أظهرت الهجرة معدن المسلم الذي رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد -ﷺ- نبياً ورسولاً؛ فترك بعضهم ماله ودياره وهاجر ابتغاء مرضاة الله، واستقبله الأنصاري وفسح له مكاناً في قلبه قبل بيته، فكانت صورة فريدة من الأخوة التي قامت على التوحيد. وفي هذه المقالة استعراض لمشهد واحد يظهر بوضوح كيف ربى الإسلام رجالاً يثقون في أن ما عند الله خير وأبقى، فيتركون المال أحياناً وينفقونه أحياناً أخرى، وكل ذلك ثقة في أن الله تعالى سيعطيهم أفضل مما أنفقوا وأكثر مما تركوا.
روى الإمام البخاري في صحيحه أن المهاجرين «لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَهْيَمْ).[ما شأنك] قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: (كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا). قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. شَكَّ إِبْرَاهِيمُ.[وهو أحد رواة الحديث هل قدم عبدالرحمن مهر عروسه نواة من ذهب أو وزنها]».
مع حب الإنسان للمال حباً جماً عرض سعد بن الربيع نصف ماله على عبد الرحمن بن عوف وهو مال كثير وصفه رضي الله عنه بقوله: “إني أكثر الأنصار مالاً”، وعرض أن يطلق إحدى زوجتيه لكي يتزوجها عبد الرحمن بن عوف. فمن يجود هذا الجود إلا رجلاً ربانياً ينظر إلى ما عند الله تعالى، ولا يكافئ جمال هذا العرض إلا عفة عبد الرحمن بن عوف -الذي هاجر من مكة تاركاً ما يملك- حينما دعا لأخيه بالبركة في الأهل والمال، وسعى لكي يكسب قوته من عمل يده وأصابته البركة في أهله وماله جزاء عفته، ومن قبل جزاء دعائه لأخيه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَعَا الْمَرْءُ لِأَخِيهِ بِظَاهِرِ الْغَيْبِ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ».
تشير الرواية السابقة إلى شكر عبد الرحمن بن عوف لأخيه سعد بن الربيع وسعيه لكسب المال عن طريق التجارة، والتوجه مباشرة للسوق وعمله في تجارة منتجات الألبان، وتحقيق مكاسب مكنته من الزواج وتقديم مهر يقدر بخمسة عشر جراماً من الذهب بالإضافة إلى ما يحتاجه الزواج من بيت ووليمة عرس إلى آخر نفقات الزواج. وقول الراوي: “فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ” يشير إلى سرعة تحقيق المكاسب وتواصل السعي مع طلب البركة والتوفيق من الله ولا يضعهما رب العباد إلا في المخلصين من عباده.
ثروة سعد بن الربيع رضي الله عنه
توفي رضي الله عنه في السنة الثالثة من الهجرة، ولقصر عمره رضي الله عنه قلت الروايات التي تناولت حياته، وقد وقفت على نص يبين أنه ترك مالاً. «عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: “يقضي الله في ذلك” فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: “أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك”». ويكفيه عرضه الصادق على عبد الرحمن بن عوف أن يعطيه نصف ماله وهو مال كثير كما جاء في الحديث.
كيف يمكن أن نفسر اتساع ثروة عبد الرحمن بن عوف؟
كثير من الناس يسعى دون أن يدرك النجاح، وبتتبع سيرة عبد الرحمن بن عوف يمكننا أن نقدم أسباباً تعين الساعين لجمع الثروة، منها:
- شرف النفس الذي يحمله على العمل بجد واجتهاد ويفضل ذلك على أن يمد يده طالباً للمساعدة أو قابلاً لها مع شكر من يساعده والدعاء له.
- هذا رجل مبارك منحه الله تعالى مقدرة هائلة على اقتناص الفرص الاستثمارية الواعدة كما منحه البركة: «قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ لَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَظَنَنْتُ أَنِّي سَأَجِدُ تَحْتَهُ ذَهَبًا وَفِضَّةً».
كيف كان إنفاق عبد الرحمن بن عوف
وحتى ندرك بعض عطاء الله تعالى لعبد الرحمن بن عوف جزاء عفته وسعيه وإقباله على الله وثقته فيما عنده سبحانه، علينا أن نتخيل حجم ثروة عبد الرحمن بن عوف من خلال ما كشفت عنه المراجع من إنفاقه في سبيل الله تعالى. وقد اخترنا منها ما أورده الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: «عن الزهري، قال: تصدق ابن عوف على عهد رسول الله -ﷺ – بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمس مائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمس مائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة».
في النفقة الأولى التي تسجلها هذه الرواية: يقدم عبد الرحمن بن عوف صدقة تبلغ نصف ماله، وفي المرة الثانية: يتصدق بأربعين ألف دينار ولم تسجل الرواية نسبة هذا المبلغ لإجمال ثروة ابن عوف، وفي النفقة الثالثة بحسب هذه الرواية: يقدم عبد الرحمن خمس مائة فرس لمن يجاهد في سبيل الله، وفي النفقة الرابعة يقدم خمس مائة راحلة، وحتى نعرف كم يبلغ إجمال هذه النفقة لا بد أن نسأل كم يبلغ ثمن الفرس وثمن الراحلة في هذا العصر؟؟
اتجاهات الإنفاق
وكان رضي الله عنه يتتبع مواضع رضى الله ورسوله في إنفاقه المال وفي شأنه كله؛ فينفق على أمهات المؤمنين وعلى أقاربه وعلى أهل المدينة المنورة، «عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (خياركم خياركم لنسائي). فأوصى لهن عبد الرحمن بحديقة قُوِّمَتْ بأربع مائة ألف».
ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يقدم فيها عبد الرحمن بن عوف مالاً لأمهات المؤمنين تقرباً إلى الله ورسوله، ولنذكر كيف استقبلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما قدمه لها عبد الرحمن بن عوف: “قال الْمِسْوَر: فأتيت عائشة بنصيبها، فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن. قالت: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون)، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة». فكانت هذه منقبة لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تدل على أنه من خيار المسلمين كما جاء في الرواية السابقة، وهو من الصابرين كما في هذه الرواية ومن أهل القلوب الحانية على الصالحين من المسلمين.
ولم ينس رضي الله عنه أقاربه فكان لهم نصيب من معروفه مع غيرهم فقد “باع أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسمه في فقراء بني زهرة، وفي المهاجرين، وأمهات المؤمنين”.
واتسع معروفه رضي الله عنه وتعددت صوره ليشمل أهل المدينة جميعاً «عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: كان أهل المدينة عيالاً على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثاً.» هاهنا يظهر كيف استقبل ابن عوف رضي الله عنه نعمة الله عليه في المال؛ فهو يقرض من يستحق القرض، ويسدد قرض من عجز عن السداد دون انتظار رد ما سدده له، كما يهدي لإخوانه ما يوسع عليهم وعلى عيالهم ولو كانوا أغنياء، براً بمن يصاحبهم وزيادة في توثيق الصداقة.
مسيرة الخير لا تتوقف
ومن حبه رضي الله عنه للخير نجد حرصه على تواصل المعروف حتى بعد وفاته حتى ينال في قبره أجور أعماله الصالحة: “أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله، فكان الرجل يعطى منها ألف دينار. وعن الزهري: أن عبد الرحمن أوصى للبدريين، فوجدوا مائة، فأعطى كل واحد منهم أربع مائة دينار، فكان منهم عثمان فأخذها. وبإسناد آخر، عن الزهري: أن عبد الرحمن أوصى بألف فرس في سبيل الله.»
اعتنى عبد الرحمن بن عوف بالإحسان لأهل بدر، فلهم منزلة خاصة في الإسلام وللإحسان إليهم فضل عظيم، ولحرص عبد الرحمن بن عوف على أن تستمر مسيرة الخير التي بدأت في بدر لتكون كلمة الله تعالى ورايته هي العليا، أوصى بألف فرس في سبيل الله تعالى. وسعياً منه رضي الله عنه إلى الحرية التي جاء الإسلام لتحقيقها كان مكثراً في عتق الرقاب فقد: “أعتق ثلاثين ألف بيت».
ما نقص مال من نفقة
مع هذه النفقات الكثيرة ازدادت ثروة عبد الرحمن بن عوف اتساعاً تحقيقاً لوعد الله تعالى للمنفقين ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ [سبأ: 39]. وكانت البركة والعوض من الله تعالى له في ماله يظهر ذلك من تقدير ثُمُن تركته وهو نصيب زوجاته فقد «اقتسمن ثٌمٌنهن ثلاث مائة ألف وعشرين ألفاً.» وعلى هذه الرواية تقدر ثروته رحمه الله بمليونين وخمسمائة وستين ألفاً.
وفي تقدير آخر لثروة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه «قال أبو عمر بن عبد البر: كان مجدوداً في التجارة، خلّف: ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً”. قلت (الإمام الذهبي): هذا هو الغني الشاكر، وآوى فقير صابر، وأبو ذر، أو أبو عبيدة، زاهد عفيف.
مفهوم خاطئ لطلب المال
بعض الناس يظن أن البخل يحافظ على الثروة وأن الشره في طلب المال يبلغ صاحبه منازل الأغنياء والواقع يكذب ذلك؛ فما نقص مال سعد بن الربيع ولا عبد الرحمن بن عوف وكلاهما جواد كريم، ولا يزال الشره بالإنسان يفسده ويحرمه من كل متعة حتى يصل إلى درجة العبودية للمال.
وإذا تنزل إلى هذا الدرك نال نصيبه من دعاء النبي ﷺ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ [ثياب فيها خطوط]، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ [إذا دخلت فيه شوكة لا يستطيع أن يردها]». فماذا ننتظر من عبد دعا عليه النبي ﷺ، كيف ستكون حياته؟ لا شك أن التعاسة ستحيط به من كل جانب.
ختاماً
أثمرت التربية النبوية رجالاً آمنوا بالله تعالى من كل قلوبهم وأيقنوا بأن ما عند الله خير وأبقى فأحسنوا كما أحسن الله إليهم ولم ينسوا نصيبهم من الدنيا.
