بناء الرسول ﷺ للجانب الاقتصادي

بناء الرسول للجانب الاقتصادي

قبل بناء الرسول ﷺ للجانب الاقتصادي من المعروف أن المهاجرين عندما وفدوا إلى المدينة استقبلهم إخوانهم الأنصار انطلاقا من قاعدة المؤاخاة بحب وإيثار لم يعرف تاريخ البشرية مثلهما، لدرجة أن الأنصار استحقوا أن يقول الله فيهم في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9).

وكان مما عرضه الأنصار على المهاجرين أن يقسموا بينهم أموالهم وأرضهم ودورهم، ولكن المهاجرين شكروا لهم كرمهم، وعملوا في شتى مناشط الحياة مع إخوانهم الأنصار.

وكان الأنصار أصحاب مزارع فقالوا للرسول : “‏اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، فقال: لا، فقالوا:‏ ‏تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا”‏ رواه البخاري.

إحياء للأرض

وقد بدأت عملية مزارعة كبرى في المدينة أعقبتها حركة إحياء للأرض الزراعية المهملة وفقا للقاعدة الشرعية التي وضعها الرسول “من أحيا أرضا مواتا فهي له” رواه البخاري.

وقد أقطع الرسول علي بن أبي طالب عيونا بينبع اشتهرت فيما بعد بكثرة إنتاجها، وعمل فيها علي رضي الله عنه بنفسه.

كما أقطع الزبير بن العوام أرضا بالمدينة استثمرها في الزراعة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد اشتهرت الكثير من الأودية التي انتشرت الزارعة بها في عصر الرسول، منها وادي “العقيق” الذي هو أهم أودية المدينة وفيه أموال أهل المدينة ومزارعهم.

 كذلك من الأودية المهمة التي استخدمت للزراعة في المدينة وادي “بطحان” وكانت به مزارع بني النضير وأموالهم، كذلك وادي “مهزوز” كانت به أموال قريظة، ووادي “قناة” وهو ثالث أودية المدينة، ووادي “رانونا”.

كذلك من الأودية التي استفيد من أرضها بالزراعة “وادي القرى”، كذلك عرف في الطائف الكثير من الأودية التي استفيد منها بالزراعة، أهمها وادي “وج”، ويقع غرب الطائف، وفيه الكثير من المزارع والبساتين وترفده بعض الأودية الأخرى، كذلك وادي “ليه” ويقع شرق الطائف وبالقرب منها.

بناء الرسول ﷺ للجانب الاقتصادي الزراعي

ولم يكن المهاجرون والأنصار وحدهم الذين أقاموا النهضة الزراعية في المدينة المنورة، بل كان ضمن العاملين بالزراعة في المدنية المنورة، شباب آخرون من الذين أسلموا والتحقوا بهم. ومما يدل على كثرة الموالي، أن الرسول حينما حاصر الطائف وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي، نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من الطائف. وكانت هناك مجموعة كبيرة من الموالي الأحباش يعملون في المدينة في حقول الأنصار، ويدل على وجودهم الملموس أنهم حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الهجرة خرج هؤلاء الأحباش واجتمعوا ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم النبي  إلى المدينة.

وكانت لهذه الطوائف الشابة تأثيرها الذي لا ينكر في تنمية الزراعة في عهد الرسول.

كفالة المهاجرين

وعندما دخل الرسول المدينة وأقام سبعة أشهر في بيت أبي أيوب الأنصاري، قام الأنصار بالتنازل لرسول الله عن كل فضل كان في خططهم.. حتى يتمكن من تنظيم المدينة تنظيما يسمح بكفالة إخوانهم المهاجرين، بل إنهم -رضي الله عنهم- قالوا للرسول: يا نبي الله: إن شئت فخذ منازلنا.. فشكر الرسول لهم قولهم.

وقد سأل الرسول أسعد بن زرارة (نقيب النقباء) أن يبيعه أرضا متصلة بالمسجد الذي كان أسعد قد بناه لنفسه، فعرض عليه أسعد أن يأخذها الرسول هبة منه، لكنه رفض، ليقيم الموازين القانونية في التعامل، ودفع ثمنها عشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثم أمر الرسول باتخاذ “اللّبِن” فاتخذ، وبني به المسجد (مسجد الرسول) ورفع أساسه بالحجارة، وسقف بالجريد، وجعلت عمده جذوعا، وبهذا وضع الرسول القاعدة الدينية والأساسية في بناء المدينة نظرا لتعدد الوظائف التي كان يقوم بها مسجده الشريف، والتي يجب أن يقوم بها كل مسجد.

تنظيم الري

واعتمادا على تفويض الأنصار -رضي الله عنهم- للرسول في بناء الجانب الاقتصادي بحيث يتحقق نسيج جديد إسلامي (إخائي) للمجتمع الجديد، قام الرسول بتوجيه التعامل مع “الماء والزرع” تعاملا يكفل أقصى الفعالية.

فعندما قال له بنو حارثة من الأنصار: “يا رسول الله ها هنا مسارح إبلنا ومرعى غنمنا ومخرج نسائنا -يعنون موضع السقاية- قال لهم الرسول: من قطع شجرة فليغرس مكانها، فغرسنا الغابة”.

وقد قضى رسول الله في وادي مهزور أن يحبس الماء في الأرض إلى الكعبين ثم يرسل إلى الأخرى، لا يمنع الأعلى الأسفل، (وهي عملية داخلة في باب تنظيم المياه بالنسبة للزراعة) وفي هذا لإطار ورد -أيضا- عن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله قضى في سيل مهزور أن الأعلى يمسك على من أسفل منه، حتى يبلغ الكعبين ثم يرسله على من أسفل منه.

وحدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قضى رسول الله في سيل مهزور أن لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.

وعن ابن جعدبة وغيره قالوا: أشرفت المدينة على الغرق في خلافة عثمان من سيل مهزور حتى اتخذ له عثمان ردما.

وفيما يتعلق بالأرض ومعادنها أو زراعتها قام الرسول بتوزيع الأرض المتروكة في المدينة على الصحابة، فأقطع عليه السلام بلال بن الحارث معادن بناحية الفروع، أي أرضا فيها معادن.

وعن جعفر بن محمد أن رسول الله أقطع عليا رضي الله عنه أربع أرضين: الفقيرين، وبئر قيس، والشجرة.

وعن أبي عكرمة مولى بلال بن الحارث المزني قال: أقطع رسول الله بلالا أرضا فيها جبل ومعدن، فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها، فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض حرث، ولم نبعك المعادن.

وجاءوا بكتاب النبي لهم في جريدة، فقبلها عمر، ومسح بها عينه، وقال لقيمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت وقاصهم بالنفقة ورد عليهم الفضل.


د. عبدالحليم عويس من علماء الأزهر

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات