هناك في أعماق كلّ إنسان مرحلة خفيّة لا تُرى، لكنها تصنع مصيره وتحدّد ملامح وعيه وأخلاقه، إنها طفولة الفكر وميلاد الضمير، إنها ليست مرحلة زمنية فحسب، بل تجربة روحية يعيشها كلّ إنسان حين يخرج من غفلة التلقين إلى يقظة التفكّر، ومن براءة الغريزة إلى نور الوعي.
فما الحياة إلا رحلة من الطفولة الفكرية إلى النضج الضميريّ، ومن الفهم السطحيّ إلى الإدراك العميق الذي يُنير الإنسان من الداخل.
الفكر في بداياته يشبه الطفل
لعل الفكر في بداياته يشبه الطفل في دهشته، يسأل عن كلّ شيء، يندهش من كلّ شيء، لا يعرف القيود التي صنعها الكبار، وهنا تكمن عظمة الطفولة الفكرية، إنها البراءة الأولى للعقل قبل أن تُقيّده المذاهب وقبل أن يلبس ثوب الأحكام الجاهزة.
لكنّ هذه الطفولة لا يُكتب لها النضج إلا إذا وُجد من يربّيها بحكمة ورحمة، فكما يحتاج الطفل إلى حضن دافئ ليتعلّم الحب يحتاج الفكر إلى بيئة حرة وآمنة ليتعلّم البحث والتأمل. وهكذا هي التربية الفكرية الصادقة، لا تملأ الأذهان بالمعلومات، بل تشعل فيها شغف الحقيقة، ذلك الشغف هو الذي ينقل الفكر من الطفولة إلى الوعي، ومن التساؤل إلى الفهم، ومن الفهم إلى الضمير.
حين يولد الضمير
الضمير ليس شيئاً يُلقَّن، بل كائن ينمو في أعماق الإنسان كلّما لامس فكره نور الحقّ، إنه اللحظة التي يشعر فيها العقل بالمسؤولية تجاه ما يعرفه، فيتحوّل العلم إلى وازع أخلاقيّ لا إلى أداة للسيطرة. ولعل ميلاد الضمير هو أعظم حدث في حياة الإنسان؛ لأنه يُخرجه من عالم “ما يقال” إلى عالم “ما يؤمن به”، من الطاعة العمياء إلى الحرية الواعية.
حين يولد الضمير يبدأ الإنسان في محاكمة ذاته قبل أن يحاكم غيره، ويصبح قلبه مرآة يرى فيها الخير والشرّ بوضوح لا تقدر القوانين على فرضه. وفي التربية الحقّة لا يكفي أن نعلّم أبناءنا كيف يفكّرون، بل يجب أن نعلّمهم لماذا يفكّرون، فالتفكير بلا ضمير يتحوّل إلى حيلة، والذكاء بلا قيم يتحوّل إلى خطر.
إنّ التربية التي تزرع الفكر دون أن تزرع الأخلاق كمن يبني جسداً بلا روح، حين نُعلّم الطفل أن يفكّر بحرية في ظلّ محبة صادقة نمنحه جناحين: جناح الفكر الذي يُحلّق نحو الحقيقة، وجناح الضمير الذي يُعيده إلى إنسانيته كلما همّ بالانحراف.
إنّ التربية الإصلاحية لا تكتفي بتغذية العقل بالمناهج، بل تزرع في القلب قيم الصدق، والعدل والإحسان؛ لأنّ هذه القيم هي التربة التي ينمو فيها الفكر النقيّ، فالضمير هو حارس النور الذي يمنع العقل من أن يُصبح أداة للشرّ.
الأب والأم… البذرة الأولى لميلاد الضمير
لا يولد الضمير في المدارس بل في البيوت، في تلك اللحظات الصغيرة التي يرى فيها الطفل أباه صادقاً في وعده وأمّه أمينة في قولها تُزرع أول بذرة للضمير. حقيقة إن القدوة الصادقة هي أعظم درس أخلاقيّ يمكن أن يتلقّاه الطفل دون أن يُقال له حرف واحد.
حين يرى الولد والده يعترف بخطئه يتعلّم أن الصدق شجاعة، وحين يرى أمه تفي بوعدها رغم التعب يتعلّم أن الأمانة ليست كلمات، تلك التجارب الصغيرة هي ما يصنع ضميراً حيّاً يظلّ يرافقه مدى الحياة. لذلك كانت التربية بالقدوة هي السبيل الأصدق لغرس الضمير؛ لأنها تُخاطب الفطرة والوجدان لا العقل فقط.
كذلك لا يمكن أن يولد الضمير في بيئة تخاف السؤال، فالحرية الفكرية هي شرط ولادة الضمير، فحين يُسمح للطفل أن يسأل: “لماذا؟”، دون أن يُخيفه أحد يبدأ في بناء وعي أخلاقيّ عميق؛ لأنّ السؤال يربط بين الفهم والمسؤولية.
إنّ المجتمع الذي يُربي أبناءه على الترديد بدل التفكير يفقد ضميره الجمعيّ قبل أن يفقد عقول أفراده؛ ولهذا فإنّ التربية الإصلاحية لا تخشى الفكر الحرّ؛ لأنها تؤمن أن الفكر الصادق لا يُفسد الضمير بل يُنقّيه.
ميلاد الضمير في ضوء الإيمان
الإيمان الحقّ لا يُلغي الفكر بل يُنيره، ففي الإسلام جاء الوحي ليوقظ العقل لا ليخدره، وليُحيي الضمير لا ليُقيده، قال تعالى:
(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس: 9-10).
فالضمير في المفهوم القرآنيّ هو: النفس الزاكية التي تزكّت بالوعي والإيمان معاً، لا بالإيمان المنفصل عن التفكير، ولا بالعقل المنفصل عن الهداية. وقد كان النبي عليه الصّلاة والسّلام المربّي الأعظم الذي جمع بين الفكر والضمير في تربية أصحابه، علّمهم أن يسألوا، أن يفهموا، أن يتحاوروا، لكن في إطار من الصدق والإخلاص، فكانت مدرسته نموذجاً للتربية النورانية الصحيحة.
إن العقل حين يعود إلى براءة السؤال الأولى يتحرّر من أثقال التقاليد الميتة، ويبحث عن الحقيقة كما يبحث الطفل عن أمّه بين الزحام، وإنّ المجتمعات التي تُخيف أبناءها من السؤال تُطفئ فيهم شعلة النور منذ المهد، أما التي تحتضن أسئلتهم فستشهد ميلاد جيل لا يعبد العادة بل يسير وراء الضمير.
وحين تجتمع البراءة الفكرية مع النضج الأخلاقيّ يولد الإنسان الحقيقيّ الذي يعيش لا ليُقلّد بل ليبني، ولهذا كانت التربية الحقة هي تلك التي توازن بين تعليم العقل وتزكية النفس، بين فتح الفكر وتنمية الضمير، بين حرية السؤال وقداسة الصدق.
ختاماً
إن الأمم لا تموت بفقد العلم بل بفقد الضمير، ولقد تغنّى الشعراء والمربّون بالضمير باعتباره مرآة الإنسان وميزانه، فقال المتنبي:
وإذا أصيب القومُ في أخلاقهمْ *** فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا
ربما حين تنجح التربية في إنجاب ضمير واحد حيّ، فإنّها تكون قد أنقذت أمة بأكملها، فالفكر بلا ضمير عبء، والضمير بلا فكر عجز، أما حين يتحدّان يولد الإنسان الذي يُضيء العالم بفكره وقلبه معاً.
