يعد كتاب ديانا فيري ووماك، ” إعادة بناء صورة الإسلام: الجندر والجذور البروتستانتية للخوف الأمريكي من الإسلام”، إضافة قيمة وفي وقتها المناسب إلى مجالات التاريخ الديني الأمريكي، ودراسات الإرساليات، ودراسات النوع الاجتماعي، والعلاقات المسيحية الإسلامية. يطرح الكتاب حجة طموحة تاريخيا مفادها أن الإسلاموفوبيا الأمريكية لا يمكن فهمها بشكل كاف باعتبارها تطورا سياسيا حديثا، بل يجب تتبع جذورها عبر عادات بروتستانتية أقدم بكثير في تصور الإسلام والمسلمين. تؤطر ووماك المشروع صراحة كاستجابة مؤرخة للتحامل العلني والضمني ضد المسلمين في الولايات المتحدة؛ حيث ترى أن هذا التحامل قد استمر طويلا من خلال الصور النمطية المتكررة للرجل المسلم العنيف والمرأة المسلمة المضطهدة. وبذلك، تضع ووماك الإسلاموفوبيا المعاصرة ضمن سياق أعمق بكثير من الخطاب البروتستانتي.
يكمن جوهر الكتاب في إصراره على أن التصورات البروتستانتية للإسلام لم تتشكل فقط من خلال الجدل اللاهوتي الرسمي. ترى ووماك بأن “إعادة اختراع” البروتستانت للإسلام قد تبلورت عبر طيف واسع من الوسائط: النصوص، والصور، والعروض، والمحاضرات، والأزياء، والصور الفوتوغرافية، ومجلات الإرساليات التبشيرية، والأشياء المادية. ويعد هذا الاتساع المنهجي أحد أبرز نقاط قوة الدراسة. فبدلا من حصر التحليل في كتابات النخبة العقائدية، تعيد ووماك بناء نظام ثقافي بروتستانتي أوسع نطاقا، استوعب من خلاله القراء العاديون، ورواد الكنائس، والمنظمات النسائية، والأطفال، مفاهيم محددة عن المجتمعات الإسلامية. وتزداد حجتها إقناعا عندما تبين أن الأحكام الجندرية حول الحياة الاجتماعية الإسلامية قد ترسخت في الثقافة البروتستانتية بشكل أعمق من الخلافات العقائدية التي غالبا ما تهيمن على الدراسات المتعلقة بالعلاقات المسيحية الإسلامية.
ويدعم هذا التصور الواسع بنية منظمة بعناية حيث ينتقل الكتاب من التصورات البروتستانتية للإسلام في عصر الإصلاح إلى الخطاب التبشيري الحديث، ثم إلى أدب الأطفال، وصور الإرساليات التبشيرية، والدين المادي، واستمرار هذه التقاليد في سياق الإسلاموفوبيا الأمريكية والحوار بين الأديان. تؤكد ووماك نفسها أن الفصل الثاني يتناول الأفكار والصور البروتستانتية المبكرة عن الإسلام من القرن السادس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، بينما تركز الفصول من الثالث إلى السادس على النصوص التبشيرية الحديثة، وأدب الأطفال، والثقافة البصرية، والمعروضات المادية. ويتناول الفصل الأخير الآثار المستمرة لهذه التقاليد، والفرص التي أتاحتها للحوار المسيحي الإسلامي اللاحق، حيث يمنح هيكل الكتاب الدراسة عمقا زمنيا دون المساس بالترابط الموضوعي.
ومن أبرز إنجازات الكتاب تناوله لموضوع النوع الاجتماعي ليس كموضوع ثانوي، بل كآلية مركزية عمل من خلالها الخطاب البروتستانتي حول الإسلام. وتؤكد ووماك أن البروتستانت، رجالا ونساء، قيّموا المجتمعات الإسلامية من خلال تصنيفات جنسانية أى مرتبطة بالنوع، ووجدوا مرارا وتكرارا أنها قاصرة. في هذا السياق، لم تكن تمثيلات الذكورة والأنوثة في الإسلام مجرد إضافات عابرة إلى حجج لاهوتية أوسع، بل كانت وسيلة أساسية لجعل الإسلام نفسه مفهوما للجمهور البروتستانتي. أصبحت صورة الرجل المسلم العنيف، أو الشهواني، أو المستبد، وصورة المرأة المسلمة المحجبة، أو المضطهدة، صورتين متكررتين في السرديات التي فسرت من خلالها الثقافة البروتستانتية الإسلام على أنه يفتقر إلى الأخلاق والحضارة. ويمثل هذا تدخلا تاريخيا هاما، لا سيما أن ووماك تضع النساء في صلب عملية إنتاج هذه الصور وتداولها، بدلا من معاملتهن كمجرد مراقبات للخطاب التبشيري الذكوري.
يعد نقاش أسس الإصلاح والتنوير لهذه التصورات بالغ الأهمية. تؤكد ووماك بأن الخطاب البروتستانتي حول الإسلام بدأ قبل زمن طويل من البعثات التبشيرية الحديثة، في فترة تعرف فيها العديد من البروتستانت على الإسلام بشكل رئيسي من خلال النصوص الموروثة والأشكال البصرية والتقاليد الجدلية، بدلا من التواصل الشخصي المباشر. كما تبين أن بعض الانتقادات تطورت بمرور الوقت، لا سيما فيما يتعلق بالممارسات الجندرية كالحجاب، الذي أصبح أكثر مركزية في الخطاب البروتستانتي خلال عصر التنوير مما كان عليه في سياقات الإصلاح السابقة. ويعد هذا النهج طويل الأمد أحد أبرز نقاط قوة الكتاب، لأنه يمنع ظهور أرشيفات البعثات التبشيرية كانطلاقة جديدة كليا، ويضع بدلا من ذلك الخطاب البروتستانتي في القرنين التاسع عشر والعشرين ضمن تقليد خطابي أقدم بكثير قائم على التكرار والتكييف والاستيعاب.
أما الفصول المتعلقة بمنشورات البعثات التبشيرية للكبار والصغار فهي لا تقل أهمية. وهنا ترى ووماك بأن المبشرين البريطانيين والأمريكيين قاموا بتوسيع الخطابات البروتستانتية القديمة لجمهور جديد في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأن هذه العملية لم تقتصر على القضايا التي تناولها الرجال فحسب، بل شملت أيضا كتابات النساء والأنواع الأدبية الشائعة مثل الخيال.
من اللافت للنظر بشكل خاص مناقشة المؤلفة لكيفية تداول أدبيات التبشير الموجهة لمنظمات النساء وجمهور أوسع من القراء البروتستانت لسردية متماسكة بشكل ملحوظ عن المجتمعات الإسلامية كمواقع لتدهور المرأة، وعنف الرجل، واليأس الديني، مع الإقرار أحيانا بوجود “استثناءات” وعلامات على التغيير، وهذا التوتر مهم. لا تُبسّط ووماك الأرشيف إلى عداء محض؛ بل تظهر أن خطاب التبشير كان يجمع بين التعاطف والأبوية، والإعجاب الانتقائي والحكم الحضاري.
كما يُعمّق تناولها لأدب الأطفال قوة الحجة من خلال إظهار كيف تم تطبيع الافتراضات المعادية للمسلمين في وقت مبكر من التكوين الديني. فإذا كان البالغون قد تعرفوا على الإسلام من خلال تقارير المبشرين والمنشورات الدينية، فقد تعرف عليه الأطفال من خلال سرديات مبسطة، وأساليب تعليمية بصرية، وقصص أخلاقية أعادت صياغة نفس الافتراضات في شكل سهل الفهم. هذه مساهمة بالغة الأهمية لأنها تظهر كيف تجاوزت الأفكار البروتستانتية حول الإسلام النقاش الفكري إلى عادات الشعور والخيال. لا تقدم ووماك بذلك تاريخا للتمثيل فحسب، بل تقدم أيضا سردا لكيفية ترسيخ التحيز ثقافيا من خلال التكرار في السياقات التعليمية والروحية.
وتُعد الفصول المتعلقة بالصور والدين المادي من بين أكثر أجزاء الكتاب أصالة. تُصر ووماك على أن المبشرين لم يكتفوا بالكتابة عن الإسلام، بل قاموا بتجسيده وعرضه وتنسيقه. فقد ساهمت صور المبشرين وبطاقاتهم البريدية وعروضهم التقديمية وألبوماتهم وأزيائهم وأغراضهم في تشكيل المعرفة البروتستانتية عن الحياة الإسلامية. وتعد حجتها القائلة بأن المبشرين استخدموا الثقافة المادية “للحفاظ على المعرفة وتنظيمها” بالغة الأهمية، وكذلك ادعاؤها بأن هذه الممارسات يجب فهمها على أنها أدائية. في هذا الإطار، يبرز المبشرون ليس فقط كمؤلفين ومراقبين، بل أيضا كمنسقين وممثلين اختاروا الإسلام ووضعوا له تعليقات توضيحية وعرضوه وجسدوه للجمهور في بلدانهم. ويثري هذا التوجه تاريخ الإرساليات بشكل كبير من خلال ربطه بالدين المادي ودراسات الأداء.
تتميز ووماك بنظرتها الثاقبة في مناقشتها لأزياء المبشرين وعروضهم. فهي ترى بأن ارتداء النساء البروتستانتيات البيض للزي الإسلامي في سياقات استعراضية لم يضعهن تحت نفس المعاني التي نسبها المبشرون إلى لباس النساء المسلمات؛ بل إن الطبيعة المؤقتة والطوعية لهذا الاستعراض أبرزت امتياز البروتستانت. وبالمثل، لم يظهر الرجال البروتستانت الذين يرتدون الزي الشرق أوسطي كشخصيات خطيرة، بل كمفسرين ذوي سلطة، مما عزز مكانتهم كخبراء في الإسلام. وبهذا المعنى، لم تكن عروض المبشرين مجرد توضيح لمزاعم البروتستانت حول الحياة الإسلامية، بل جسدت تسلسلا هرميا عنصريا ظلت فيه الأجساد البروتستانتية ذات سيادة وحرية في الحركة والتفسير، بينما تم تصنيف الأجساد المسلمة وتمثيلها. وتمثل هذه المسألة إحدى أبرز الرؤى التحليلية في الكتاب.
ومن نقاط القوة الرئيسية الأخرى للدراسة رفضها اختزال الأرشيف في خطاب واحد ثابت. وتقر ووماك مرارا وتكرارا بوجود غموض، حيث تشير إلى أن بعض المبشرين، لا سيما من خلال احتكاكهم الوثيق بالمسلمين، طوروا آراء أكثر دقة وإنسانية، وأن بعض الطوائف البروتستانتية الرئيسية أصبحت لاحقا أكثر انفتاحا على الحوار المسيحي الإسلامي. وفي الواقع، فمن بين أبرز ما يطرحه الكتاب أن التقاليد التبشيرية نفسها التي ساهمت في غرس بذور التحيز ضد المسلمين، ساهمت أيضا، وإن بشكل محدود، في ظهور الانفتاح بين الأديان لاحقا. وهذا لا يضعف النقد، بل على العكس، يضفي على الكتاب مصداقية تاريخية أكبر، إذ يُظهر أن الخطاب التبشيري كان متنوعا داخليا حتى في ظل هيمنة الصور النمطية المتكررة.
كما يتميز الكتاب بشفافية جديرة بالثناء فيما يتعلق بنطاقه وحدوده. في المقدمة، توضح ووماك أنها كانت تأمل في إجراء المزيد من العمل الأرشيفي حول ردود فعل المسلمين على الخطاب البروتستانتي، لكنها أجلت هذا البحث خلال فترة جائحة كوفيد-19. لذا، تقدم المؤلفة الكتاب في المقام الأول كدراسة للتصورات البروتستانتية، لا كتاريخ شامل للتفاعل المسيحي الإسلامي، مع تضمينها في الوقت نفسه شخصيات وممارسات إسلامية تُفنّد الصور النمطية البروتستانتية. هذه الصراحة قيمة، إذ توضح أن هدف الكتاب ليس سردا شاملا لفهم المسلمين لذاتهم، بل كشف أصول الأفكار البروتستانتية التي غذت لاحقا الإسلاموفوبيا الأمريكية. مع ذلك، يشير هذا التنويه أيضا إلى مجال هام للعمل المستقبلي يتمثل في دمج أعمق للأصوات الأرشيفية الإسلامية التي تستجيب للخطاب التبشيري البروتستانتي، أو تقاومه، أو تعيد تفسيره.
إذا كان هناك سؤال أوسع نطاقا تُبقيه الدراسة مفتوحا، فهو يتعلق بالآليات الدقيقة التي دخل من خلالها الخطاب التبشيري إلى الأشكال العلمانية والسياسية اللاحقة للتحامل ضد المسلمين. تحرص ووماك على عدم الادعاء بأن المبشرين وحدهم هم من أنتجوا الإسلاموفوبيا الأمريكية، ويبلغ الكتاب ذروته عندما يقدم حججه من منظوٍ تاريخي لا من منظور أحادي السببية. مع ذلك، تكمن قوة هذه الدراسة في دعوتها إلى مزيد من البحث في كيفية تداخل التصورات التبشيرية مع السياسة الخارجية، والثقافة الإعلامية، والسياسات العرقية، ونقاشات الهجرة في القرنين العشرين والحادي والعشرين. وبهذا المعنى، ينبغي قراءة كتاب “إعادة بناء صورة الإسلام” لا باعتباره الكلمة الفصل في هذا الموضوع، بل باعتباره إضافة تأسيسية تعيد توجيه هذا المجال.
عموما، يعد كتاب “إعادة بناء صورة الإسلام” كتابا ملفتا وذا أهمية بالغة. تكمن أهميته الأكاديمية في إثباته أن النظرة البروتستانتية للإسلام قد تشكلت من خلال مزيج ثقافي قوي من الخطاب الجندري، والأشكال البصرية، والمعروضات المادية، والأنشطة التبشيرية، وأن هذه التمثيلات ساهمت في تمهيد الطريق للتحامل اللاحق ضد المسلمين في الولايات المتحدة. تتميز حجة ووماك بالدقة التحليلية، والجدية الأخلاقية، والابتكار المنهجي. سيكون هذا الكتاب مرجعا أساسيا لدارسي الدين، وتشكل الإمبراطوريات، والجندر، والثقافة البصرية، والعلاقات بين الأديان. فهو لا يقدم نقدا للماضي فحسب، بل يقدم أيضا تحديا تاريخيا للحاضر.
