إن القرآن الكريم معجزة خالدة؛ لأنها مستمرة من عصر النبوة إلى قيام الساعة لا تنقطع، مشرقة لا تغرب وإن غربت الشمس، لامعة لا تأفل وإن أفلت النجوم، ليس من سبيل لإنكارها؛ لأنها مرئية بالبصر، مسموعة بالأذن، مدركة بالقلب.

ومن هاهنا كان اهتمام العلماء والدارسين في كل مصر وعصر بالقرآن العظيم من شتى التخصصات، حفظاً ودراسةً، بحثاً واستنتاجاً، حيث لم يدخروا جهداً في معرفة أسراره البلاغية، والكشف عن معانيه ودلالاته المفيدة، بيان مقاصده الكبرى.

ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة أن سخَّر لكتابه العزيز ثُلَّة من العلماء الراسخين المتقنين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة القرآن المجيد، وتوضيح معانيه، والكشف عن بلاغته وفصاحته، وأسلوبه ونظمه، وبيان أسراره وحِكَمِه، وما اشتمل عليه من روائع في الإعجاز والبيان والنظم.

أسس البحث في معاني القرآن وحروفه

ومن التنبيه بمكان أن البحث العميق لمعرفة الفروق الدقيقة بين الحروف والكلمات والجُمَل في القرآن الحكيم يستدعي:

  • الرجوع إلى أسباب النزول: بالوقوف على السابق واللاحق نزولاً، والتفريق بين القرآن المكي والمدني، المعرفة بقرائن الأحوال ومقتضيات المقامات.
  • الدلالات اللغوية: الرجوع إلى الدلالات اللغوية للألفاظ من حيث اللغة في نَسَقِهَا، ومن حيث وجودها في سياق معين.

بلاغة النظم ونفي الترادف في لغة القرآن

ففي لغة القرآن الكريم نلحظ أن ظاهرة الترادف تكون معدومة، إذ لكل لفظ موضعه المناسب ودلالته. ومن خصائص القرآن:

  1. ثراء المعاني ودقة النظم.
  2. استخدام النص لاعتبارات دقيقة.
  3. الوفاء بحق المعنى وبحق اللفظ.
  4. جمال الأسلوب، والتصوير والتشخيص بضرب الأمثال.
  5. الترابط الوثيق بين معاني السورة الواحدة.
  6. العلاقة بين السور بعضها ببعض، وما تقدم وما تأخر عنها في النزول أو في ترتيب المصحف.

وبذلك تبدو وحدة النسج وقوة الربط في إطار السياق بين سور القرآن وآياته محكمة.

القرآن الكريم: خطاب للعقل والوجدان

إن الله جلَّ ذكره يَسَّرَ هذا القرآن الكريم للعظة والاعتبار، وللذكرى والتوجيه:

{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17].

فنجد الكتاب العزيز يخاطب في الإنسان جميع حواسه: العقل والعاطفة، والنفس والوجدان، لجذب الإنسان إلى الحق، إلى صراط الله المستقيم، وللتأثير على كينونته بالشكل المطلوب:

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].

على أن القرآن العظيم مليء بالدُّرَر الغوالي وبالنُّكت النفيسة مع قوة المعنى ووضوحه، وشدة أسره للأفهام. قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].

فلا يعرض عن هداه ونوره إلا الأشقياء من بني آدم: {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82].