في قلب أقدم قاعات العلم في أوروبا، حيث تُكتب سردية المستقبل باللغة التي حكمت العالم قروناً، أطلّت لغة الضاد من نوافذ “أوكسفورد” لا كضيف شرف، بل كشريكٍ في صياغة المعرفيّة الجديدة. فبين ردهات “سانت أنتوني” وتحت سقف حضارةٍ تُجدّد نفسها، لم تكن المناظرات العربية مجرد تدريبٍ على البلاغة، بل كانت إعلاناً عن ولادة جديدة — ولادةٌ تُطالب فيها العربية بأن تخرج من حيّز “الاستهلاك الرقمي” لتُصبح لغةَ “الإخراج”، لغة الإبداع، لغة البرمجة، ولغة العدالة. ففي عالمٍ تُرسم خرائطه بخطوط خوارزمية، لم يعد الوجود اللغوي خياراً، بل معركة وجود معرفيّة — ومُبادرة “بالعربي” ومناظرات قطر، من على أرض أوكسفورد، رفعتا راية هذه المعركة بثقةٍ لا تلين.

حوار العقول في أعرق الصروح

في مشهدٍ يمزج بين عراقة التاريخ الأكاديمي وطموح المستقبل الرقمي، استضافت جامعة أوكسفورد البريطانية، خلال الفترة من 7 إلى 9 فبراير 2026، فعاليات “بطولة المملكة المتحدة الثانية لمناظرات الجامعات باللغة العربية”. ولم تكن هذه البطولة مجرد ميدان للتنافس الخطابي، بل تحولت إلى منصة فكرية رفيعة بفضل المشاركة الاستثنائية لمبادرة “بالعربي”، إحدى المبادرات الرائدة لمؤسسة قطر، والتي وضعت بصمتها في قلب الحراك الثقافي العربي في المهجر.

العدالة المعرفية: اللغة العربية في مواجهة “الاستعمار الرقمي”

شهد اليوم الافتتاحي للبطولة جلسة نقاشية استثنائية بعنوان “اللغة العربية والعدالة المعرفية في العالم الرقمي”، أدارها ثائر فواز فرحات، أخصائي المناظرات بمركز مناظرات قطر. تركز النقاش حول قضية جوهرية: كيف يمكن للغة العربية أن تنجو وتزدهر في غابة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي؟ الجلسة لم تكتفِ بطرح الأسئلة التقليدية، بل غاصت في عمق التحديات التقنية والفلسفية التي تواجه لغتنا اليوم.

وقد أكد ثائر فواز فرحات في مستهل الجلسة أن “اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء للفكر وهوية تتشكل عبرها المعرفة. إن غياب اللغة العربية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل عادل ليس مجرد فجوة تقنية، بل هو تحدٍ حضاري يمس قدرتنا على إنتاج المعرفة.

وفي هذا السياق، أشار الدكتور ليث علاونة، المتحدث في ملتقى “بالعربي”، إلى خطورة الانحياز الرقمي قائلاً:

“العدالة المعرفية ليست مجرد شعار، بل هي حق في الوجود الرقمي. إن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تُبنى على بيانات تعكس تحيزات لغوية وثقافية معينة، وما نسعى إليه من خلال ‘بالعربي’ هو ضمان ألا تظل لغتنا مجرد مادة مترجمة أو مستهلكة، بل لغة منتجة للمعرفة وقادرة على صياغة المفاهيم العلمية والتقنية بخصوصيتها الثقافية.”

الدكتور ليث علاونة أشار في مداخلته إلى مفهوم “الانحياز الخوارزمي“، قائلاً: “نحن نعيش في زمن تفرض فيه الخوارزميات سردياتها. إذا لم نقم بتغذية هذه الأنظمة ببيانات عربية أصيلة ومنتجة محلياً، فسنظل مستهلكين لمعرفة تُترجم لنا من لغات أخرى، وغالباً ما تحمل انحيازات لا تشبهنا”.

حدث نقاش حول الابتكار في التكنولوجيا، مع ثلاثة متحدثين يجلسون في طاولة مستديرة. المتحدث الأول يرتدي بدلة رسمية، بينما ترتدي المتحدثة الثانية حجابًا وبدلة، والمتحدث الثالث يرتدي أيضًا بدلة. خلفهم شاشة تعرض معلومات عن المتحدثين.

من جانبها، تناولت مايا الجابر، باحثة الدكتوراه في علم النفس بجامعة أوكسفورد، مفهوم “الاستعمار الرقمي”، موضحةً أن الفجوة المعرفية تتسع عندما تفرض الشركات الكبرى معاييرها على المحتوى العربي، مما يستوجب بناء وعي شبابي قادر على نقد هذه السرديات وتقديم بدائل معرفية أصيلة.

وركزت مايا الجابر في حديثها على البعد النفسي والاجتماعي، موضحة أن “الاستعمار الرقمي يبدأ عندما يشعر الشاب العربي أن لغته غير قادرة على استيعاب مفاهيم العصر الحديث. العدالة المعرفية تعني أن يكون للعربي الحق في الوصول إلى المعرفة العالمية وإنتاجها بلغته الأم دون وسيط”.

إعادة صياغة سردية الهجرة والتحديات العالمية

في اليوم الثاني، انتقل النقاش من الفضاء الرقمي إلى الواقع الجيوسياسي والاجتماعي من خلال مائدة مستديرة ناقشت دور العالم العربي في مواجهة التحديات العالمية المشتركة مثل الهجرة، التغير المناخي، والأمن الغذائي.

انتقل النقاش في اليوم الثاني من الفضاء الرقمي إلى الواقع الجيوسياسي والاجتماعي عبر مائدة مستديرة رفيعة المستوى. ناقش المشاركون دور العالم العربي في مواجهة الأزمات الكبرى كالتغير المناخي والأمن الغذائي، مع تركيز خاص ومكثف على ملف الهجرة.

اتفق الحاضرون على أن السردية الغربية السائدة حول الهجرة العربية غالباً ما تصورها كـ “عبء”، بينما تثبت الأرقام عكس ذلك تماماً. وخلال المداخلات، تم تسليط الضوء على إحصائيات البنك الدولي التي تشير إلى أن:

  • رأس المال البشري العربي في المهجر تتجاوز قيمته تريليوني دولار.
  • المهاجرين العرب يمثلون قوة اقتصادية وفكرية تساهم في نمو المجتمعات المستضيفة ودولهم الأم على حد سواء.

وعقّبت مايا الجابر على هذا المحور بقولها:

“الهجرة العربية ليست نزيفاً للعقول فحسب، بل هي جسر معرفي وتاريخي. علينا تغيير النظرة النمطية من ‘أزمة لجوء’ إلى ‘رأس مال بشري’ عابر للحدود، يمتلك القدرة على المساهمة في حل معضلات عالمية مثل الأمن الغذائي بفضل تراكم الخبرات.”

اجتماع لمجموعة من الأشخاص حول طاولة مستطيلة في غرفة ذات إضاءة جيدة. يتحدث أحد المشاركين بينما يستمع الآخرون بانتباه. توجد زجاجات مياه وكؤوس على الطاولة، وخلفهم نافذة كبيرة تسمح بدخول الضوء الطبيعي.

ويمكن القول أن أبرز ما دار في المائدة المستديرة مسألتين رئيسيتين:

ملف الهجرة:

تم طرح رؤية مغايرة للسردية الغربية السائدة التي تصور الهجرة كعبء. واتفق المشاركون على أن المهاجرين العرب يمثلون “رأس مال بشري” هائل، حيث تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن ثروات المهاجرين العرب في المهجر تتجاوز تريليوني دولار.

توظيف الخبرات:

أكد المتحدثون من المتناظرين أن الخبرات العربية المتراكمة في الخارج يجب أن تُوظف كجسر للتنمية بين دول المهجر والدول العربية، وليس كخسارة للعقول (Brain Drain).

الحوار كضرورة حضارية

توجت البطولة بفوز فريق جامعة مانشستر بلقب النسخة الثانية، لكن الرسالة الأهم جاءت في كلمات المسؤولين خلال الحفل الختامي.

ومن جملة ما قاله الأستاذ خالد الإبراهيم (مسؤول الاتصالات بمركز مناظرات قطر): “في عالم تتسارع فيه الانقسامات، بات الحوار ضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً. اختيار أوكسفورد لهذا الحدث يحمل رسالة رمزية عميقة؛ وهي أن الحوار العربي يشكل جسراً للتفاهم بين الثقافات في أعرق المؤسسات الأكاديمية العالمية. نحن نستثمر في الإنسان عبر تمكينه من أدوات التعبير وبناء خطاب عقلاني يقوم على الفهم لا الصدام”.

تكريم “بالعربي”: للأفكار صوتٌ وصدى

اختُتمت الفعاليات بتكريم مبادرة “بالعربي”، تقديراً لدورها في دفع اللغة العربية إلى واجهة النقاش المعرفي الدولي. وتأتي هذه المشاركة كجزء من جولات المبادرة الإقليمية والدولية التي تسعى لتوفير منصات تواصل فاعلة تُسهم في تنمية إمكانيات الشباب العربي، وتحفيز التغيير الإيجابي تحت شعارها الملهم: “للأفكار صوتٌ وصدى”.

رجلان يقفان أمام شاشة كبيرة تعرض شعار بطولة المناظرات العربية في المملكة المتحدة. أحدهما يحمل جائزة بينما الآخر يبتسم، في جو احتفالي. المناسبة تبرز أهمية المناظرات باللغة العربية بين الجامعات.

وهكذا فقد تُوجت هذه المشاركة الفاعلة بتكريم خاص لمبادرة “بالعربي” خلال حفل الختام. هذا التكريم جاء تقديراً لجهود المبادرة في نقل النقاش باللغة العربية إلى واجهة المنصات الدولية المرموقة مثل جامعة أوكسفورد، ولنجاحها في خلق بيئة حوارية تجمع بين الرصانة الأكاديمية والشغف الشبابي.

تأتي هذه الجولة ضمن الرؤية الأوسع لـ مؤسسة قطر، التي تحتفل بثلاثين عاماً من إطلاق قدرات الإنسان، مؤكدةً أن اللغة العربية هي الركيزة الأساسية للتقدم الاجتماعي والابتكار المعرفي.

اللغة العربية لغة للمستقبل وليس للماضي

لقد أثبتت أوكسفورد، في فبراير 2026، أن اللغة العربية ليست لغةً للماضي فحسب، بل هي مفتاح المستقبل. فما جرى في جلسات “بالعربي” ومناظرات قطر لم يكن ترفا ثقافيا، بل كان تمرينا واقعيا على السيادة الرقمية، حيث تحوّل الطلاب العرب من “مُستَعمَلين” للذكاء الاصطناعي إلى “مُنتجين” لمفاهيمه، ومن “مُهاجرين” يُوصَفون بالعبء إلى “صُنّاع معرفة” يُقدّرون بالتريليونات. والتكريم الذي حظيت به المبادرة لم يكن إلا اعترافاً دولياً بأن العدالة المعرفية تبدأ من الكلمة، وأن الطريق إلى عالمٍ رقمي أكثر إنصافاً يمرّ حتماً عبر أروقة اللغة العربية. فالمعركة لم تنتهِ بعد، لكنها اليوم انطلقت من قلب المعبد الأكاديمي العالمي — بحُجّةٍ لا تُردّ، وصوتٍ لا يُسكت.