يعتبر كتاب” “القرآن دليل أكاديمي” إسهاما منهجيا في حقل الدراسات القرآنية المعاصرة، ويقدم هذا العمل للقارئ العربي خلاصة مركزة لآخر ما انتهت إليه الأوساط الأكاديمية الغربية في تناولها للنص القرآني، مع الحفاظ على حوار عميق مع التراث الإسلامي في التفسير وعلوم القرآن.

صدر الكتاب في أصله الإيطالي بتحت عنوان : (Leggere e studiare il Corano: una guida) ضمن سلسلة معهد الشرق (كارلو ألفونسو ناللينو) في روما، صدرت النسخة العربية عام 2023 م عن “مركز نماء للبحوث والدراسات”، وهي من ترجمة الباحث طارق غانم.

المؤلف والخلفية العلمية

يمثل روبرتو توتولي، الأستاذ بجامعة نابولي الشرقية، أحد أبرز أعلام الاستشراق الأوروبي المعاصر. وتتركز دراساته على التراث التفسيري، والقصص النبوي، وتاريخ ترجمات القرآن الأوروبية. يبدو هذا الزاد العلمي الوفير واضحا في بناء الكتاب ويأتي نتاج مسار طويل من الاشتغال على النص القرآني عبر مصادره الإسلامية والغربية.

أشار توتولي في مقدمته إلى أن العمل انطلق من مقدمة موجزة، إلى أن تطور من خلال مشروعات بحثية عديدة، منها المشروع الأوروبي القرآن في أوروبا ثم تحول إلى دراسة شاملة تعيد رسم خريطة الدراسات القرآنية في العقود الثلاثة الأخيرة.

الفكرة الأساسية والمنهج

يقدم الكتاب دليلا منهجيا موجها للباحثين والطلاب الأكاديميين المطلعين على النص القرآني إذ يساعدهم في الإحاطة بالإنتاج العلمي الضخم الذي راكمته الأوساط الأكاديمية الغربية.

سعى المؤلف توتولي إلى تجاوز الاستقطاب التقليدي بين اتجاهين متعارضين:

  • الاتجاه الإيماني الذي ينظر إلى القرآن بوصفه كلام الله المنزل من خلال منظومة التفسير الإسلامي،
  • والاتجاه النقدي التاريخي السائد في الأوساط الغربية الذي يطبق أدوات النقد الفيلولوجي ودراسة السياقات التاريخية.

يبني توتولي جسرًا معرفيا بين الرؤيتين فيستحضر «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (ت 911هـ/1505م) مرجعا يعبر عن الرؤية الأصيلة الإسلامية، ويضعها في حوار متواصل مع المناهج الغربية الحديثة، مما يتيح للقارئ فهم دلالة القرآن عند المسلمين وفقا لذاكرتهم التاريخية، مع التعرّف على أبرز الإشكاليات التي تثيرها الدراسات النقدية، دون انحياز أعمى لأي من الطرفين.

البنية الشاملة

ينتظم الكتاب في هيكل منطقي يبدأ من داخل النص ثم ينتقل إلى خارجه، متضمنا أربعة أقسام رئيسة:

  1. المضامين: يعيد ترتيب مواضيع القرآن فيتناول الألوهية والعالم الغيبي، والنبوة والرسالة المحمدية، والمجتمع والمصير الإنساني، والتشريعات الاجتماعية والقانونية.
  2. الشكل والبنية: ينتقل من سؤال ماذا يقول القرآن؟ إلى سؤال كيف يقول ما يقول؟ مستخدما أدوات التحليل الأدبي واللغوي لدراسة السورة والآية، والخصائص الأسلوبية، والفاصلة القرآنية.
  3. تاريخ النص: يتناول أكثر المجالات حساسية في الدراسات الاستشراقية مثل: السياق الديني السابق، والتسلسل الزمني للسور، والجمع والتدوين، والقراءات المختلفة، والمخطوطات القديمة.
  4. الإرث والتلقي: يتتبع حياة النص في الوجدان الإسلامي عبر العلوم القرآنية والتفسير والممارسات الشعائرية والترجمات.

الخلاصة

يحقق الكتاب هدف تقديم دليل منهجي شامل يختزل النقاشات الأكاديمية المعقدة في بنية واضحة يستفيد منها الطالب والباحث. ويكمن فضله الحقيقي في بناء جسر معرفي صادق بين التيارات البحثية الغربية والرؤى الإسلامية الأصيلة. يصلح هذا الكتاب ليكون نقطة انطلاق لكل مهتم بالدراسات القرآنية المقارنة، معتمدا بنية موضوعية تتيح التعمق في التراث الإسلامي والأدبيات الاستشراقية المعاصرة.