لطالما وُصفت الرياضيات بأنها «لغة الكون» أو «ملكة العلوم»، غير أن تدريسها في كثير من المؤسسات التعليمية المعاصرة غالباً ما يجرّدها من جذورها التاريخية وسياقها الفلسفي، فيتحول التعلّم إلى عملية تقنية مجردة من الروح الإنسانية التي أفرزتها. هنا يأتي كتاب “تاريخ الرياضيات وتطورها الفلسفي” للبروفيسور محمود الحمزة، ليعيد ربط المفهوم الرياضي بسيرورته الحضارية، ويكشف كيف أن الأرقام، والمسلّمات، والبراهين ليست كيانات ثابتة، بل نتاج حوارات عقلية ممتدة عبر آلاف السنين، شكلت فيها الحضارة العربية الإسلامية حلقة وصل جوهرية لم تُعطَ حقها في السرديات الأكاديمية السائدة.
يضم الكتاب في طبعته الثانية الموسعة نحو 612 صفحة، موزعة على أربعة أبواب وتسعة عشر فصلاً، ويمثل ثمرة أكثر من عشرين عاماً من البحث الأرشيفي، والتدريس الجامعي، والمشاركة في مؤتمرات دولية متخصصة. وما يزيد من قيمته هو منهجه التكاملي الذي يجمع بين الاستقصاء التاريخي، والتحليل الفلسفي، والتوثيق المخطوطي، فضلاً عن كونه مشروعاً إنسانياً، إذ يرصد مؤلفه كامل عائداته لدعم أطفال سوريا.
رحلة عشرين عاماً: من تعز إلى موسكو وأروقة المخطوطات
لم يولد هذا الكتاب بين ليلة وضحاها، بل تشكّل عبر مسار أكاديمي طويل ومتشعب. بدأت نواته الأولى عام 2002 في تعز باليمن تحت عنوان “موجز في تاريخ الرياضيات وتطورها الفكري والفلسفي”، أثناء عمل المؤلف في جامعة تعز. غير أن التحول النوعي حدث مع انتقاله إلى روسيا للعمل باحثاً رئيساً في قسم تاريخ الرياضيات بمعهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا «فافيلوف» التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وهو واحد من أبرز المراكز العالمية في تأريخ العلوم. هناك، أتيحت للمؤلف فرصة نادرة للاطلاع على أرشيفات علمية تحتفظ بمئات المخطوطات الرياضية العربية التي نقلها أو درّسها المستعربون الروس على مدى عقود، أمثال الخوارزمي، والبيروني، وابن سينا، والطوسي، والكرجي، والخيام.
وقد أفاد المؤلف من هذه الثروة الأرشيفية في ترجمة ونشر مخطوطات عربية في مجلة “أبحاث في تاريخ الرياضيات” الروسية، قبل أن يُغلق القسم عام 2016 لأسباب مؤسسية معروفة في الأوساط الأكاديمية الروسية. هذه الخلفية التجريبية والميدانية تفسر عمق التوثيق في الكتاب، وانتقاله من “الموجز” الجامعي إلى المرجع الموسوعي الذي يربط بين السياق التاريخي والنقد المنهجي.
الفلسفة والأسس: عندما تتحول الرياضيات إلى سؤال وجودي
يميز هذا الكتابُ عن كثير من مؤلفات تاريخ الرياضيات تركيزُه الصريح على البعد الفلسفي والمعرفي. فبدلاً من الاكتفاء بسرد الاكتشافات وتسلسلها الزمني، يخصص المؤلف فصولاً كاملة لـ “فلسفة الرياضيات” و”فلسفة الحساب”، وهي مواضيع نادرة في الكتابات العربية المتخصصة.
يتناول الكتاب تطور الفكر الرياضي من المنهج الإغريقي الاستدلالي، مروراً بالمسلمة الخامسة لإقليدس وما أثارته من جدل قروني، وصولاً إلى ظهور الهندسات اللاإقليدية في القرن التاسع عشر التي هزّت فكرة “الحقيقة الرياضية المطلقة”.
ثم ينتقل إلى “أزمة أسس الرياضيات” في مطلع القرن العشرين، مستعرضاً بدقة النزعات الثلاث الكبرى: المنطقية (لورجيكيزم) التي مثّلها فريجه ورسل، والحدسية (إنتويشونيزم) التي قادها براور، والشكلية (فورماليزم) التي دافع عنها هلبرت. ولا يكتفي المؤلف بالسرد التاريخي، بل يربط هذه الجدالات بأطروحة كورت غودل حول عدم الاكتمال (1931)، التي أثبتت رياضياً استحالة بناء نظام بديهي كامل ومتسق في آن واحد، مما فتح باب الشك المعرفي وأعاد تعريف طبيعة البرهان.
كما يتوقف الكتاب عند البنيوية الرياضية (بورباكي) ونظرية الزمر، ويربطها بالتطور المعرفي لدى الطفل، في جسر نادر بين الرياضيات المتقدمة وعلم النفس التربوي. هذه المعالجة تجعل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لفهم لماذا لم تعد الرياضيات “علم اليقين المطلق”، بل “علم الفرضيات والاستدلال المنضبط”.
الإسهام العربي الإسلامي: استعادة الحلقة المفقودة
يُعد الباب الثاني من الكتاب القلب النابض للمشروع الفكري للمؤلف. فبدلاً من التعامل مع الرياضيات العربية كمجرد “ناقل” للتراث الإغريقي، يقدم المؤلف قراءة نقدية تثبت دور العلماء المسلمين كمطوّرين ومبتكرين. يغطي الكتاب فصولاً متخصصة في الحساب، والجبر، والهندسة، وحساب المثلثات، مع تراجم موسعة لعشرين عالماً على الأقل، من الخوارزمي مؤسس الجبر المنهجي، إلى ثابت بن قرّة في ترجمة وتحقيق النصوص الإغريقية، وأبو الوفاء البوزجاني في حساب المثلثات الكروي، وعمر الخيام في حل المعادلات التكعيبية هندسياً، وشرف الدين الطوسي في ما يُعد إرهاصات حساب التفاضل، وغياث الدين الكاشي في حساب الكسور العشرية وتقريب العدد π بدقة غير مسبوقة.
والأهم من ذلك، أن المؤلف يستند إلى أبحاث المستعربين الروس والعرب المعاصرين، فيكشف كيف أن مخطوطات عربية في المشرق والمغرب والأندلس حافظت على استمرارية المعرفة خلال فترات الانقطاع الأوروبي، وكيف أن الترجمة اللاتينية في القرن الثاني عشر (طليطلة، صقلية) كانت الجسر الذي عبرت عبره الجبر، والخوارزميات، وحساب المثلثات إلى أوروبا. كما يخصص المؤلف فصولاً لأبحاثه الخاصة، مثل تطور “قاعدة حساب الخطأين” من الصين إلى الأندلس، ورسالة ابن البغدادي في المقادير المشتركة والمتباينة، ومسألة الشطرنج في القرون الوسطى، مما يثبت أن التراث الرياضي العربي لم يكن موحداً بل متنوعاً، وشبكات التواصل العلمي بين المشرق والمغرب كانت أكثر حيوية مما توحيه بعض الروايات المختزلة.
من العصور القديمة إلى القرن ال21: خط زمني متصل لا منقطع
لا ينعزل الكتاب عن السياق الحضاري الأوسع، بل يضع الرياضيات العربية في حوار مستمر مع حضارات أخرى. يخصص الباب الأول لاستعراض نشأة الرياضيات في سومر وبابل ومصر والهند والصين، موضحاً كيف أن كل حضارة أضافت لبنة: النظام الستيني البابلي، والكسور المصرية، والصفر الهندي، والخوارزميات الحسابية الصينية، قبل أن تتبلور هذه المعطيات في الصياغة الاستدلالية اليونانية.
ثم ينتقل الباب الرابع إلى الرياضيات الأوروبية من القرن الخامس عشر حتى القرن الحادي والعشرين، مستعرضاً عصر النهضة، واكتشاف التفاضل والتكامل، ونظرية المجموعات، والرياضيات التطبيقية في عصر الحاسوب والذكاء الاصطناعي. ورغم اتساع الرقعة الزمنية، يحافظ المؤلف على خيط ناظم واحد: فكرة أن الرياضيات “علم تراكمي عالمي”، لا يعرف الحدود الجغرافية أو الدينية، وأن تقدم أي أمة يقاس بمدى قدرتها على استيعاب هذا التراث وتطويره، لا على ادعاء امتلاكه حصرياً. هذه الرؤية تتوافق مع دراسات مؤرخي العلوم المعاصرين مثل فيكتور كاتز وكارل بوير، الذين أكدوا أن “تاريخ الرياضيات تاريخ للتفاعل البشري مع الأنماط والكميات”، لا سلسلة من العباقرة المنعزلين.
التعريب وصناعة المصطلح: معركة الهوية والعلم
من أبرز ما يميز الكتاب فصله المتخصص في «التعريب ومصطلحات الرياضيات»، وهو موضوع حيوي غالباً ما يُهمش في المؤلفات التاريخية. يستعرض المؤلف تجربته الشخصية في إعداد معجمين (روسي-عربي، وإنجليزي-عربي) لمصطلحات الرياضيات، ويحلل إشكاليات النقل اللغوي والعلمي، من غياب التوحيد المصطلحي، إلى الاعتماد الأعمى على الترجمات الحرفية، إلى تأثير اللهجات الإدارية في صياغة المفاهيم الأكاديمية.
ويذكّر بحركة الترجمة في بيت الحكمة، وكيف أن مصطلحات مثل “جبر”، “خوارزمية”، “صفر”، و”أصم” دخلت اللغات الأوروبية عبر العربية، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تستعيد العربية اليوم دورها كمصنع مصطلحي فعال؟ يحاجج المؤلف بأن الدقة المصطلحية ليست ترفاً لغوياً، بل شرطاً منهجياً لبناء تعليم رياضي رصين، وتمكين الباحث العربي من الحوار المباشر مع الأدبيات العالمية دون وساطة تشوّه المفهوم. هذه المعالجة تضع الكتاب على مقربة من أعمال رواد التعريب العلمي مثل إبراهيم مدكور وماجد فخري، الذين رأوا في المصطلح حجر الزاوية لأي نهضة معرفية مستدامة.
التقييم النقدي والأثر الأكاديمي
يتميز الكتاب بجملة من المزايا المنهجية التي تجعله مرجعاً متعدد المستويات: أولاً، شموليته النادرة التي تربط بين التاريخ، والفلسفة، والتطبيق، والتعريب.
ثانياً، اعتماده على مصادر أولية (مخطوطات، دوريات أكاديمية روسية وعربية) وليس فقط على الكتب الثانوية.
ثالثاً، وضوح أسلوبه الذي يجعله مقروءاً لغير المتخصصين دون أن يفقد دقته العلمية. رابعاً، تكامله التربوي، إذ يمكن اعتماده كمقرر جامعي أو كتاب تأهيلي لمعلمي الرياضيات. غير أن الكتاب، كأي عمل موسوعي، يواجه تحدي الكثافة المعلوماتية التي قد تتطلب من القارئ المبتدئ الاستعانة بمعاجم رياضية مساعدة، وهو أمر يعترف به المؤلف ضمنياً عبر انتقاء أبحاثه المبسطة.
مقارنةً بمراجع عالمية مثل “تاريخ الرياضيات” لبوير وميرزباخ، أو أعمال رشدي راشد في الرياضيات العربية، يقدم الحمزة ميزة إضافية هي الجمع بين السرد الكرونولوجي والنقد الفلسفي مع التركيز على الأرشيف الروسي-العربي، مما يفتح باباً جديداً للباحثين العرب للتعاون مع المراكز الأوروبية في تحقيق المخطوطات.
الأرقام لم تُخلق من فراغ
“تاريخ الرياضيات وتطورها الفلسفي” ليس مجرد سرد لإنجازات الماضي، بل مشروع فكري يدعو إلى إعادة تأطير تعليم الرياضيات في العالم العربي على أسس تاريخية وفلسفية رصينة. الكتاب يذكّرنا بأن الأرقام لم تُخلق في فراغ، بل نحتت على جدران المعابد، وحُسبت في دواوين الخلافة، ونُقلت عبر الأندلس إلى الجامعات الأوروبية، ثم عادت إلينا اليوم بلغة الحواسيب والذكاء الاصطناعي.
إن تجاهل هذا المسار يعني تجريد العلم من إنسانيته، وجعل الطالب مجرد آلة حاسبة لا يفهم لماذا يجمع أو يضرب. ومن هنا تبرز قيمة هذا العمل الأكاديمي والإنساني في آن واحد، فهو يوثق، ويؤسس، ويمنح، ويدعو إلى حوار حضاري لا يزال مفتوحاً. في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، يظل تاريخ الرياضيات بوصلة لا غنى عنها لفهم أين كنا، وكيف وصلنا، وإلى أين نمضي.
