في اللحظات الأولى من انعقاد المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي، قبل أن تُلقى الكلمات وتفتح ملفات البحث، عرض المنظمون مقطعا مرئيا افتتاحيا أوجز روح هذا اللقاء السنوي بعمق لافت: مشاهد للمدن والأسواق والإنسان في حركته اليومية تتقاطع مع خوارزميات وأرقام وشاشات، وفوق كل ذلك سؤال مضمر يتردد كالصدى: من يتخذ القرار؟ الإنسان أم الآلة؟ ومن يحمل المسؤولية الأخلاقية حين يتصرف وكيل ذكي بدلاً من إنسان في عملية مالية تمس حقوقاً وأموالاً وتنمية؟

هذا السؤال لم يكن افتراضيا أكاديميا؛ بل كان يعكس واقعا عالميا راهنا تعيد فيه الأنظمة الوكيلة الذكية – وهي جيل جديد من الذكاء الاصطناعي يتجاوز القدرة على التحليل إلى القدرة على التصرف المستقل – تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية والمالية على مستوى الكوكب.

في قلب الدوحة، اختار مؤتمر المال الإسلامي في نسخته الثانية عشرة ألا يتفرج على هذا التحول من بعيد، بل أن يكون مساهما جادا في رسم خارطة طريقه، وصياغة الأحكام التي تحكمه، والمبادئ التي تضبطه.

الدوحة في مواعيد مع المستقبل

انعقد المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي في الدوحة يوم 16 يونيو 2026، ليجمع تحت سقف واحد نخبة من خبراء التمويل الإسلامي وصانعي السياسات والأكاديميين ومتخصصي التقنية وممثلي المنظمات الدولية، بهدف دراسة الكيفية التي تعيد بها تقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة تشكيل مستقبل الصناعة المالية الإسلامية العالمية.

نُظِّم المؤتمر برعاية معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، ونظمته شركة بيت المشورة للاستشارات المالية، بدعم من وزارة التجارة والصناعة بوصفها راعيا رسميا، وبنك دخان شريكا استراتيجيا، والإدارة العامة للأوقاف في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية راعيا ماسيا، ومركز قطر للمال راعيا ذهبيا، وشركة ضمان للتأمين الإسلامي “بيمة” راعيا برونزيا.

افتتح المؤتمر سعادة الشيخ فيصل بن ثاني بن فيصل آل ثاني وزير التجارة والصناعة، بحضور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في مشهد لافت يعكس الاهتمام الرسمي القطري بهذا الملف الذي يلتقي فيه الاقتصاد بالفقه بالتكنولوجيا.

صورة جماعية لمؤتمر التمويل الإسلامي الثاني عشر، مع عدد من الشخصيات البارزة في الصف الأمامي. يظهر في الخلفية شعار المؤتمر مع تفاصيل حول رعاية رئيس الوزراء ووزير الخارجية. يجسد الحدث التركيز على التعاون في مجال التمويل الإسلامي.

وإذا كان الإطار التنظيمي والرعوي يعكس الحجم الرسمي للحدث، فإن الأرقام القطاعية التي استُشهد بها في افتتاح المؤتمر تكشف حجم الرهانات المطروحة على الطاولة: وفق تقديرات وكالة S&P Global Ratings، يُتوقع أن ينمو قطاع التمويل الإسلامي العالمي بنسبة تتراوح بين 5% و10% خلال عام 2026، مع توقعات بتسارع أكبر في 2027. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، إنها مؤشر دخول نحو مسؤولية أكبر في ضبط مسار هذا النمو وتوجيهه بما يخدم القيم الإسلامية في عصر الخوارزميات.

السليطي: المسؤولية تتجاوز التكيف

جاء خطاب الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، رئيس اللجنة العليا المنظمة للمؤتمر ونائب رئيس مجلس إدارة شركة بيت المشورة، بمثابة رسالة استراتيجية أكثر منه افتتاحا بروتوكوليا. أشار السليطي إلى أن العالم يعيش لحظة استثنائية تتشابك فيها أبعاد اقتصادية وتقنية وجيوسياسية لم تتقاطع بهذا الشكل من قبل، وأن الأحداث الأخيرة كشفت بجلاء كيف يمكن لتطورات محلية محدودة الجغرافيا أن تمتد آثارها في ساعات إلى أسواق العالم وحركة التجارة والطاقة.

غير أن الجملة الأكثر دلالة في كلمته كانت عندما قال إن مسؤولية التمويل الإسلامي لا تقف عند حدود التكيف مع هذه التحولات، بل تمتد إلى المساهمة في صياغة نموذج مالي يجمع بين الكفاءة التقنية والضبط القيمي. هذه ليست دعوة للانعزال عن التقنية، ولا للانجراف معها؛ إنها دعوة لقيادة النقاش، وامتلاك الرؤية، وأن يكون التمويل الإسلامي فاعلاً لا متفعِّلاً في هذا المشهد المستقبلي.

الشيخ عبدالله بن فهد: الصيرفة الإسلامية أمام فرصة تاريخية

أكد الشيخ عبدالله بن فهد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس إدارة مجموعة بنك دخان أن العالم يشهد تحولا نوعيا في طبيعة التقنيات الذكية، إذ تتجه الأنظمة الرقمية نحو مستويات متقدمة من التحليل والتفاعل واتخاذ القرار. وأشار إلى أن هذا التوجه انعكس إيجابا على أداء بنك دخان خلال عام 2025، مع مواصلة تطوير منصاته ومنتجاته الرقمية، وحصوله على جائزة أفضل مبادرة تحول رقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بيد أن رسالة الشيخ عبدالله تجاوزت أداء بنك دخان نحو رؤية أشمل: أن توظيف التقنيات الحديثة في الصيرفة الإسلامية ليس تنازلا عن الهوية، بل أداة لتعزيز الريادة، شريطة أن يسير ذلك التوظيف في مسارات منسجمة مع المبادئ والقيم الإسلامية الراسخة.

المرزوقي: الوقف أمام آفاق جديدة

من جهته، وصف المهندس حسن المرزوقي، المدير العام للإدارة العامة للأوقاف في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، المرحلة الراهنة بأنها تحولات جوهرية تمس مختلف مجالات العمل الإسلامي التنموي والمؤسسي، مشيرا إلى أن بروز الأنظمة الذكية القادرة على اتخاذ قرار مستقل يفتح آفاقا واسعة لتعزيز الكفاءة التشغيلية والحوكمة.

رجل يتحدث على منصة في مؤتمر إسلامي حول التمويل الإسلامي، مع خلفية تظهر skyline لمدينة حديثة، وأضواء موجهة نحو المنصة.

لكنه حرص في الوقت ذاته على الإشارة إلى أن هذا الباب المفتوح يحمل معه مسؤولية مزدوجة: استشراف الآثار الشرعية والقانونية والتنظيمية من جهة، وضمان حوكمة هذه التقنيات بما يخدم المصلحة ويعزز التنمية المستدامة، ويضمن استدامة الأصول الوقفية ونماءها في إطار شرعي منضبط، من جهة أخرى.

السعدي: الحوكمة أولا

أما حامد علي السعدي، الرئيس التنفيذي للشؤون المالية والضريبية في مركز قطر للمال، فقد أكد أن شعار المؤتمر يعكس عمق التحولات التي يعيشها القطاع المالي في ظل الذكاء الاصطناعي، مستدركا بأن الاستفادة المثلى من هذه التقنيات تتطلب مواجهة تحديات حقيقية، أبرزها مسائل الحوكمة والشفافية والمساءلة، إلى جانب تحديد الحدود الواضحة لاستقلالية هذه الأنظمة.

سانو: لا صراع بين الإنسان والآلة

شكّل خطاب الدكتور قطب سانو، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، منعطفا فلسفيا في المؤتمر. إذ رفض ببساطة مبدأ الثنائية الوهمية بين قبول الأنظمة الذكية أو رفضها، واقترح منطقا ثالثا: التوجيه الرشيد والاستيعاب الواعي. ورأى أن مستقبل العلاقة بين المجتمع الإسلامي والأنظمة الوكيلة لن يكون صراعا بين الإنسان والآلة، بل نموذجا للتكامل تقدم فيه الآلة الخدمة والكفاءة، في حين تبقى المسؤولية الأخلاقية والشرعية حكراً على الإنسان.

المحور الأول: المؤسسات المالية الإسلامية وأنظمة الذكاء الاصطناعي

تناول المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي أربعة محاور رئيسية، عكست التحديات والفرص التي تواجه صناعة المال الإسلامي في العصر الرقمي. وقد تم تنظيم هذه المحاور في جلسات متخصصة، شارك فيها نخبة من الخبراء والباحثين من مختلف أنحاء العالم .

في المحور الأول تمت مناقشة تطبيقات تقنيات الأنظمة الوكيلة في القطاع المالي، والأحكام الشرعية المتعلقة بها، والإطار القانوني لعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي في التمويل الإسلامي.

صورة من المؤتمر الثاني عشر للمالية الإسلامية في الدوحة، حيث يجلس مجموعة من المتحدثين على منصة أمام جمهور. يتناول المؤتمر موضوع المالية الإسلامية في عصر الأنظمة الوكيلة. تظهر خلفية الشاشة شعار المؤتمر مع تفاصيل حول الحدث.

وتناول المشاركون موضوعات دقيقة ذات طابع تطبيقي، من بينها: التداول عبر الوكلاء الآليين وتطور هياكل الصكوك الذكية، وقد تناولها الدكتور محمد ضماك، المدير العام ورئيس التمويل الإسلامي العالمي في وكالة S&P Global Ratings. كما قدّم الدكتور نصرالله خان، الباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة حمد بن خليفة، دراسة تقنية حول تصميم أنظمة وكيلة متشابكة مدعومة بشبكات عصبية لتطبيقات التمويل الإسلامي.

وختم الجلسة البروفيسور حسين عبده من كلية الأعمال بجامعة نيوكاسل بنقاش مستقبلي حول الأنظمة الوكيلة المستلهمة من الإدراك العصبي وانعكاساتها على مستقبل صناعة التمويل الإسلامي.

كشف هذا المحور عن نضج لافت في تناول الموضوع: لم يعد السؤال “هل يجوز توظيف الذكاء الاصطناعي في التمويل الإسلامي؟”، بل أصبح “كيف نصمم هذه الأنظمة بما يتوافق مع المبادئ الشرعية؟” وهو انتقال نوعي يعكس نضجاً في فهم الحقل كله.

المحور الثاني: الوقف في عصر الوكلاء الذكيين

تمحور هذا المحور حول الضوابط الشرعية ومقاصدها في إدارة الوقف من قبل الوكلاء الأذكياء، ودور وكلاء الذكاء الاصطناعي في إدارة الأوقاف واستثمارها. كما استحضر التمويل الجماعي الذكي بوصفه أداة مبتكرة في الاقتصاد التشاركي، مع دراسة حالة حول التمويل الجماعي بالأصول المشفرة.

وكان من أبرز النقاشات في هذا المحور التساؤل العميق: هل يمكن أن تُوكَل إدارة الوقف — وهو عقد له شروط معقدة تمتد عبر الزمن وتخضع لنية الواقف — إلى نظام ذكي آلي؟ وإذا كان ذلك ممكناً تقنياً، فما هي الضوابط الشرعية التي تجعله مقبولا فقهيا؟

المحور الثالث: المؤثرون الافتراضيون والتمويل الإسلامي

ربما كان هذا المحور الأكثر جرأة وتجديدا في برنامج المؤتمر. فبينما يتصور كثيرون أن التمويل الإسلامي حقل محافظ يتحاشى الخوض في الظواهر الرقمية الجديدة، جاء المحور الثالث ليكسر هذا التصور بالكامل.

استعرض المشاركون سوق المؤثرين الافتراضيين واتجاهات نموه، والضوابط الشرعية والقانونية لعملهم، وأحكام البيع عبرهم، وأخلاقيات التسويق الإسلامي في هذه البيئة. كما استعرضت شخصية إعلامية من أبرزهم إمكانية توظيف المؤثرين الافتراضيين في دعم حملات التوعية بالوقف والقضايا الخيرية. وختم الدكتور عثمان الثوادي، أستاذ مساعد في التسويق بجامعة قطر، الجلسة بحديث حول استخدام المؤثرين الافتراضيين في توجيه السلوك وتسويق منتجات التمويل الإسلامي مع الحفاظ على المعايير الأخلاقية والشرعية.

المحور الرابع: الزكاة والتنمية في بيئة الأنظمة الوكيلة

ركّز هذا المحور على تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز إدارة الزكاة وتعظيم أثرها الاجتماعي والاقتصادي. وبحث المشاركون كيف يمكن للأنظمة الوكيلة أن تُحسّن تحليل بيانات الزكاة، وتؤتمت عملية صنع القرار، وتزيد من دقة تحديد المستحقين — وهي مسألة دقيقة تتعلق بعدالة التوزيع وصون حقوق مستحقي الزكاة.

مجموعة من الرجال يرتدون الملابس التقليدية العربية، يجلسون في صفوف خلال حدث رسمي. يركزون على المتحدث، مع وجود جمهور خلفهم. تظهر في المقدمة زجاجات مياه ومواد مكتبية على الطاولات. يعكس المشهد أهمية الفعالية في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما تناول المحور حوكمة الزكاة في البيئة الرقمية، وكيفية تحقيق مقاصد الشريعة في ظل هذا التحول، فضلاً عن دراسات لتجارب واقعية في منصات الزكاة الرقمية الذكية.

التوصيات الختامية: وثيقة مرجعية للمرحلة القادمة

أسفر المؤتمر عن منظومة توصيات تمثل خلاصة نقاشات يوم حافل بالأفكار والتحليلات، وتُشكّل مرجعاً لازماً للمؤسسات الإسلامية والجهات التنظيمية في السنوات القادمة.

أولاً: التكييف الفقهي للأنظمة الوكيلة

توصّل المؤتمر إلى توصيف فقهي محدد للأنظمة الوكيلة الذكية بكونها تتفق مع “عقد وكالة”، مع التأكيد على أن أحكام هذا العقد تختلف باختلاف الصور، ولا تنتظم حالاته تحت تكييف فقهي واحد. وهذا تمييز دقيق يحمي من التعميم المُخِل الذي قد يُفضي إلى أحكام غير دقيقة. كما أكد المشاركون أن العقود الذكية تتوافر فيها أركان العقد الشرعي، وأن حكمها الشرعي يتباين بحسب الاستخدامات والمنصات والوسائل التقنية المستخدمة.

ثانياً: الصكوك الذكية والتحول الرقمي

دعا المؤتمر إلى تسريع التحول الرقمي في أسواق الصكوك عبر تبني الصكوك الذكية وتقنيات البلوك تشين والحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفق ضوابط شرعية تعزز الكفاءة والشفافية، وتخفض التكاليف وتوسع الوصول إلى الأسواق.

ثالثاً: الأطر المعيارية الموحدة

طالب المشاركون المؤسسات الإسلامية والجهات التنظيمية وعلماء الشريعة وباحثي الذكاء الاصطناعي بوضع أطر معيارية موحدة للحوكمة والتدقيق وقابلية التفسير، بما يضمن الجمع بين قدرات اتخاذ القرار الذاتي للأنظمة، والامتثال المستمر لأحكام الشريعة الإسلامية، وتحقيق الشفافية والمرونة والمساءلة.

رابعاً: توصيات الوقف — نموذج متكامل

جاءت توصيات الوقف الأكثر تفصيلا وتعمقا بين ما أصدره المؤتمر. إذ اقترح المشاركون تبني نماذج وكلاء أذكياء خاضعة للإشراف في قطاع الأوقاف، مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي القابلة للتفسير مع سجلات البلوك تشين لتعزيز الشفافية والثقة. الأكثر من ذلك: دعت التوصيات إلى صياغة مواثيق حوكمة برمجية تُحيل شرط الواقف إلى خوارزميات صلبة غير قابلة للتعديل، مع بقاء الناظر البشري صاحب المسؤولية القانونية والشرعية النهائية — بما يحقق التوازن بين الكفاءة التقنية والمقاصد الفقهية، ويحمي أصول الوقف من المخاطر السيبرانية أو الانحرافات الخوارزمية.

إطلاق جائزة مؤتمر الدوحة للمال الإسلامي: بذرة لمستقبل

في مشهد ختامي لافت، أُعلن خلال المؤتمر عن إطلاق جائزة مؤتمر الدوحة للمال الإسلامي، مبادرة عالمية جديدة تهدف إلى تكريم الإنجازات الاستثنائية في قطاع الاقتصاد والتمويل الإسلامي. هذا الإعلان ليس هامشياً؛ إنه يُرسّخ الدوحة مركزا إشعاعيا لصناعة التمويل الإسلامي على مستوى العالم، ويُنشئ آلية استدامة تُحفّز الابتكار وتُكرّم التميز في هذا الحقل عاماً بعد عام.

ما الذي كشفه المؤتمر؟

بعيدا عن التوصيات الرسمية وأوراق العمل والجلسات المتخصصة، كشف المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي عن ثلاثة انتقالات نوعية في كيفية تعاطي الفكر الإسلامي مع الثورة التقنية:

الانتقال الأول: من التحذير إلى الانخراط

 لم يعد الموقف الإسلامي من الذكاء الاصطناعي قائما على الحذر والانتظار، بل تحوّل إلى انخراط فاعل في تشكيل أحكامه وضبط مساراته. الجلسة التي تناولت التكييف الفقهي للأنظمة الوكيلة خير دليل: إنها ليست جلسة “تحذير من التكنولوجيا”، بل ورشة عمل تؤسس لفقه جديد يستوعب الواقع.

الانتقال الثاني: من الخاص إلى العام

لم يعد النقاش محصورا في المعاملات المالية الفردية — قرض، بيع، عقد — بل امتد ليشمل البنية المؤسسية الكاملة: الأوقاف، الزكاة، الصكوك، التسويق. هذا يعني أن الفقه الإسلامي يواجه الآن سؤالاً أشمل: كيف نُحكّم الأنظمة الذكية في المؤسسات الإسلامية بالكامل؟

الانتقال الثالث: من النص إلى الخوارزمية

لعل أجرأ توصية في المؤتمر هي تلك التي دعت إلى ترجمة شرط الواقف إلى خوارزمية غير قابلة للتعديل. هذه الفكرة تمثل تحدياً فقهياً حقيقياً: كيف نُحوِّل نصاً إنسانياً مكتوباً قبل قرون إلى كود رقمي صلب؟ هذا السؤال وحده يستحق مؤتمرات بأكملها.

الدوحة شاهدة على لحظة تأسيسية

لن يكون مبالغة القول إن المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي، بهذه النسخة تحديدا، شكّل لحظة تأسيسية في مسيرة الفكر الاقتصادي الإسلامي المعاصر. فللمرة الأولى يخوض هذا الحقل نقاشاً منظماً وشاملاً حول أنظمة تتخذ القرار بشكل مستقل، مع ما يستتبع ذلك من أسئلة دقيقة حول الأهلية والمسؤولية والضمان والحوكمة.

الأنظمة الوكيلة لن تستأذن أحدا قبل أن تغزو عالم المال والأعمال؛ هي آتية لا محالة. لكن الفارق – وهذا ما أكده المؤتمر – هو ما إذا كانت هذه الأنظمة ستعمل في فراغ أخلاقي ومعياري، أم في إطار منضبط يضع الإنسان صاحب مبادئه وقيمه حاكماً أعلى على أي قرار يصدر عن آلة، مهما بلغت من الذكاء والاستقلالية.

الدوحة، في يوم الثلاثاء السادس عشر من يونيو 2026، خطت خطوة نحو هذا الإطار. والطريق لا يزال طويلا، لكنه بات لأول مرة مرسوم المعالم.