسامح في حياة المسلمين في مظاهر كثيرة، فظهر في العقائد والعبادات والمعاملات، وفي أصول الدين، وفروعه، ظهر في التعامل بين المسلم وأخيه المسلم، وبين المسلم وغير المسلم، فلا يقتصر التسامح على جهة دون أخرى، وإنّ من أهم المظاهر التي تجلّى فيها التسامح في الإسلام، ما يأتي:

  • التسامح في الحروب: القتال في الإسلام ليس مطلوباً لذاته، ولا شرع الله القتال والحرب من أجل القتل نفسه، وإنما من أجل دفع العدو. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (انطلقوا، بسمِ اللَّهِ، وباللَّهِ، وعلى ملِّةِ رسولِ اللهِ، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغلُّوا، وضمُّوا غنائمَكم، وأصلحوا، وأحسنوا؛ فإنَّ اللَّهَ يحبُّ المحسنينَ).
  • التسامح في العبادات: حيث شرع الله تعالى على المسلمين واجبات أوجبها عليهم لزاماً، ورتب على ترك هذه الواجبات عقوبة، كما رتب لمن يقوم بها أجراً عظيماً. ولكن الإسلام استثنى من العقوبة كل من ترك هذه الواجبات خارج نطاق المقدرة، كالناسي، فهو خارج نطاق العلم، ومن كان لا يقدر على القيام بهذه العبادة، لمرض، أو لعرض يشغله عن هذه العبادة، فإن الإسلام عفا عن أمثال هؤلاء، ولم يكلفهم فوق الطاقة، قال الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
  • التسامح في العقوبات: إنّ دقة التشريعات الإسلامية جعلت هذا التشريع معجزاً حقاً، ومن أجل الموازنة بين الجريمة والعقاب، جعل الله تعالى هذه العقوبات التشريعية رادعة للعصاة، وبالوقت نفسه غير مجحفة، إلا في بعض الحدود التي تجاوز فيها العصاة حدود الرحمة مع غيرهم كالقاتل؛ فإنه يقتل، من أجل أن لا تصبح حياة البشر رخيصة. ولكن الشرع يتجاوز عن هذه العقوبات في مجالات عديدة.  

من فوائد التسامح في الإسلام

للتسامح أثر عظيم في نفس المتسامح ونفوس من يخالطهم، وتبرز هذه الأهمية، فيما يأتي:

  1. ينال المتسامح بخلقه من الأجر ما لا يناله العابد المكثر من عبادته، لأن الله تعالى يعطي على الخلق أكثر مما يعطي على الاجتهاد في العبادة. لقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِخُلُقِهِ درجة الصائم القائم) صحيح ابن حبان.
  2. يترك التسامح في نفس الآخرين إقبالا على المتسامح ومحبة وتعظيماً.
  3. يعين التسامح على تعزيز مفهوم التعايش بين الشعوب، والأفراد؛ لأن التنافروعدم الانسجام، يقلل من فرص التلاقي والتجمع.
  4. المتسامح بإمكانه أن يحصل على الدرجات العليا دون تعب ولا مشقة، بمجرد تحسين خلقه، وحسن تعامله مع الناس، كما أنه يحصل على محبتهم وثقتهم، وبإمكانه بعد ذلك إقناعهم بأفكاره الدعوية.
المصدر : مصادر متعددة

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات