بين حب المعرفة والإتقان

قلم

في مقالنا “نحو مفهوم جديد للهوايات“، قدمنا تصورا واسعا للهوايات، لتشمل في طياتها جميع الأنشطة المفضلة للشخص، ومن بينها بالطبع، الأنشطة (الجادة) إلى جانب أنشطة الرياضة والترفيه.. وفي مقدمة الأنشطة الجادة (التعلم) و(العمل).

إن حب العمل لا ينفصل عن «حب المعرفة»؛ بالنظر إلى أن «العمل» نفسه من ضروب «التعلم» ودرجة من درجات المعرفة. ولنا أن ننظر إلى العمل بوصفه تطبيقًا للمعرفة، ومنتجًا لها في نفس الوقت. أما إتقان العمل فهو درجة أرفع من مجرد أدائه، ولا تخفى صلة ما بين الإتقان وحب العمل. إن المتقن لعمله المتفاني فيه هو ذلك المتعلق بمهنته ومجاله، الشغوف بهما، لا ذلك المؤدي لمهامه بدافع الواجب في أحسن الأحوال، إن لم يكن مجبرًا عليها ومضطرًا.

وفي استخدامنا للمفهوم الجديد، عبر تطبيق نموذج ASC، استمر تأكيدنا على صلة ما بين المعرفة والعمل من ترابط وتعاضد، وعادة ما تظهر علاقات أكبر بينهما مع تقدم مستوى المستخدم. عند استخدامنا للنموذج في المرحلة الثانوية، يتجه اهتمام الطلاب الى ما يتوفر من علاقات بين تفضيلاتهم المعرفية واختياراتهم المهنية مستقبلا، لكن النموذج يوفر لهم منطقة وسطى بالغة الأهمية، وتتمثل في الأنشطة الجارية، وما إذا كانت متصلة بأنشطتهم المعرفية أم لا.

إن اهتمامنا بترسيخ «حب المعرفة» والشغف بها في نفوس الطلاب مبكرًا وهم في أطوار التشكل والنضوج، يتسق مع رغبتنا في التعامل معهم، فيما بعد- كمهنيين ومختصين أكثر شغفًا بأعمالهم بمختلف ضروبها، بغض النظر عما تصنعه معاجم المجتمع ولغة الواقع من تصنيف وتمييز بين الأعمال والمهن.

إن من ينشأ في حبٍّ للعلم والاكتشاف، سيكون محبًا لممارسة ما تعلمه وتطبيقه عمليا، كخطوة جديدة في مشوار التعلم، تزين صدره، وتنير ذهنه، وينفع بها الناس.

التطوع والعطاء المجاني

في سياق اهتمامه بأنشطة العمل والإنتاج، أولى المفهوم الجديد للهوايات، عناية خاصة بالعمل التطوعي، وأفرد له نموذج ASC عنوانا مستقلا، وإن كان نوعا من العمل. وتبدو فرص الإتقان في الأعمال التطوعية أكبر، من حيث ارتباط التطوع بالرغبة والشغف passion عادة، بخلاف الأعمال العادية، وإن كان الشغف مهما في كليهما. ويمثل إدراج التطوع في مصفوفة هوايات الطلاب، إلى جانب كل من المعرفة والرياضة والعمل، حزمة متكاملة توظف مختلف القدرات (ذهنية وبدنية ونفسية) في تآزر وتناغم بديع يؤكد أن تجديد مفهوم «الهوايات» لا تقف إيجابياته عند مرحلة «المعرفة» فقط، لكنه يمتد إلى صويحباتها الأخريات في سلة هوايات الطالب.

يقول أحد مستخدمي «ASC»: «لا يقف النموذج عند مساعدتنا في اكتشاف هواياتنا المعرفية والمهنية، بل يطلب منا معرفة ما بينهما من علاقات أيضًا». ويعمل النموذج على اكتشاف ما بين هوايات الطالب المعرفية والمهنية من صلات وروابط، من شأنها نقل شغفه بالمعرفة إلى شغف مماثل بالعمل from a passion for knowledge to a passion for work، سواء كان بأجر محدد أو تطوعا.

أنشطتنا بين صورتين

لكل نشاط صورتان، صورة من الخارج وأخرى من الداخل. تمثل الفكرة السابقة مدخلا في غاية الأهمية في برامجنا التدريبية، حيث نتعامل مع “الأنشطة” في صورتها الطبيعية “العادية”، ومن ثم العمل على تنميتها وتعزيزها، دون تركيز على صورتها من “الخارج”. لتقريب الفكرة، لنضرب مثلا بالكتابة كأحد الأنشطة “الجارية أو المفضلة” للمتدربين. إن صورتها الاجتماعية كالآتي: (الكتابة شاقة وعسيرة وتتطلب ثقافة واسعة ومعرفة دقيقة بالنحو وقواعد اللغة… الخ).

أما صورتها الطبيعية، فإنها نشاط عادي في سلة أنشطتنا الجارية، وليست بكل تلك الأشكال والقيود. وهكذا نعمل على نقلها من سياق الاستعراض إلى سياقات طبيعية أخرى كالتعلم والتواصل، بوصفها أداة مهمة وضرورية لكليهما.

إن الصورة الخارجية للأنشطة تحددها البيئة المحيطة، بكل ما تحمله من مفاهيم وتراكمات ثقافية واجتماعية، بينما تتحدد الصورة الداخلية للنشاط باختيارك “أنت”. إن ما نختاره من صور لأنشطتنا، هو ما يحدد مستوى ارتباطنا بها، ومدى قدرتنا على الاستمرار في ممارستها وتطويرها. أحضر أحدهم سيارته للمغسلة متأخرا، وكان العمال على وشك الخروج، فترجى صاحب السيارة أحدهم لتنظيفها قبل إغلاق المحل، ووعده بأجرة إضافية فضلا عن مساعدته في الوصول إلى وجهته بعد إنجاز العمل. وافق العامل وعلامات الرضا على وجهه، وشرع في تنظيف السيارة بعناية نالت إعجاب صاحبها. بعد إنجازه العمل رفض العامل أخذ الأجرة الإضافية واكتفى بالمقابل العادي لعمله، وشكر الزبون على كرمه وذوقه، ثم اتجه إلى سيارة فارهة بالقرب من المحل، وسط دهشة الزبون وذهوله!!

تتميز الصور الخارجية للانشطة، بعدم الثبات وتتغير تبعا لتغير ما يحيط بها من مفاهيم وأحداث ومواقف. في القصة كان واضحا أن صورة العامل قد تغيرت في ذهن الزبون، وكان التغير حادا ومفاجئا It was sudden and sharp؛ فقد كانت الصورة الأولى أن العامل كان مسرورا بالأجرة الإضافية، إلى جانب سروره بخدمة “التوصيل”.. ثم تغيرت إلى أخرى مغايرة لها تماما؛ إذ لم يكن سرور العامل بسبب الأجرة، ولم يكن بحاجة إلى سيارة توصله لوجهته بعد العمل.

تحدد الصورة الاجتماعية دوافع العمل وتحصرها في “الحصول على المال” وتدفع العامل إلى تسليع نفسه، والتعامل معها كبضاعة قابلة للبيع والشراء والمساومة.. وفي الاقتصاد يبرز العمل كأحد عناصر الإنتاج Production elements ، بجانب الأرض ورأس المال، في صورة خارجية أخرى تضع “الأيدي العاملة” عنصرا أساسيا في عمليات الإنتاج الاقتصادي.

في حديثه عن الاحتياجات الإنسانية human needs، يرى أنتوني روبنز أن سلوك الإنسان تحكمه ست دوافع و”محركات” نفسية، هي اليقين وعدم اليقين، و”الحب والتواصل”، والأهمية، والنمو والمساهمة. فهل تنطبق هذه المحركات والدوافع على “العمل” كسلوك إنساني؟ وهل بمقدور العمل توفيرها كاحتياجات إنسانية؟ تمثل نظرتنا إلى العمل كموفر لاحتياجات إنسانية، صورة من الداخل، في مقابل صورته الاجتماعية من الخارج كوسيلة للحصول على المال.

بنظرة متأنية إلى قائمة روبنز للاحتياجات، تجدها وثيقة الصلة بالعمل كنشاط إنساني مستمر. وإذا كان العمل مدعاة لليقين والإحساس بالأمان لدى بعضنا، فإنه أداة للمخاطرة والإثارة وعدم اليقين لدى آخرين.. والعمل وسيلة للتواصل مع مجتمع ما وإن كان محدودا، مما يوفر مستوى من الدفء وقسطا من الحب بالضرورة.. أما الاحتياج الإنساني للشعور بالقيمة والأهمية والنمو والمساهمة، فيبدو أكثرها اتصالا بالعمل وارتباطا به، وتمثل هذه الاحتياجات محركات ودوافع بارزة لحرصنا على العمل واستمرارنا فيه.

من المهم إدراك التباين بين ما نختزنه من صور داخلية لأنشطتنا ومن بينها “العمل”، وبين ما تحدده بيئاتنا المحيطة من صور خارجية، لا تصلح كمحركات ودوافع ووقود للاستمرار والإنجاز.

جغرافيا الشغف

في العواصم والمدن الرئيسية، تتاح فرص أكبر للتعلم والنمو المعرفي، في مقابل إتاحات أقل بالمدن الصغيرة والأرياف، لا سيما في بلداننا ومحيطنا القريب. في المناطق الهادئة تبدو فرص الإنتاج الذهني أكبر من غيرها، بعكس الحال في المدن المزدحمة أو ذات الضجيج المرتفع.

في برامج اكتشاف الهوايات وتعزيز الأنشطة، عادة ما يتساءل المشاركون عن أكثر الأنشطة ملاءمة لمراحل عمرية معينة. إن لتساؤلات المشاركين وجاهتها وأهميتها بالطبع، لكن الأهم برأيي هو ما تصنعه الجغرافيا من إتاحات، وما تحجبه أيضا، ويعد تفهم المشارك لبيئته ومناخه، خطوة أولى للتعرف على الأنشطة الملائمة أو الأكثر ملاءمة لميوله وقدراته.

ويعد نموذج ASC أداة داعمة لجغرافيا الأنشطة، حيث يمكننا استخدامه للبحث في العلاقات بين كل نشاط على حدة، وقائمة الأمكنة المتاحة لممارسته وتعزيزه. في إحدى حكايات آسك، استخدم التلاميذ النموذج للتخطيط لأنشطتهم في العطلة الصيفية (وقت)، وفي حكاية ثانية قامت الأخت الكبرى بتدريب الصغيرتين في المنزل (مكان).

في عالم الاقتصاد، يتركز اهتمام الفاعلين في الإنتاج والصناعات، على ما توفره الجغرافيا من ميزات تفضيلية preferential features، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية أو تقنية. تتجه الصناعات ذات الحاجة إلى العمالة، إلى مناطق الوفرة في الأيدي العاملة، بينما تتجه ذات الحاجة للبنى التقنية الجيدة، إلى “وادي السيليكون” .

إن أصحاب الأعمال أول من يخلع عباءة الانتماء إلى الحدود الجغرافية، في سبيل إنجاح أنشطتهم وتمددها، ولا يعنيهم من الجغرافيا إلا ما يتصل بالأعمال والاستثمارات.

إن ما يتعذر من الأنشطة في (بيئة) ما، قد يكون متاحا في أخرى قريبة أو بعيدة. ومن المهم أن ندرك ما تتيحه لنا الجغرافيا من فرص لتعزيز أنشطتنا المفضلة؛ لنصبح اكثر استعدادا للاستفادة من المتاح، وأكثر كفاءة في توظيف قدراتنا وميولاتنا لتحقيق أفضل نتائج ممكنة.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين