ما سر هذا الشوق الطاغي الذي يملأ القلوب كلما أقبل موسم الحج، فتصغر الدنيا في أعين أهلها، وتتحرك الأرواح نحو مكة كأن بينها وبين الكعبة موعدًا قديمًا لا تخلفه؟
إنها دعوة إبراهيم في جوف التاريخ، يوم ترك أهله وولده في ذلك الوادي الجاف، ومضى رافعًا دعاءه الخاشع لرب العالمين: { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم : 37). فاستجابت الأرواح للدعاء قبل الأقدام. ولم يكن رفع الخليل وابنه إسماعيل لقواعد البيت استعراضًا لبنيان ضخم، بل كان ضراعة وخوفًا من عدم القبول: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} (البقرة: 127)؛ ليتعلم الخلق أن الأعمال لا وزن لها عند الله إلا بصدق السرائر لا بضخامة المظاهر.
وتأمل هذا المشهد الجليل الذي رآه النبي ﷺ ليلة المعراج في السماء السابعة؛ إذ وجد إبراهيم عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدًا! سبحانك ربي! هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فمن ربط قلوب البشر ببيتك الأرضي، أكرمت ظهره بالإسناد إلى بيتك السماوي.
ولأن العبادة هي غاية الوجود الخالص، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، لم يترك الله هذه الغاية لعفوية المشاعر المتقلبة، ولا لآراء السلطة الزمنية المتغيرة، بل أحاطها بنظام صارم يضبط الزمان والمكان والحركة؛ فلا حج خارج الأيام المحددة، ولا وقوف إلا بحدود عرفات، ولا رحيل إلا في مواقيت مرسومة. هذا الانضباط تربية عملية تذوب فيها الأنانية لتتحرك الملايين كجسد واحد، يجمعهم نداء واحد وغاية واحدة، ليتعلم الإنسان أن حقيقة الدين هي الامتثال لأمر الله.
هذا النظام هو الذي نسف كبرياء الجاهلية وطبقيتها؛ فقد اخترعت قريش لنفسها ميزة على سائر قبائل العرب، فلا تخرج مع الناس إلى صعيد عرفات، بل تكتفي بمزدلفة استعلاءً واستكبارًا. فأقبل البيان الإلهي حاسمًا ليهدم هذا الغرور بكلمة واحدة: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } (البقرة:199). ولم تكن الآية علاجًا لسلوك عابر، بل كانت إلغاءً لامتيازات العرق والطبقة، وردًا للبشرية كلها إلى نقطة المساواة؛ فلا فضل في عرفات لغني بماله، ولا لشريف بنسبه، وإنما السيادة لقلب انكسر فقرًا لربه.
ويتجسد هذا بوضوح حين خاطب الله إبراهيم بقوله: ﴿أَسْلِمْ﴾، فقال في يقين تام: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131). ولم تكن كلمة بل كانت حياة؛ أُلقي في النار فصبر، وأُمر بترك رضيعه بواد قاحل فامتثل، ورأى في المنام ذبح ولده فلم يتردد، حتى استحق أن يكون إمامًا للموحدين لأنه وفى بعهده مع الله. ومن عجبٍ أن مَن أُوتي جوامع الكلم قد جمع شمل الأمة في عبادتها في جملتين؛ فقال في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وفي الحج: «خذوا عني مناسككم». بالأولى انتظمت صفوف المسلمين في صلاتهم عبر القرون، وبالثانية تتابعت أمواج الحجيج البيضاء كأن نسمات النبوة الرحيمة تسوقها متتابعة لشاطئ الرحمات.
بيد أن هذا الجلال المشهود يواجه اليوم تحديًا؛ فإنسان هذا الزمان المحاصر بحمى المادة والتباهي الرقمي، بات ينقل أمراض دنياه إلى قلب العبادة. لقد تحول الحج في كثير من مظاهره المعاصرة إلى سوق للتنافس الطبقي؛ فبين “حج فاخر” بامتيازات مرفهة تكرس العزل الاجتماعي للأثرياء، وبين لقطات “السيلفي” والبث المباشر التي تحول الخلوة مع الله إلى مشهد استعراضي يغازل إعجاب المتابعين، يكاد الجوهر الروحي للشعيرة الشاهدة على المساواة أن يختنق تحت وطأة النزعة الاستهلاكية. إن رسالة يوم عرفات اليوم تكمن في قدرة العبد على خلع هذه المظاهر الزائفة، ليس فقط بخلع ثيابه المخيطة، بل بخلع رغبته في التميز والظهور، ليعود إلى بساطة التجرّد الأولى؛ حيث القيمة بالانكسار لا بالامتياز.
إن حكمة الحج تقوم في أصلها على هذا الانقطاع؛ فالإنسان في حياته اليومية يقع أسيرًا لعاداته ومكانته، فإذا خلع ملابسه المعتادة، والتحف برداء أبيض بسيط، وعانى مشقة السفر، شعر وكأن ستائر الغفلة والحرمان تتساقط عن قلبه واحدة واحدة. هناك يوقن المرء أن الحج ليس تنقل الجسد عبر الجغرافيا وحسب، بل هو رحلة تنتشل النفس من مستنقع الغفلة. فبينما تعجز المواعظ عن تحريك القلوب في ظروف الحياة العادية، فإن وقوف ساعة في عرفات وسط جموع المخبتين يبعث في النفس خشوعًا يغير مجرى العمر.
هذا الاجتماع على الطاعة يولد طاقة إيمانية تنزل معها الرحمات كالغيث على الأرض الجدبة. ولهذا يعد يوم عرفة الميدان الأعظم لتحطيم غرور الشيطان؛ حتى إنه ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، كأنه يستحضر في خيبته انكسار جنده يوم بدر حين رأى جبريل يزع الملائكة. وهكذا يتهاوى كبر إبليس أمام دمعة تائب صادق عاد إلى الله بعد طول شرود.
وثمة أثر عميق لبركة المكان؛ فالأماكن التي عُمرت بعبادة الصالحين وبكائهم يظل أثرها ساريًا، والحاج في تلك البطاح لا يرى صخورًا صماء، بل يستحضر موكبًا تاريخيًا ممتدًا من الأنبياء والأولياء الذين عفروا جباههم هنا، فمضوا وبقي صدقهم منارًا يهدي الحائرين.
ويصل هذا المشهد إلى قمة التوحيد في الدعاء؛ لأنه التعبير العملي عن حقيقة الافتقار. فالإنسان لا يلح في المسألة إلا إذا أيقن أن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده، وأن الخلائق جميعًا عاجزون. ولذا تلاقت الحناجر في ذلك اليوم على الكلمة الجامعة التي أخبر النبي ﷺ أنها أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وفي هذا الموقف تتجلى الأمة في أبهى صورها الحضارية؛ أمة واحدة تتجاوز اللغات والحدود والمستويات المعيشية، يجتمع فيها البشر في بيئة يتعلم فيها المقصر من الصالح، ويأخذ الجاهل عن العالم، ليتأكد للوعي أن الإيمان ينمو بالمخالطة والصحبة الصادقة، مذكرًا إياهم بوطنهم الأكبر قبل أن تمزقهم الجغرافيا والمصالح المادية.
ويأتي غروب شمس عرفة ليعلن نهاية هذا اليوم العظيم، حيث يستشعر الإنسان أنه لا يملك من حطام الدنيا شيئًا سوى فاقته، موقنًا أن النجاة ليست بالذكاء ولا بالقوة، وإنما برحمة الله المفيضة على القلوب المنكسرة.
ومن بليغ الحكمة الإلهية أن يتلازم الحج مع الاستغفار والتقوى؛ فأمر الله عباده بالاستغفار وهم يفيضون من الموقف: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة:199)، ليعلم العبد أنه مهما بذل من طاقة، فإنه لا يدخل على ربه مادحًا عمله، بل مستغفرًا من تقصيره. ثم جاء ختام آيات الحج ليربط هذه الرحلة بالمآل الأكبر والبعث العظيم في قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (البقرة:203)؛ ليعود الحاج إلى بيته ونفسه وقد أيقن أن زحام عرفات ما هو إلا صورة مصغرة ليوم الحشر الأكبر، فتتحرك روحه في طاعتها لربها بصدق وخضوع، منادية في صمتها ونجواها: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131).
