يلاحظ الكثير خفوت الإنجاز في حياة المسلم المعاصر, وتراجعه لحدّ القلق, وصار حاله يشبه السيد “جبر” الذي زار إحدى البلدان، وعرج اثناء زيارته على المقبرة, فرأى على شواهد القبور ما أصابه بالذهول..!
إذْ خُط على شاهد قبرٍ منها: (هنا يرقد فلان الفلاني- ولد عام 1922 ومات عام 1998- عاش ثلاثة أعوام), وحين طاف على بقية الشواهد وجد أن الأمر ذاته يتكرر مع اختلاف الأرقام وتشابه في الغموض.
فلما سأل أهل المدينة عن سر هذه الأرقام المكتنفة بالغرابة, والتي لا يرمز مجموع سنونها مع ما كُتب..
قيل له نحن هنا لا نحسب عمر الإنسان بعدد الأعوام التي عاشها؛ بل نحسب عدد السنين التي أنجز فيها.!
عندئذ قال لهم “جبر”: وصيتي إذا مت اكتبوا على شاهدي: (هذا قبر جبر..من بطن أمّه إلى القبر).
وهذه قصة تنطبق على كثيرٍ منّا, وإن كانت حقيقةً قاسية، لكنّها في الوقت نفسه صرخة توقظ الضمير، وتبني مناعة فكرية من تسلّل أمراض الحضارة القاتلة, كثقافة الاستهلاك والغرق في وسائل الاجتماعي التي حوّلت الوقت من نعمة يجب استثمارها, إلى نقمة يجب أن يُتخلص منها, ووهم الانشغال الذي صار الواحد منا تستهلكه التفاصيل مع غياب الإنتاج الحقيقي، وهو ما يسميه بعض المفكرين “العمل الوهمي”, أمّا أزمة الخمول الحضاري عند المسلم فهي الداهية؛ فتشوشت الرؤية وصار لا يدري ما الذي يريده؟ وما الذي يبنيه؟ ولمن؟…
ولكن: كيف يمكن الخروج من هذا التيه؟ الذي يقتل الطموح ويورد المهالك.
يبدأ الطريق من خطوات واضحة:
أولًا: تجديد الوعي بالخلق والمصير: ماذا تريد أن يُكتب على شاهد قبرك؟ وما دمت في زمن الإمهال؛ فيجب أن تحث السير وتراقب الأنفاس, وتغتنم الأوقات, قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾[الحشر: 18 ], إنّه الوعي المحرك الذي يحضّ على مواصلة السير, وقد أشارت الآية إلى سر التحرك وهو أن يجعل المؤمن الآخرة نصب عينه وقِبلة قلبه، وأن يهتم بالمقام بها، وأن يجتهد في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفه عن السير أو تعوقه …وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها… وأن يبذل جهده ويستعين بربه في تكميله عمله وتتميمه، وإتقانه.”[1].
ثانيًا: تعميق الإيمان: الإيمان الحقيقي يولّد طاقة حركية لا مجرد طمأنينة قلبية وسكينة نفسية, فهو الوقود الحقيقي لكل انطلاقة, والقوة المعينة على التحمّل للوصول, وهو من صفات المؤمنين الذين يستبشرون إذا ذُكر ربهم, فيُقبلون عليه وعلى ما ينفعهم وينفع غيرهم, على عكس من ذمّهم الله عز وجل, حين قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾[الزمر: 45 ], أي: إذا قيل: لا إله إلا الله (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة(: انقبضت, وقيل: نفرت, وقيل: كفرت واستكبرت عن المتابعة والانقياد لها, فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر ; ولهذا قال: (وإذا ذكر الذين من دونه) أي: من الأصنام والأنداد[واللهو والتفاهة] (إذا هم يستبشرون) أي: يفرحون ويسرون [ويستأنسون][2]., وما نفور النّاس من التذكير, وانصرافهم عن مضانّه, وعدم تطلب مواطنه؛ بل وتشويشهم عن الدعاة, إلاّ تجلٍ لهذا المعنى في الآية.
ومن أجمل ما يُذكر هنا, ما كان يفعله الإمام التابعي الجليل سفيان الثوري -رحمه الله-، الذي كان يُخرج من جيبه رقعة ينظر فيها، فأخذ الفضول أحد الطلاب أن يعلم ما فيها فتبعه، فوقع في يده الرقعة، فإذا فيها مكتوب: ” سفيان، اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل “.[3]
ثالثًا: مراجعة الماضي بندمٍ يدفع إلى العمل ويحوّل الخطأ إلى وقود، لا بحزنٍ يشلّ الحركة ، ويولد النّدم العقيم, قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾]الزمر: 53 ], وفي الآية دعوة من الغفور الرحيم إلى من كثُرت ذنوبه, وأسخط علّم الغيوب, أن يأخذ بأسباب المغفرة لنيلها, والتي” إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النّصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم”.[4]
رابعًا: العمل بروح الجماعة: فالأعمال العظيمة ما هي إلى ألاف من الأعمال الصغيرة, فنجاح مشروع بحثي، أو مبادرة اجتماعية، أو عمل دعوي جماعي إنّما هو مجموعة جهود من فريق عمل بروح الجماعة, فلا تحقرن العمل اليسير فقد يسد ثغرًا لا يسده سواه, وفي قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾]المائدة:2 ] , وقوله : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾[محمد: 7],تكليف لكل واحد منا بهذه المهمة بصورة خطاب جماعي، ولم يكلفْه بصورة خطاب فردي، إشارة إلى أن كلَّ واحد لا يستطيع أن ينهض بمهمته وحدَه، وإنما بمعاونة ومساندة الآخرين”[5], وهذا عين الحكمة فكثير من الأعمال لا يستطيع المرء أن يقوم بها بمفرده فلزم أن تتظافر الجهود لتحقيق الغاية والقيام بوظيفة الاستخلاف.
خامسا: مطالعة سير الملهمين, فهذا ابن الهَائِم (780ه – 798ه), محمد بن أحمد بن محمد بن عماد المصري ثم المقدسي, قال الحافظ: ” ولد سنة ثمانين أو إحدى وثمانين, حفظ القرآن وهو صغير جداً، وكان من آيات الله في سرعة الحفظ، وجودة القريحة، اشتغل بالفقه والعربية والقراءات والحديث، ومهر في الجميع في أسرع مدة، ثم صنَّف وخرَّج لنفسه، ولغيره.
رافقني في سماع الحديث كثيراً، … وهو أذكى من رأيت من البشر، مع الدين، والتواضع ولطف الذات، وحُسن الخلق والصيانة… مات في شهر رمضان وأُصيب به أَبوه وأَسف عليه كثيرًا، عوّضه الله الجنة.” اهـ[6], إنّها قصة ملهمة, وكيف لا؟…
وأكثر الشباب يبحثون عن الذي يبث فيهم روح الأمل,فهذا واحد من مئات في تراث الأمّة الذين رحلوا وبقي ذكرهم يذكي روح المثابرة, والصبر على التعلم, والحرص على رفع التحدي, وأطمئنك هناك كثير بيننا ممّن يتحمّلون لا للبقاء فقط؛ ولكن يتحمّلون للوصول, فكن واحدا منهم تنل ما يسرك, وخذ بهدي النّبي ﷺ تُنَر لك الطريق فقد قال ﷺ: “المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ, احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ…”[7]
هذه بعض المعالم العملية، ويبقى الأهم:
فماذا ستكتب على شاهدك لو خُيِّرت الآن؟ وهل ما تفعله اليوم يستحق أن يُكتب؟
