مفهوم الرواية بالمعنى وحكمها
الرواية بالمعنى رخصة لمن غاب عن ذهنه لفظ الحديث وليست عزيمة، والخلاف في رخصتها قديم منذ عصر الرواية وليست وليدة العصر، ويقصد بحقيقتها: رواية الراوي أو ناقل الحديث بمعناه في قالب عبارة أخرى أو لفظ آخر عند الأداء، وقد اختلف نظر علماء الحديث فيها يومئذ؛ فمنهم من تشدد ولم يجز الرواية بالمعنى، ومنهم من أجازها بشروط، ولكل منهم حجته ومستنده.
وقال ابن عون: “لقيت منهم –يعني التابعين- من كان يحب أن يُحدث الحديث كما سمع، ومنهم من لا يبالي إذا أصاب المعنى، ثم قال: ومن الذين كانوا لا يبالون إذا أصابوا المعنى الحسن، وعامر، وإبراهيم النخعي، والذين كانوا يحبون أن يحدثوا كما سمعوا محمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة، والقاسم بن محمد”. [1]
وقد روي عن بعض الصحابة وتلاميذهم وغيرهم من الأوائل أنهم كانوا يقولون عند الرواية: “قال رسول الله ﷺ أو كما قال، أو نحو هذا، أو شبهه، أو إما فوق ذلك، وإما دون ذلك، وإما قريب من ذلك”، تحرزاً في نقل الحديث بألفاظه.
تطور حكم رواية الحديث بالمعنى عند المحدثين
ثم استقر الأمر بعد الاختلاف على تجويز الرواية بالمعنى، واستفاض ذلك في تصرفاتهم ومصنفاتهم الحديثية لكن بقدر الحاجة وليس على نطاق واسع، ومن ذلك أيضاً: تقطيع متن الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب أو اختصاره عند الاستشهاد ومواضع الاحتجاج.
وقال الإمام أحمد: “ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.[2]
ويقول الإمام الترمذي في جامعه أثناء الحديث عن الرواية بالمعنى: “فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى. [3]
مفهوم السعة من كلام الإمام مفهوم نسبي وليس مطلقاً؛ مع أنهم حصروا وقصروا الجواز في حق العالم بما يحيل المعاني ودلالة الألفاظ، العارف بمقاصد العبارات، والخبير بمواقع الخطاب، وأما من كان على خلاف ذلك فلا يحل له الخوض في الرواية بالمعنى اتفاقاً، وكما أنهم اتفقوا على أن الأداء باللفظ المسموع هو الأصل والأفضل في كل حال ما أمكن؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “نضر الله امرأ سمع منا حديثاً، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه”. [4]
وفي لفظ: “نَضَّر الله امرءاً سمع منا شيئاً، فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أَوْعَى من سامع”. [5]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “من سمع حديثاً، فحدث به كما سمع، فقد سلم. [6] أي سلم من العهدة إذ من مقتضيات التبليغ التام الحفاظ على نقل الحديث بلفظه المروي عند الأداء.
حالات لا تروى فيها الأحاديث إلا بألفاظها
يتعين على المتحدث مراعاة أداء الحديث النبوي بصريح لفظه في الأحوال الآتية:
1. الحالة الأولى: الالتزام بألفاظ أحاديث بطون الكتب المدونة
كان تسويغ الخلاف في شأن الرواية بالمعنى فيما قبل عصر تدوين السنة النبوية وتصنيفها وتأليفها، وأما بعد ذلك فلا يجوز لأحد أن يتجرأ ويروي الحديث من كتب الحديث المؤلفة أو يورده بالمعنى على سبيل الرواية، ولا خلاف بين أهل العلم في النهي عن الرواية بالمعنى في هذه الصورة، لأن العلة الداعية للترخص والإجازة في الرواية بالمعنى عند من أجازها قد زالت وانتفت بتدوين كتب السنة فوجب الالتزام بنقل الحديث بمحكم لفظه كما هو دون إحداث تغيير فيه، إلا إذا كان إيراد الحديث على وجه مجرد التحدث بمعناه ومضمونه في المجالس واللقاءات لا بقصد الرواية فلا بأس.
2. الحالة الثانية: الالتزام بألفاظ أحاديث العقائد
خاصة أحاديث أسماء الله وصفاته فلا يجوز روايتها بالمعنى مطلقا؛ لأنها توقيفية، ولا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن أو في السنة لفظا ومعنى، ومثلاً من أسماء الله الحسنى: السميع، البصير، العلى، ومن صفاتها: السمع، والبصر، والعلو، ولا يجوز استبدال هذه الألفاظ المقدسة بألفاظ أخرى من أي يد ناقل كان من البشر سواء من الصحابة ومن تلاهم، إذ لا يقدر أحد على الإتيان بمثل أسماء الله تعالى وصفاته العلى إلا هو سبحانه وما علمه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.
3. الحالة الثالثة: الالتزام بألفاظ أحاديث العبادات
هي تلك الأحاديث المتعبد بألفاظها حرفيا، مثل: ألفاظ الآذان، والإقامة، وتكبيرات الصلاة، والقنوت، والتشهد، ونحوها، والأذكار، كأذكار ما بعد الصلاة من التسبيح، والتكبير، والتحميد، وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار السفر، والركوب، والطعام، واللباس، وأذكار تتعلق بآداب اليوم والليلة ومناسبات أخرى، لا تُروى أحاديثها بالمعنى بل بحرفية ألفاظها؛ لأن ألفاظها مقصودة شرعا، وهي جزء مقصود من العبادة، فلا يجوز تغييرها أو استبدالها بحال.
4. الحالة الرابعة: الالتزام بألفاظ أحاديث جوامع الكلم
وهي كلمات نبوية بليغة ومختصرة، ذات معاني واسعة، ولا يجوز أي التصرف في هذا النوع من الحديث لما له من شوب الإعجاز، وعندما يقف مسلم هادئاً متأملا متدبرا من دقة إعجاز وإيجاز أمثال حديث: “إنما الأعمال بالنيات” وحديث: “الحياء من الإيمان” وحديث “لا ضرر ولا ضرار ” وحديث “البينة على المدعي” وحديث: “الحلال بين والحرام بين” وحديث: “كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل” وغيرها التي لا تعد الكثرة، وهي بمثابة قواعد كلية محكمة ومقاصد عامة يحتكم إليها في أبواب الدين.
وهل يعقل أن يوجد لفظ آخر يحل محل التعبير النبوي ويعطى المعنى المقصود بوضوح تام عن المعاني الواسعة بكلمات قليلة، وتكون صالحة لتأسيس أحكام فقهية وتشريعات عامة؟
قال الإمام الزهري: “وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك.
وجوامع الكلم من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام فلا يجوز تبديلها ونقل معانيها في قالب ألفاظ أخرى لما في ذلك من تفقد وتضييع بلاغة وكمال فصاحة أفصح العرب عليه الصلاة والسلام مما قد يؤدي إلى تأثير على المعنى أيضا.
5. الحالة الخامسة: ألفاظ رسائل النبي عليه الصلاة والسلام والمعاهدات
ألفاظ رسائل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الملوك، أو في الصدقات، أو المعاهدات، أو فيما لم يسبق إليها من الألفاظ كقوله عليه الصلاة والسلام: “حمي الوطيس”: ولا تجوز رواية أمثال هذه الأحاديث بالمعنى؛ لأن ألفاظها دقيقة ومقصودة، وأي تغيير فيها قد يؤدي إلى تحريف الأحكام أو تغيير المقادير أو خرم في الشروط والمعاني، وكلما كان لفظ الحديث أدق مرادا أو فيه حكم معين أو فيه تحديد لأمر ما ونحوه وجب الالتزام والتقيد باللفظ المسموع الوارد دون تبديل لفظه بلفظ آخر.
خلاصة التنبيه
يجب التنبيه على أن الرواية بالمعنى لم تكن ظاهرة عامة في مسيرة تاريخ علم السنة النبوية، بل واقع كتب الحديث التراثية قد حوى أكثر الأحاديث بمحكم ألفاظها، حيث تجد اتفاق الرواة في العادة على رواية الحديث الواحد بلفظ واحد دون تغيير في متنه؛ لأن الرواية باللفظ عزيمة في الأصل بينما الرواية بالمعنى رخصة طارئة كما تقدم.
