عبادة التفكر من أجلِّ العبادات القلبية وأعظمها أثرًا في حياة المسلم؛ إذ به يزداد الإيمان، وتستنير العقول، وتنكشف دلائل قدرة الله تعالى في الكون والأنفس، مما يدفع الإنسان إلى تعظيم خالقه وحسن عبادته.

دلالة التفكّر في اللغة والاصطلاح

أولًا: دلالة التفكّر في اللغة

أصلُ مادة (ف ك ر) في اللغة يدلّ على حركةٍ ذهنيّةٍ متردّدةٍ يقصد بها الوصول إلى معنى أو إدراك حقيقة؛ ولهذا عرّفها أئمةُ اللغة بتعريفاتٍ متقاربة تدور حول إعمال القلب والعقل مع الاعتبار والتأمّل.

فقد قال العلامة ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة):

“الفاء والكاف والراء: أصلٌ في اللغة يدلّ على تردّد القلب في الشيء؛ يقال: تفكّر إذا ردّد قلبه معتبرًا”.

فجعل الفكر أصلًا عامًا، وجعل التفكّر أخصَّ منه، وقيّده بالاعتبار، إشارةً إلى أن عبادة التفكر ليست مجرد خواطر عارضة، بل هي نظرٌ مقصود يُفضي إلى نتيجة، ومن ثَمَّ تكون له ثمرة.

ويؤكد هذا المعنى ما ذكره ابن منظور، إذ قال:

“الفَكر – بالفتح – والفِكر – بالكسر –: إعمال الخاطر في الشيء، والتفكر: التأمّل”.

فدلّ على أن الفكر فعل ذهني، وأن التفكّر مرتبة أعمق منه، تقوم على التأنّي والتدبّر، لا على مجرد مرور الخاطر.

وقد بسط الراغب الأصفهاني القول في هذا الباب، فجمع بين المعنى اللغوي والدلالة العقلية، فقال:

“الفِكرة قوّةٌ مُطرِقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جولان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك مختصٌّ بالإنسان دون الحيوان، ولا يُقال إلا فيما يمكن أن تحصل له صورة في القلب”.

فجعل التفكّر حركةً منظّمةً للعقل، تنتقل بها النفس من المعلوم إلى المجهول، أو من الدليل إلى المدلول، وهو من خصائص الإنسان؛ إذ لا يكون إلا فيما يقبل التصوّر والاعتبار.

ومن لطيف ما ذكره أهل الأدب في بيان أصل اللفظ قول بعضهم: “الفِكر مقلوبٌ عن الفَرك، غير أنه يُستعمل في المعاني؛ فهو فركُ الأمور وبحثُها طلبًا للوصول إلى حقيقتها”. وفي هذا التشبيه إشارةٌ بديعة إلى أن التفكّر يُعمِل في المعاني ما يُعمِل الفرك في الأجسام؛ إذ لا ينكشف المقصود إلا بكثرة المعالجة والترديد.

ثانيًا: دلالة التفكر في الاصطلاح

أمّا التفكّر في الاصطلاح، فهو كما قال المناوي: “تردّدُ القلب بالنظر والتدبّر لطلب المعاني”.

وقيل في تعريفه أيضًا: “هو ترتيبُ أمورٍ في الذهن يُتوصَّل منها إلى مطلوبٍ علمًا أو ظنًّا”. ويدخل في معنى التفكّر الاعتبار، وهو: الاستدلال والاتّعاظ؛ إذ الاعتبار انتقالٌ من الشيء إلى غيره، ومن المعلوم إلى المجهول، والمُعتَبِر هو المستدلّ بالشيء على الشيء.

وعلى هذا، فالتفكّر في الاصطلاح هو عملٌ قلبيٌّ عقليٌّ منظَّم، يقوم على ترديد النظر وترتيب المعاني، بقصد الاستدلال والاتعاظ، والوصول إلى العلم أو غلبة الظن، لا مجرد الخاطر العابر أو النظر السطحي.

التوجيه القرآني والنبوي للتفكر

ورد التوجيه النبوي: “تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله”؛ إذ إن التفكّر إنما يصحّ فيما تُدرِكه العقول وتقوم عليه الدلائل، لا في ذات الله سبحانه التي لا تُحيط بها الأفهام.

وقد أكثر القرآن الكريم من دعوة الناس إلى التفكّر، وربطه بالنظر في النفس والآفاق، كما في قوله تعالى:

  • {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الروم: 8].
  • وقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} [الأعراف: 184].
  • وقوله: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البقرة: 219–220].

وفي هذا دلالةٌ على أن عبادة التفكر مطلوبٌ شرعًا، ومقصودها الوصول إلى الحقائق الإيمانية والسنن الكونية، لا مجرد إعمال الذهن المجرد عن الهداية.

فضل عبادة التفكر والتدبر في الإسلام

روى أبو الشيخ في “العظمة” وابن الجوزي في “الموضوعات” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً). (انظر: “الفوائد المجموعة” للشوكاني). وهو حديث موضوع كما بينه أهل العلم، غير أن المعنى العام قد ثبت عن السلف بطرق صحيحة موقوفة.

فقد روى البيهقي في “الشعب” بسند صحيح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ موقوفًا عليه قَالَ: “تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ”. وروى أيضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، قَالَ: “بَلَغَنِي أَنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ دَهْرٍ مِنَ الدَّهْرِ”.

وروي هذا المعنى عن جماعة من السلف، مما يدلّ على عِظم شأن التفكّر والتدبّر، لا من حيث كثرة العمل الظاهر، بل لما يثمره من آثارٍ قلبيةٍ وإيمانية.

والمقصود أن التدبر والتفكر يورثان العبد أنواعًا من العبودية لله تعالى، ومنافع جمة في أمر دينه، قد تفوق بعض العبادات الظاهرة؛ وذلك أن التفكر من العبادات القلبية، والعبادات القلبية أصل عبادات الجوارح، وباعثها.

مجالات التفكر

التفكر يكون في كل شيء يدعو العبد إلى زيادة الإيمان والطاعة:

1. التدبر في آيات الله الشرعية (القرآن)

فيتعرف على عظمة الخالق وحكمته وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى. قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. وقال عز وجل: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]. وقال عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].

ومعنى تدبر آيات الله: “التأمل في معانيها، وتحديق الفكر فيها، وفي مبادئها وعواقبها، ولوازم ذلك؛ فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير، وتستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته”. فإنه يعرِّف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال؛ وما ينزه عنه من سمات النقص، ويعرِّف الطريق الموصلة إليه وصفة أهلها، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب.

وكلما ازداد العبد تأملًا فيه، ازداد علمًا وعملًا وبصيرة؛ لذلك أمر الله بذلك، وحث عليه، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن. ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“الْقِرَاءَةُ الْقَلِيلَةُ بِتَفَكُّرٍ: أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ بِلَا تَفَكُّرٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الصَّحَابَةِ صَرِيحًا”.

2. التفكر في خلق السماوات والأرض

ويتدبر فيما خلق الله فيهما من الآيات، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها. قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ… لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

3. التدبر في النفس والأحوال

ويتدبر في نفسه وخلقه وحاله وحال غيره من الخلائق، وكيف لا يخرجون عن تدبير الله تعالى وتصرفه.

وبالجملة، فالفكرة المحمودة: هي أن يخشع القلب لرب العالمين، فيتدبر آياته الشرعية والكونية، ويعمل بمقتضى ذلك.

أقوال السلف في أثر التفكر

قال ابن القيم رحمه الله:

  • قَالَ الْفضيل: “التفكر مرْآة تريك حَسَنَاتك وسيئاتك”.
  • وَكَانَ سُفْيَان كثيرا مَا يتَمَثَّل: “إِذا الْمَرْء كَانَت لَهُ فكرة … فَفِي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة”.
  • وَقَالَ الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: {سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأرض بِغَيْر الْحق} قَالَ: “أمنعهم التفكر فِيهَا”.
  • وَقَالَ الْحسن: “طول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الْجنَّة”.
  • وَقَالَ وهب: “مَا طَالَتْ فكرة أحد قطّ إلا علم، وَمَا علم امْرُؤ قطّ إلا عمل”.
  • وَقَالَ عمر بن عبد العزيز: “الفكرة فِي نعم الله من أفضل الْعِبَادَة”.
  • وَقَالَ بشر: “لَو فكر النَّاس فِي عَظمَة الله مَا عصوه”.
  • وَقَالَ ابْن عَبَّاس: “رَكْعَتَانِ مقتصدتان فِي تفكر، خير من قيام لَيْلَة بِلَا قلب”.
  • وَقَالَ أيضًا ابْن عَبَّاس: “التفكر فِي الْخَيْر يَدْعُو الى الْعَمَل بِهِ”.

وخلاصة فضل التفكّر: أن التفكّر عبادةٌ قلبيةٌ عظيمة، بها يزداد الإيمان، وتنـكشف حقائق الأمور، وتستقيم الأعمال؛ إذ يبعث على الطاعة، ويزجر عن المعصية، ويورث الزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة، وهو أصلُ صلاح القلب، وباعثُ صلاح الجوارح.

ثمرات التفكر

يُعدّ التفكّر من أجلِّ العبادات القلبية وأعظمها أثرًا في حياة المؤمن، وقد دلّت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوبه وعلوّ منزلته. ومن أهم ثمراته:

  1. حياة القلب: شدّد النبي على خطر قراءة القرآن دون تفكّر، فقال: (وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا)، وتلا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190]. وهذا يدل على أن التفكّر هو الذي يُحيي القلب، ويحوّل الآيات إلى نورٍ وهداية.
  2. الاعتبار والزجر عن الغفلة: دعا الله إلى التفكّر في عاقبة الأمم السابقة، وما آل إليه أمرهم حين كذّبوا الرسل، ليكون ذلك زاجرًا عن الغفلة، باعثًا على الاعتبار.
  3. بلوغ منازل اليقين: كان التفكّر عبادةً أصيلة في حياة السلف الصالح؛ فقد سُئلت أم ذرٍّ رضي الله عنها عن عبادة أبي ذر، فقالت: “كان النهار أجمع خاليًا يتفكّر”. وقالت أم الدرداء رضي الله عنها عن أفضل عبادة أبي الدرداء: “التفكّر والاعتبار”.
  4. معرفة النفس والرب: أنفعُ التفكّر ما كان متعلّقًا بمصالح الآخرة، وطرق تحصيلها، وبمفاسدها وسبل اجتنابها، وكذلك التفكّر في الدنيا: في حقيقتها وفنائها. ومن أهم مجالاته التفكّر في النفس؛ لأنها أقرب الأشياء إلى الإنسان، ومن عرف نفسه عرف ضعفه، ومن عرف ضعفه عرف عظمة ربّه. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} [الروم: 8].
  5. محبة الله وشكره: التفكّر في نعم الله يورث محبته وشكره؛ فالنفس مجبولة على محبة من أحسن إليها، وإذا تأمّل العبد ما أسبغ الله عليه من نعم الدين والعافية، ازداد قربًا من الله ورضًا عنه.
  6. تحصيل العلم والحكمة: للتفكّر أثرٌ عظيم في تحصيل العلم والحكمة؛ فبه فهم العلماء النصوص، واستنبطوا الأحكام. قال أبو الدرداء رضي الله عنه في وصف لقمان الحكيم: “كان طويل التفكّر، عميق النظر“.

الطريق إلى تحقيق التفكّر

ليس التفكّر خاطرًا عابرًا يمرّ بالقلب ثم يزول، بل هو عبادةٌ تحتاج إلى تهيئةٍ للنفس، وتدرّبٍ طويل، ومجاهدةٍ مستمرة. وقد دلّ استقراء كلام أهل العلم على أن هناك أمورًا جامعة تُعين النفس على بلوغ هذه المنزلة:

أولًا: الخلوة

الخلوة من أعظم مفاتيح التفكّر؛ إذ لا يكاد القلب يجتمع مع كثرة المخالطة وضجيج الشواغل. فإذا خلا العبد بنفسه، وانقطع عن أسباب التشتّت، أقبل على محاسبة نفسه. والخلوة ليست انقطاعًا عن الخلق دائمًا، بل هي لحظات صدقٍ يعود فيها القلب إلى نفسه، ويستردّ وعيه، ويُجدّد صلته بربه. قال الحسن البصري رحمه الله: “طولُ الوحدة أتمُّ للفكرة، وطولُ الفكرة دليلٌ على طريق الجنة”.

ثانيًا: التدرّب على التفكّر والتعوّد عليه

التفكّر خُلُقٌ مكتسب، ينمو بالممارسة، ويقوى بالتعوّد. فإذا عوّد العبد نفسه أن لا يتلقّى الأمور بلا نظر، ولا يحكم بلا تروٍّ، انفتح له باب الفهم. وقد نبّه القرآن إلى خطر التسرّع، فقال تعالى: {فَتَبَيَّنُوا}، فجعل التبيّن شرط السلامة. ومن هنا كان التفكّر أساس الاستقلال الفكري، وضمانة الاتزان في المواقف.

ثالثًا: مزاولة ما يُعين على التفكّر

ومما يُقوّي عبادة التفكر: اتخاذ وسائل تُذكّر العبد بحقيقته ومآله.

  • ومن ذلك ما نُقل عن الإمام الشافعي رحمه الله في حمله العصا تذكيرًا لنفسه بالسفر إلى الله.
  • وكذلك زيارة المقابر، والنظر في تقلب الأيام، وتأمّل أحوال الأمم السابقة.
  • كما أن النظر في آيات الله الكونية، وتعاقب الليل والنهار، يوقظ العقل ويُنضج الفكر.

رابعًا: جمع الهمّ على الآخرة وترك تشتيت القلب

من أعمق أسباب ضعف التفكّر: تشتّت القلب، وتوزّع الهمّ في كل وادٍ. فإذا جمع العبد همّه على الآخرة، وقلّل من علائق الدنيا، سكنت نفسه. فإذا اجتمع الهمّ تولّد الفكر، وإذا حضر الفكر انكشف المعنى، وإذا انكشف المعنى وُلد الاعتبار، ومن هنا تتدرّج النفس في مراتب اليقين. ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}، فدلّ على أن القلب الحاضر هو وعاء التفكّر.

من أخبار أهل التفكّر

كان التفكر والاعتبار خُلُقَ أهل الفضل والذِّكر، وسمتًا ظاهرًا في حياتهم، حتى غلب عليهم، فانعكس خشوعًا، وبكاءً، وزهدًا، وبصيرة. وفيما يأتي طرفٌ من أخبارهم:

  1. شقيق البلخي (رحمه الله): قال: “أخذتُ الخشوع من إسرائيل بن يونس؛ كنا جلوسًا حوله، فلا يعرف من عن يمينه ولا من عن شماله، من شدة تفكّره في الآخرة”. (أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق).
  2. يوسف بن أسباط (رحمه الله): قال لي سفيان الثوري رحمه الله – بعد صلاة العشاء –: ناولني المطهرة. فناولته، فأخذها بيمينه، ووضع يساره على خدّه. قال: فنمت، ثم استيقظت وقد طلع الفجر، والمطهرة بيمينه كما هي، فقلت: هذا الفجر قد طلع. فقال: “ما زلتُ منذ ناولتني المطهرة أتفكّر في الآخرة”. (أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد).
  3. محمد بن واسع (رحمه الله): “أن رجلًا من أهل البصرة ركب إلى أم ذرٍّ بعد وفاة أبي ذر رضي الله عنه، يسألها عن عبادة أبي ذر، فقالت: كان النهار أجمع خاليًا يتفكّر”. (أخرجه أبو نعيم في الحلية).
  4. أبو أسامة المصري (رحمه الله): “بينما أبو شريح يمشي، إذ جلس فتقنّع بكسائه، وجعل يبكي. فقلنا: ما يبكيك؟ قال: تفكّرت في ذهاب عمري، وقلة عملي، واقتراب أجلي”. (أخرجه ابن أبي الدنيا).
  5. عمر بن عبد العزيز (رحمه الله): بكى يومًا، فقيل له في ذلك، فقال: “فكّرتُ في الدنيا ولذّاتها وشهواتها، فاعتبرتُ منها بها؛ ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تُكدّرها مرارتها، وإن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر، فإن فيها مواعظَ لمن ادّكر”. (ذكره ابن كثير).
  6. عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك: قال: “بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة زوجته، ثم بكى أهل الدار، لا يدرون ما أبكى هؤلاء. فلما سكنت العبرة، قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين، ممّ بكيت؟ قال: ذكرتُ منصرف القوم من بين يدي الله؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير”. (أخرجه ابن أبي الدنيا).
  7. داود الطائي (رحمه الله): كان في ليلةٍ مقمرة، فتفكّر، فقام يمشي على سطح داره شاخصًا ببصره، حتى وقع في دار جارٍ له. فوثب صاحب الدار عاريًا، وأخذ سيفه ظنًّا أنه لص، فلما رأى داود، لبس ثيابه، ووضع السيف، وأخذه بيده حتى ردّه إلى داره. فقيل لداود: كيف كان ذلك؟ فقال: “ما دريتُ ولا شعرت”. (أخرجه أبو نعيم في الحلية).
  8. هشام الدستوائي (رحمه الله): كان إذا فُقد السراج من بيته، يتململ على فراشه، فتأتيه امرأته بالسراج، فقالت له في ذلك، فقال: “إني إذا فقدتُ السراج ذكرتُ ظلمة القبر”. (انظر: سير أعلام النبلاء).
  9. سيف بن هارون: ذكر محمد بن الصباح الدولابي سيف بن هارون فقال: “كان قد احتفر في داره قبرًا، فكان يدخل فيه بين حينٍ وآخر، ثم يقول: أهيلوا عليّ التراب، ثم يصيح: أرجعوني لعلّي أعمل صالحًا فيما تركت”. (أخرجه ابن عدي في الكامل).
  10. عاصم الرقاشي (رحمه الله): قال: “انطلق غزوان وحممة إلى عامر بن عبد الله، فوجداه مغلقًا عليه بابه، فسمعاه يبكي، فجلسا يبكيان لبكائه. ثم أذن لهما، فرأى أثر البكاء عليهما، فقال: ما أبكاكما؟ قالا: سمعناك تبكي فبكينا لبكائك. قال: أخبركما ما أبكاني؛ ذكرتُ الليلة التي صبيحتها يوم القيامة، وقلت: إنها لتمخض بأمر عظيم”. (أخرجه ابن أبي الدنيا).
  11. النضر بن إسماعيل (رحمه الله): قال: “مرّ الربيع بن أبي راشد برجلٍ به زمانه، فجلس يحمد الله ويبكي. فمرّ به رجل فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرتُ أهل الجنة وأهل النار، فشبّهتُ أهل الجنة بأهل العافية، وأهل النار بأهل البلاء، فذلك الذي أبكاني”. (أخرجه أبو نعيم في الحلية).
  12. رشيد بن حباب (رحمه الله): قال: “مرض حازم بن الوليد بن بخير الأزدي، فدعوت له طبيبًا، فنظر إليه وقال: ما بصاحبك هذا إلا الحزن. فقال حازم: إني ذكرتُ مواقف يوم القيامة، ففزع لذلك قلبي”. (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان).
  13. أبو بكر الحربي (رحمه الله): قال: سمعت السَّري السَّقطي يقول: “حمدتُ الله مرة، فأنا أستغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة”. قيل: وكيف ذاك؟ قال: “كان لي دكان، فوقع حريق في السوق، فقيل لي: أبشر، فقد سلم دكانك. فقلت: الحمد لله. ثم فكّرت، فعلمتُ أنها كانت زلّة؛ إذ اهتممتُ لنفسي دون غيري”. (أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد).

وقفة وتأمّل

تحكي هذه الأخبار عن قلوبٍ حيّةٍ رأت الآخرة رأيَ عين، فكان التفكّر فيها باعثًا على الخشوع، ومحرّكًا للمحاسبة، ودافعًا للإصلاح. ولم يكن تفكّرهم ترفًا ولا اعتزالًا للواقع، بل طريقًا للفهم والاستقامة.

وفي واقعنا الذي كثرت فيه الشواغل وتسارعت فيه الأحداث، تشتدّ الحاجة إلى إحياء عبادة التفكر في القلوب؛ بلحظات خلوة، ومراجعة للنفس، وتفكّر في المآل. فمن أحيا قلبه بالتفكّر استقامت وجهته، وسلم من الغفلة، وبقي على صلةٍ واعيةٍ بآخرته.