في المقال السابق، توقفنا عند سؤال جوهري، كيف يمكن لنظام مدرسي منظم ومتزن أن يتحول – دون أن ندرك – إلى بيئة ضاغطة؟ وما الإشارات الخفية التي تنذر بانهيار التوازن التربوي؟ هذا ما تناقشه هذه المقالة التي تنتقل من سؤال بناء الطالب إلى سؤال البيئة التي تحتضن هذا البناء، هل تساعد المدرسة الطالب على النمو، أم تدفعه أحيانا إلى التوتر والقلق؟

تبدو المدرسة في ظاهرها فضاء آمنا ومنضبطا، بجداول محكمة، ومناهج واضحة، واختبارات تقيس الأداء. وخلف هذا الانضباط، تتشكل أحيانا بيئة لا تظهر في التقارير الرسمية، ولا ترصد في إحصاءات النتائج، وإنما تقرأ في وجوه الطلاب، ومستوى توترهم، وطبيعة علاقتهم بالتعلم ذاته.

الضغط الخفي

الضغط المدرسي لا يأتي دائما بصورته الصريحة، ولا يعلن عن نفسه في قرار إداري أو تعليمة رسمية. وإنما يتسلل تدريجيا عبر تراكمات يومية تبدو عادية في ظاهرها: اختبار يضاف إلى اختبار، ومقارنة تلي مقارنة، وخطأ يقابل بالعقوبة لا بالتصحيح، حتى يتقلص مفهوم النجاح ويصبح رقما نهائيا وحيدا لا يتسع لشيء آخر.

ويكفي أن يسود منطق ” المهم النتيجة ” حتى تبدأ قائمة من التأثيرات؛ يشعر المعلم بضغط النتائج فينعكس ذلك على مناخ الصف الدراسي، ويتلقى الطالب رسالة ضمنية بأن قيمته مرتبطة بأدائه. وتتداخل مع هذا الضغط أحيانا التوقعات الأسرية العالية، لتشكل حلقة متصلة من التوتر، فيتحول القلق من استجابة مؤقتة إلى حالة متكررة ترافق خبرة الطالب المدرسية.

إنتبه لإشارات الخطر!

من خلال متابعة الميدان التربوي يمكن الاستجابة منذ وقت مبكر لمؤشرات تنذر بأن المدرسة بدأت تذهب في اتجاه البيئة الدراسية الضاغطة على الطلاب، من أبرز هذه العلامات:

 1- إحجام طالب متفوق عن المشاركة خشية أن يخطئ أمام زملائه.

2- الشعور بقلق عالي قبل الاختبارات ويتجاوز حدود التوتر الطبيعي.

3- ضعف الدافعية لدى طلاب يمتلكون القدرة لكن ينقصهم الحافز و الشغف.

4- أنماط سلوكية انسحابية أو عدوانية تعبر عن ضغوطات نفسية مكبوتة.

5- الاعتماد الكلي على الحفظ الآلي فقط بدلا عن الفهم الحقيقي.

هذه المؤشرات تكشف عن وجود خلل في البيئة الدراسية ذاتها، قد تفرض على الطالب ما يفوق طاقته الانفعالية، ولا تمنحه ما يكفي من أدوات الدعم والتوازن. وقد رصدت جمعية علم النفس الأمريكية أن مستويات الضغط لدى المراهقين خلال العام الدراسي بلغت في المتوسط 5.8 من 10، وهذا المعدل يتخطى بمراحل قدرة تحمل هذه الفئة العمرية والمقدرة بـ 3.9 درجة، وتفوق أيضا معدل الضغط لدى البالغين والمقدرة 5.1 درجة مما أدى إلى تفاقم مشاعر الاكتئاب والإنهاك النفسي  لدى هذه الفئة العمرية.

وهنا تبرز الأهمية التطبيقية لما طرحه عالم النفس السويسري جان بياجيه، مؤسس نظرية البنائية المعرفية، من ضرورة مراعاة المرحلة النمائية والمعرفية للطفل. وما أكده المفكر النفسي الروسي ليف فيجوتسكي بشأن حاجة التعلم إلى دعم اجتماعي مناسب (Scaffolding)؛ فحين يغيب هذا الدعم، يتحول التحدي المعرفي من فرصة للنمو إلى مصدر تهديد نفسي يدفع الطالب نحو الحفظ الآلي عوضا عن الفهم العميق.

تباينات الضغط النفسي بين الطلاب

تتفاوت حدة الضغوطات النفسية من طالب لآخر، فبعضهم يمتلك دعما أسريا ونفسيا يساعده على التكيف، في حين يواجه آخرون هشاشة أكبر بسبب خلفيات اقتصادية أو اجتماعية أو تعليمية مختلفة. وبحسب ماجاء في بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول برنامج التقييم الدولي PISA 2018 المتعلقة بالفقرة الثالثة للإجابة على سؤال : ما الذي تعنيه الحياة المدرسية في حياة الطلاب ؟

تشير النتائج إلى أن الخوف من الفشل لا يتوزع بالتساوي بين الطلاب، إذ تظهر الفتيات وخاصة المتفوقات منهن أكاديميا في كثير من الأنظمة التعليمية مستويات أعلى من القلق مقارنة بالذكور، كما يوضح التقرير أن الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطالب أقل حظا يواجهون ضغطا مركبا، ضغط التحصيل الدراسي من جهة، وضغط الظروف المحيطة من جهة أخرى.

وتختلف مصادر الضغط كذلك باختلاف نوع المدرسة ففي بعض المدارس الخاصة تتزايد الضغوط بفعل التنافس وتوقعات أولياء الأمور، وفي بعض المدارس الحكومية تنشأ الضغوط من كثافة الفصول ونقص الكوادر التخصصية وصعوبة إفراد التعليم بما يلائم احتياجات كل طالب.

دور الإدارة المدرسية

إذن تأثير البيئة المدرسية واضح، لا سيما حينما تقتصر المؤسسة التعليمية رسالتها في تحقيق أرقام قياسية، مما يولد سلسلة من الضغوط الممتدة من المعلم إلى الطالب. في المقابل، تدرك الإدارة المدرسية الواعية أن جودة المناخ التربوي لا تقل شأنا عن جودة المناهج، وهذا ما تدعمه نظرية التوافق بين المرحلة والبيئة للباحثين جاكلين إيكلز وروبرت روسر، حيث أثبتا أن المناخ القائم على وضوح التوقعات ودفء العلاقات الإنسانية هو الكفيل بدعم نمو الطالب وتلبية احتياجاته الفطرية للاستقلال، والانتماء، والكفاءة.

تنسجم هذه الرؤية مع ما يطرحه الدكتور محمد صالح أبو جادو، أستاذ علم النفس التربوي في الجامعة الأردنية، من أن البيئة المدرسية الداعمة لا تؤثر في التحصيل وحده، بل تمتد إلى الدافعية، والتوافق النفسي، ونمو شخصية المتعلم في مجملها.

 وبالنظر إلى نتائج الدراسات الميدانية في السياق التربوي العربي، نجد تقاطعا ودعما لهذه الرؤى التي أكدت وجود علاقة طردية قوية بين إيجابية المناخ المدرسي ورفع مستوى التوافق الدراسي لدى الطلاب، مما يضع تهيئة البيئة التربوية في مقدمة الأولويات.

وهذا يعني أن تقييم المدرسة ينبغي ألا يختزل في معدلات النجاح والتحصيل، وإنما يشمل مؤشرات الرفاهية النفسية، والانضباط الإيجابي، وجودة العلاقة بين الطلاب والمعلمين، وعلينا التذكير بأن المدرسة التي تخاف من الخطأ تنتج طلابا يخافون من التعلم.

المعلم و البيئة المثالية

يتلقى المعلم من الإدارة ضغطا لتحقيق النتائج، ويطلب منه في الوقت ذاته احتواء طلابه نفسيا ودعمهم تربويا. وهذا التناقض، إن لم يدر بوعي، ينعكس على الصف الدراسي فيتحول إلى بيئة توتر جماعي.

بعض المعلمين – بحسن نية – ينقلون الضغط الذي يعيشونه إلى طلابهم، في حين ينجح آخرون في صناعة توازن رغم الظروف، عبر لغة صفية داعمة، وتشجيع المحاولة قبل النتيجة، وبناء علاقة إنسانية حقيقية مع الطالب. وقد أبرز الباحث التربوي النيوزيلندي جون هاتي في عمله الموسوعي Visible Learning – الذي استعرض نتائج أكثر من 800 تحليل بعدي – أن التغذية الراجعة الفعالة تمتلك حجم أثر يبلغ 0.70، وأن “الفعالية الجماعية للمعلمين”، أي إيمانهم المشترك بقدرتهم على إحداث فرق إيجابي، تعد من أقوى العوامل التربوية تأثيرا بحجم أثر يبلغ 1.57. وهذا يرسخ فكرة أن المعلم صانع مناخ نفسي وتربوي قبل أن يكون ناقل معرفة.

دور الأخصائي النفسي والاجتماعي

في كثير من المدارس، لا يستدعى الأخصائي النفسي أو الاجتماعي إلا بعد استفحال الأزمة، وكأن دوره يبدأ عند نقطة الانهيار. غير أن الدور الأعمق لهذا المتخصص ينبغي أن يكون وقائيا لا إسعافيا فقط؛ يرصد المؤشرات المبكرة للقلق، ويقدم برامج دعم نفسي استباقية، ويساند المعلمين في التعامل مع ضغوط المهنة، ويشارك الإدارة في قراءة المناخ المدرسي قبل أن تتحول الإشارات الصغيرة إلى أزمات كبيرة، وحين يفعل هذا الدور بصورة منتظمة، يتحول الأخصائي من “خط دفاع أخير” إلى شريك بنيوي في المنظومة التربوية اليومية.

تحولات لاستعادة التوازن التربوي

ومن أجل استعادة التوازن التربوي لابد من إجراء تحولات عملية قابلة للتطبيق منها:

  1. إعادة تعريف النجاح ليشمل التحصيل والتوازن النفسي والمشاركة الإيجابية، وعد الاكتفاء بمؤشر الدرجات فقط.
  2. بناء ثقافة آمنة للتعامل مع الوقوع في الخطأ، وإعادة النظر إلى مسألة التعثر بأنها خطوة في مسيرة التعلم.
  3. دعم المعلم نفسيا ومهنيا، فإرهاقه ينعكس على مناخ الصف الدراسي وعلاقته بطلابه.
  4. تفعيل التعلم الاجتماعي العاطفي داخل المنهج لا على هامشه.
  5. تقليص الاختبارات عديمة القيمة التشخيصية التي تضيف ضغطا دون أن تضيف معرفة حقيقية.
  6. إدراج الأنشطة البدنية والإبداعية في الجدول الدراسي.

التحصيل العلمي وجودة التجربة المدرسية .. قطر نموذجا

لتوسيع الأفق من التجارب الصفية إلى السياسات التعليمية، تبرز التحديثات التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في دولة قطر في محاولة إعادة التوازن بين التحصيل العلمي وجودة التجربة المدرسية.

خلال العام الأكاديمي 2024-2025، أطلق مركز التدريب والتطوير بالوزارة، بالتعاون مع مركز “اتزان” للاستشارات والتدريب بدولة الكويت، برنامجا تدريبيا متخصصا لقادة المدارس الحكومية تحت عنوان “جودة حياة الطالب وحمايته”، شارك فيه مئة قائد مدرسي في جلسات عملية تفاعلية، يهدف إلى تطوير مهارات القادة في بناء بيئة تعليمية داعمة مع التركيز على الصحة النفسية وحماية الطلبة داخل المؤسسات التعليمية.

 أما في العام الأكاديمي 2025-2026، فأعلنت الوزارة تفعيل إجراءات تقييم بديلة لاختبارات منتصف الفصل الدراسي الثاني لطلبة الصفوف من الأول الابتدائي حتى الحادي عشر، تشمل اعتماد التقييم المستمر بدلًا من الاختبارات لطلبة الصفين الأول والثاني الابتدائي، وتطبيق تقييم إلكتروني واحد لكل مادة لطلبة الصف الثالث حتى الحادي عشر. وتكشف هذه الخطوات عن اتجاه واضح للانتقال من قياس المدرسة بنتائجها فقط، إلى مدرسة تقيم أيضًا بجودة الحياة التعليمية التي تمنحها لطلابها.

خاتمة

إذن نحن نحاول الإجابة على سؤال يتعلق بكيفية تخريج إنسان قادر على التعلم دون أن يفقد توازنه في منتصف رحلته العلمية. قد تنتج المدرسة الضاغطة نتائج سريعة غير أنها تضعف علاقة الطالب بالمعرفة على المدى البعيد. أما المدرسة المتوازنة فتنتج متعلما قادرا على الاستمرار بسبب توفر بيئة تفهمه وتدعمه، وتمنحه مساحة ليكون إنسانا قبل أن يغدو رقما في جدول النتائج.