كم مرّة عصيت ثمّ شعرت بالنّدم, وبكيت, ووعدت الله جلّ وعلا ألاّ تعود…ثمّ وجدت نفسك في وَحْل المعصية تتمرغ؟, إنّه “مَكْمن الوَجع” في طريق سيرك إلى الله, وهو من أكثر الأمور التي تفتح باباً لـ “سيطرة اليأس” و”سَطوة النفس” إذا لم تُفهم وتُعالج بدواء الوحي.

   وقبل أن نُبحر في معاني “التوبة” نشير إلى ما يغفل عنه أكثر النّاس؛ من أن التوبة لا تتعلق بالذنوب “التعبدية” فقط -ترك صلاة, أو عقوق والدين, أو النّظر إلى الحرام, أو التكلم في أعراض الناس, أو الانشغال بما لا يعني-, بل هناك ذنوب “حضارية” – التخلف, وضعف التخطيط, والرضا بمكان متأخر بين الأمم…- ما أَحْوجنا أن نتوب منها كذلك.

   وهذه “البصائر” الثلاث إذا استحضرتها في طريق تطهير قلبك, ومداواة نفسك, تُؤتي أكلها بإذن الله عزوجل.

1.فهم “الطبيعة البشرية” (الاعتراف بالضعف .. منطلق للشموخ)

   المسلم يعود للذنب لأنّه “بشر” يعصي؛ لا “ملاك” معصوم، قال : ” كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ”[1], وهذه ليست دعوة للتفريط واستسهال الذنب، بل هي اعتراف بـ “القصور البشري”, ولذلك كان كل سعيٍ يُوهم الإنسان بإمكان الرُقي بعيدا عن هذا البيان النّبوي ضرب من تضليل.

   والله عزوجل لم يُطالبنا ب”العصمة”، بل طالبنا ب”الاعتراف بالخطأ” و “الإنابة”, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران: 135 ],

   التوبة ليست “حدثاً عارضاً” نفعله مرّة؛ بل هي “منهاج حياة”, كما قال عليه : “والذي نَفسي بيَدِه، لو لم تُذنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكُم، ولَجاءَ بقَومٍ يُذنِبونَ، فيَستَغفِرونَ اللهَ، فيَغفِرُ لهم”[2], وهذا الحديث ليس ترخيصاً للذنب، بل هو “هندسة لنفسية المؤمن” لئلا تنكسر أمام اليأس, وتَعي أنّ “التوبة” لا ينفك عنها المؤمن ولو بلغ أعلى المنازل, فهي كما قال ابن قيم الجوزية- رحمه الله-: ” …أوّل المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات, وإن ارتحل إلى منزلٍ آخر ارتحل به، ونزل به, فالتّوبة هي بداية العبد ونهايته.”[3], ومن هنا نعلم؛ أنّ من الخطأ القادح أن يمرّ عليك يوم لا تشعر فيه أنّك محتاج إلى توبة ورجوع.  

2. قانون “التدافع الداخلي” (لماذا نعود؟)

   عودتنا للذنب تُنْبؤ بجهلنا و غفلتنا عن “السنن النّفسية”, إذ التوبة في الغالب تكون “عاطفية” (لحظة ندم), وإن كان هذا مطلوبا كبداية ف” النّدمُ توبةٌ” [4] كما قال عليه ، بينما الذنب يكون “هيكلياً” (مرتبط ببيئة، أو عادة، أو فراغ).

    التوبة العاطفية قَلّ ما تصمد أمام “الإغراء ” وتزيين الشيطان, وإذا لم نغير “بيئة الذنب” تَعسّر العلاج وطال الطريق, وهذا حديث الذي قتلَ تسعةً وتِسعينَ نفسًا ثمّ أكملهم مئة, ولكنه تاب فقَبِل الله توبته؛ تُجلي لنا هذا المعنى, ولكن كان من شرط قبول توبته الخروج منَ القَريةِ الخبيثَةِ الَتي كان فيها إلى قريةٍ صَّالحةٍ يعبد ربه فيها؛ فخرج[5], إنّها بيئة الذنب الدافعة للاستكثار منه.

    الذنب غالباً ما يكونوا “عَرضا” لمرض أعمق خفي (وحدة، أو ضياع بوصلة، أو استلاب ثقافي, أو غَرق في منصات التواصل الاجتماعي), ولذلك كان التَنحِي والانفصال عن بيئة الذنب وسموم الخلطة والتخليط سببًا للثبات, ومناعة من “قوة الجذب البيئي”.

3. “أقنعة اليأس” (فخ الشيطان الأكبر)

    أخطر ما في العودة للذنب ليس الذنب نفسه، بل هو “الوهم” الذي يليه: (أنا منافق، وتوبتي كاذبة، ولا فائدة منّي, واحتقار الذات…), هذا هو “قناع التأييس النفسي” الذي يُحوِّل الإنسان إلى “عدمي” فاقد للمعنى في الحياة بله يحمله على ارتكاب المزيد من الآثام, والأوْلى بنا ونحن نخطأ وننخفض ألاّ نسيئ الأدب مع التواب الغفار؛ فهو القادر على أن يأخذ بأيدينا, ويخرجنا ممّا حلّ بنا, وتأمّل قول ابن عطاء- رحمه الله- وهو يُحذر من سوء الأدب؛ ويطمئننا في ذات الوقت؛ فيقول: “من استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته, فقد استعجز القدرة الإلهية: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [ الكهف: 45][6], بل ومع تكرر الذنب نَحذر من أن يُداخلنا الشعور باليأس؛ قال ابن القيم- رحمه الله- : ” فغاية الأدب مع الله كف النّفس عن الإياس عند المعصية”, وقد قال الله عزو جل في الحديث القدسي للعبد الذي تكرر منه الذنب والمتاب: “اعمَلْ ما شِئتَ فقد غَفَرتُ لَكَ”[7], وهذا دليل على أنَّ جذوة الإيمان لم تنطفئ، وأنَّ فيك شموخاً يرفض القيد, وهكذا المؤمن “عزيز” حتى وهو يتوب، لأنّه يرفض رق الشهوة.

   واعلم أنّالذنب يكسر “كبر النفس”، والتوبة تجبر “كسر القلب”, والعودة للذنب هي “معركة” في حرب طويلة، وليست نهاية الحرب, والتوبة من “الذنب الشخصي” هي الوقود النّفسي للنّهوض من “الذنب الحضاري”, “ويتوب الله على من تاب”[8].

وفي الختام ليس السؤال: إلى متى تُذنب وتعود.. بل هل تُحدث توبة للذنوب؟