يمثّل القرآن الكريم مصدرًا للتصوّرات والمفاهيم والقِيَم والمعارف التي تهدي الإنسان؛ ليحقّق رسالته في الوجود، سواء في تزكية نفسه ليكون جديرًا بالتكريم الإلهي، أو في عمران الأرض التي استُخلِفَ فيها، ليعيش فيها الحياة الطيبة ويحقّق الخير، ومن ثَمَّ فإنّ القرآن الكريم يمدّ الناظر فيه بقواعد تفكير وعمل، سواء أكان الناظر فيه عامِّيًا أم خبيرًا عالمًا في مجال ما. 

إن تجاهل المعرفة التي يوفّرها لنا القرآن، أو الغفلة عنها، أو الجهل بها، يضيّق حياة الإنسان ويوقعها في الاضطراب. ولعل ممّا زوّدنا به القرآن من قواعد للنظر والعمل، وما وضعه من قِيم تحمي المجتمع من الهلاك أو الاحتباس أو الأفول، ممّا يتعلق بموقع الأشخاص في البناء والفعل الاجتماعيّ، في مختلف دوائرهم، سواء أكانوا قادة للمجتمع أو أرباب أُسَر أو غيرهم في أي مستوى من مستويات القيادة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والدينيّة وغيرها.

البحث عن المبدأ

ولهذا نجد القرآن الكريم يربطنا بالفكرة، وبالمثل الأعلى دائمًا، ولا يربطنا بالأشخاص، مهما كان علوّ قدرهم ومكانتهم ومحبتهم في قلوبنا؛ لأن القرآن يجعل أولوية الاتباع للحق، كما نُقِل في الأثر عن علي رضي الله عنه: لا تعرفوا الحق بالرجال، اعرفوا الحق تعرفوا أهله، وليس العكس؛ لأن ربط الحق بالأشخاص له مخاطره الكثيرة.

ولذلك نرى القرآن الكريم، كما قلنا، يربطنا بالمبدأ؛ أي بالفكرة، لتكون حاكمة على الأشخاص ومواقفهم وتصرفاتهم، فلا يقع فيهم غلو، ولا ترتبط بهم الفكرة ارتباطًا مرضيًّا، يصير عائقًا أمام استمرار الفكرة إذا وقع للشخص مانع أو انحرافٌ أو غيابٌ.

ولعلّنا كلّنا ندرك مركزيّة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وعصمته، وكمال شخصه، ومكانته، باعتباره أسوة حسنة لنا، وقدوة مرتضاة من الله تعالى، في كل شيء. وبالرغم من ذلك ينبّهنا القرآن أن محمدًا صلّى الله عليه وسلّم ما هو إلا نبي، ولا ينبغي أن ننقلب أو نرتدّ إذا أصابه مكروه. 

ولهذا ينبهنا إلى خطورة تجسيد الحق، حتى مع النبي ، لأن النبي ذاته يخضع للحق، ويتبع ما يوحى إليه من وحي يحمل الفكرة الإسلامية إلى الناس. يقول تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) [آل عمران: 144]. فبالرغم من أهمية شخص النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبالرغم من استحالة الخطأ أو الانحراف من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تجسيد الأفكار بحدِّ ذاته جاء التنبيه للصحابة وهم في وسط معركة أحد، لمّا سمعوا أن رسول الله قد استشهد، بأن لا يتراجعوا عن الفكرة والمبدأ الذي دعاهم إليه وآمنوا به[1].

فهذا توجيه من القرآن للناس أن يضعوا في وعيهم خطر تجسيد أو تضخيم الأشخاص، وليس المقصد منه الانتقاص من مكانة النبي صلّى الله عليه وسلّم أو التهوين من قدره.

مضارُّ وآثار، كيف يؤثر طغيان الشخصنة في واقعنا؟ 

وما يمكن أن نأخذه من درس في سعينا اليوم نحو تحقيق مشروع النهضة الحضارية، واستعادة دورنا في التاريخ، أنّ تضخُّم عالم الأشخاص وطغيانه، إلى جانب تصاعد الأفكار المجسّدة في أشخاص، يترتب عليه نتائج ضارة على مختلف الأصعدة. 

فعلى الصعيد الفكري، فإننا عندما نربط الأفكار بالأشخاص نُحرَم من الفكرة الصحيحة الفعّالة إن جاءت من خصم لنا، ونتورّط في تبنّي فكرة فاقدة للأصالة والفعالية إذا جاءت ممّن نتعّلق به ونضخّم شخصه. وما لم نجرّد الفكرة عن الشخص فلن نستفيد من الأفكار ولن نعرف قدر الأفكار والأشخاص.

ويمكن بالنظر على تاريخنا وتاريخ غيرنا من الأمم نظرًا نقديًّا ندرك حقيقة هذه القضيّة، ولعلّ هذا يذكّرنا بكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تنهى عن الشخصنة وتضخيم الأشخاص وأهمّيّة التطلّع إلى معرفة الحقّ في ذاته، فاعرف الحقّ تعرف أهلَه، والجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك.

أما على الصعيد الأخلاقيّ؛ فثمة خطر مزدوج عندما يتجسّد المثل الأعلى في شخصٍ ما؛ إذ أنّ أخطاء الشخص سينعكس ضررُها على المجتمع الذي جسّد في شخصه مثله الأعلى، وسائر انحرافات ذلك الشخص تترصّد كذلك في خسائر، وتكون هذه الخسارة إمّا في رفض للمثال الأعلى الذي سقط، وإمّا في ردّةٍ حقيقية يُعتَقَدُ عبرها بإمكانيّة التعويض عن الإحباط باعتناق مثلٍ أعلى آخر. 

وفي كلا الحالتين فنحن نُعلي من الأشخاص على حساب الأفكار، وقد سبّب هذا الاستبدال كثيرًا من الضرر بالأفكار الإسلاميّة المتجسّدة بأشخاصٍ ليسوا أهلًا لها ولا لحلّها، وانظر حولك إلى تجارب الصحوة والتجديد، والتجارب الدعويّة والفكريّة، وانظر إلى أشخاص تحمّلوا عبء قيادة دولنا دينيًّا أو ثقافيًّا أو سياسيًّا بعد الاستقلال كيف تسبّبوا في كوارث وانتكاسات في صفوف جماهير الأمة بسبب نكوصهم الأخلاقي أو فسادهم الماليّ أو الاجتماعي، مما جعل كثيرًا من مبادراتهم الصحيحة في ذاتها تنقلب إلى مبادرات معكوسة أو تفقد سندها الجماهيري لحساسية الناس من الانحراف، ومنهم من تحوّل من قيادي للخروج من التخلّف إلى شخص شعبوي أغرق أتباعه في خطابات مناقشة لمصالح الأمة ومصالح الجماهير نفسها، بسبب الشخصنة وتقديس الأشخاص، ممّا جعل الناس لا ترى الحق ولا ترى انحراف هذه الشخصيات عن الحق، فأوردوهم المهالك.

وأما من الناحية السياسيّة، فإن تضخّم عالم الأشخاص يمنعنا أحيانًا من استخراج العبر من الفشل، وذلك بتجسيد أسباب الفشل فورًا في شخصٍ ما، بدلاً من التفكير مليًّا وجديًّا بالدروس التي نستخرجها منها[2].

ولعل النظر في محاولات التنمية السياسية في عالمنا العربي، وكيف آلت إلى إخفاقات كثيرة بسبب تمركز الأشخاص بدل الأفكار والبرامج. وانظر إلى ثورات الربيع العربي كيف آلت بسبب الاعتقاد السائد أنّ صمام الأمان لمجتمعاتنا هو فلان أو فلان، بدل التركيز على تنمية ثقافة الحرّيّة والقانون والعدالة وكرامة الإنسان وتحقيق تنمية ونهضة حضاريّة، ولهذا تحوّلنا إلى مجتمعات تخضع لدكتاتوريات شعبويّة في مختلف مستويات المجتمع، تدور في فلك أشخاص ينقلبون علينا حيثما شاؤوا، لأننا لسنا محصنين بالفكرة، بل خاضعون للأشخاص.