ليس كل ما يُثار حول القرآن الكريم يحتاج في دفعه إلى استدعاء كتب التاريخ أو التنقيب في النقوش والآثار؛ فإن القرآن يحمل في بنائه من شواهد صدقه ما يغني -في كثير من المواضع- عن الاستشهاد بغيره. ومن القضايا التي تكشف هذه الحقيقة دعوى إنكار حادثة أصحاب الفيل أو صرفها عن سياقها المكي إلى وقائع أخرى لا صلة لها بالبيت الحرام ولا بقريش. وقد سلك كثير من الباحثين سبيل مناقشتها ودحضها من جهة التاريخ، وهو مسلك لا مطعن فيه، غير أن القرآن نفسه يقيم في هذه القضية برهاناً داخلياً؛ إذ لا يثبت الحادثة بوصفها خبراً مجرداً، وإنما يجعلها حلقةً في بناء حِجاجي لا يستقيم بعضه إلا ببعض.

ولهذا لم يفتتح السورة بصيغة الإخبار، وإنما بصيغة التقرير، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. والاستفهام هنا ليس طلباً للعلم، وإنما إلزام بما استقر في علم المخاطب حتى صار بمنزلة المُشَاهد، ولذلك جاء التعبير بالرؤية دون العلم؛ لأن المقام مقام احتجاج لا مقام تعريف.

يقول الإمام عبد الحميد الفراهي (ت ١٣٤٩هـ): “اعلم أن القرآن لم يُفَصِّل في قصة أصحاب الفيل بأنهم جاؤوا لهدم الكعبة، ومَنْ كانوا، ومن أين جاؤوا؛ لأن الواقعة كانت على غاية الاشتهار حتى إن العرب اتخذتها مبدأ تاريخهم، وذكروها في أشعارهم… والسكوت عن التفصيل أبلغ بياناً لدلالته على غاية الشهرة. وإصدار الكلام بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ يناسب هذا الأمر؛ فإنه لا يُخَاطب به إلا فيما لا يخفى على أحد، كأنه رآه كلُّ من يخاطب به وإن لم يره بعينه. وهكذا ينبغي عند طلب الإقرار بشيء، كما هو معلوم عند أهل العربية، ثم إذا أخرج الكلام هذا المخرج لا يُذْكر فيه إلا ما كان مشهوراً معلوماً، فالتفصيل لا يليق به” [1].

فقد كانت حادثة الفيل جزءاً راسخاً من الوعي التاريخي لقريش، تؤرخ بها أعوامها؛ فلم يكن القرآن ينشئ لها علماً جديداً، بل يبني على علم قائم مستقر. ولو وجد المشركون -وهم الذين تحينوا كل فرصة للطعن في الرسالة- سبيلاً إلى تكذيب أصلها لسلكوه، غير أن شيئاً من ذلك لم يُنقل عنهم، فاجتمع في مطلع السورة شاهد البيان وشاهد التاريخ.

واستمع إلى شيخ الأدباء الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) يصور هذا المعنى قائلاً: “أنزل هذه السورة وقريش يومئذ مُجْلِبون في الردّ على النبي ، وما شيء أحبّ إليهم من أن يروا له سقطة أو عثرة أو كذبة، أو بعض ما يتعلّق به مثلهم، فلولا أنّه كان أذكرهم أمراً لا يتدافعونه ولا يستطيع العدوّ إنكاره، لوجدوا أكبر المقال [2].

ثم نقلت السورة النظر من ثبوت الواقعة إلى مغزاها المقاصدي، فقالت: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾، فجعلت العبرة في التدبير الإلهي الخارق، وأضافت الفعل إلى ﴿رَبُّكَ﴾؛ لتقيم رباطاً وثيقاً بين مَن حفظ البيت قبل البعثة، ومَن تكفل بحفظ الرسالة بعدها، فتكون سُنّة مطردة لا تختص بكيد أصحاب الفيل وحدهم، وإنما تمتد إلى كل كيد يتوجه إلى دين الله وحرماته.

ولا يقف أثر هذا الحفظ عند حدود نجاة البنيان، بل هو نقطة الارتكاز التأسيسية لما بعدها. فالالقرآن لا يورد الحوادث لمجرد التوثيق، بل ليجعلها أصولاً تُبنى عليها السنن. ومن ثم لم تكن واقعة الفيل خاتمة قصة، بل فاتحة مرحلة تاريخية بها استقر أمر البيت، وتهيأت مكة للمهمة العالمية الكبرى. ولهذا أعقبتها سورة قريش مباشرة؛ استكمالاً لبنية البرهان. فافتتاح السورة التالية بقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ هو الأثر المباشر والنتيجة الحتمية للواقعة السابقة؛ فالإيلاف والأمن كان ثمرة الحماية الإلهية الصرفة للبيت، وما ألقته تلك الحادثة في قلوب القبائل من تعظيم حرمته، ولهذا تنتهي السورة إلى النتيجة التي انتظم من أجلها هذا البناء كله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾؛ إذ غدت العبادة نتيجة منطقية لازمة لنعمة عظيمة ثبتت مقدماتها، واكتملت أسبابها.

وهذا المعنى يزداد جلاءً بضمّ الآيات التي قررت أن هذا الحرم “قيامٌ للناس” وموضع أمنٍ وتكريم (كقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾). وحرف اللام في ﴿لِإِيلَافِ﴾ تعليلٌ يطلب ما قبله حتماً؛ فكأن القرآن يصل بين السورتين بخيط إعجازي: حفظ الله بيته، فألقى له في القلوب من الهيبة ما أمنَت به قريش، واستقام به معاشها، ثم استحقت بذلك أن تُدعى إلى إفراد العبادة للمنعم وحده. وعلى هذا التدرج المحكم ينتظم البرهان: (حماية، فأمن، فإيلاف، فعبادة). وليس في هذا النسق حلقة واحدة يمكن حذفها دون أن ينهار البناء التكاملي بأكمله.

ومن هنا يغدو النظم القرآني أصلاً قاطعاً من أصول التفسير؛ إذ لا يحتمل البناء الكلي المحكم إلا الوجه السديد الذي تنتظم به السورة مع ما قبلها وما بعدها. وكل تأويل يقتضي تمزيق هذا النسق، أو فصل المقدمات عن نتائجها، يحمل في أحشائه دليل بطلانه؛ لأنه يصادم الكتاب من حيث يزعم قراءته.

وقد نبه العلامة محمد عبد الله دراز إلى أن فهم القرآن لا يكتمل إلا بالنظر إلى هذا النظام الكلي، فقال في (النبأ العظيم): “التفقُّه في القرآن ينبغي أن يكون على ثلاث مراحل متصاعدة… (المرحلة الثانية): النظر في جملة مسائل السورة على أنها أجزاء من وحدة مستقلة يرتبط بعضها ببعض في نظام واحد… (المرحلة الثالثة): النظر في مجموع سور القرآن على أنها أبواب من ديوان واحد… مثل ذلك مثل الناظر في علم التشريح: لا يبحث في العلاقة بين جهاز وجهاز، حتى يعرف أعضاء كل جهاز على حِدته” [3].

إن محاولة تفسير حادثة الفيل معزولة عن سياقها محاولةٌ مآلها الإخفاق؛ فها هي سورة قريش تحاصر تلك المحاولة ممسكة بتلابيب فكرتها: كيف تفصلون بين السببية الواصلة بيننا؟ وكيف تفسرون ورود اسم “قريش” واسم “الفيل” متجاورين متكاملين في موضع واحد من المصحف الشريف لم يتكرر في القرآن كله؟

إن أعظم ما يدفع به القرآن عن نفسه ليس شهادة التاريخ الخارجي وحده، بل شهادة القرآن للقرآن؛ فإنه الكتاب الذي أُحكمت آياته بنياناً ونظماً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.