النقد العلمي النزيه عمليةٌ يتجلى فيها التفاعل المعرفي بين وَعيـين؛ وعي الناقد ووعي المنتقَد، ويمثل بذلك التواصل المعرفي، وكذلك يعبر عن امتداد الإنجازات العلمية والمعرفية عبر الأجيال، وهذا حقيقُتُه إذا كان عن قصدٍ حسنٍ، وكان نقدًا إيجابيا بنائيا، وإن استفادة الإنسان من الإنسان عبر الأجيال لا تنقطع، والنقد يحقق هذه الفائدة وينشئ المعارف الجديدة، أو يصحح القديمة، غير أن هناك مجالات في النقد لا تصلح في ميزان أهل الحديث وعلماء الشريعة -عموما-، يمكن إجمالها فيما يلي:
أولا: عدم توجيه النقد لشخص النبي ﷺ
والمقصود بنقد شخص النبي ﷺ الاعتراض عليه على وجه الرد وعدم القبول، – وليس مجرد سؤاله أو قصد الفهم عنه-، فليس شخص النبي ﷺ موضوعا للنقد؛ لأنه معصوم ومؤيد بالوحي، فنقده مخل بعقيدة الإنسان، ويفتح بابا للتشكيك في رسالته التي أرسل بها، وهذا قادح في الدين.
ثانيا: عدم توجيه النقد إلى صحابـي في عدالته
سواء كان ذلك في زمانهم أو بعده؛ لأن الله قد زكاهم في آيات كثيرة، وعدّلهم النبي ﷺ في أحاديث عديدة، وتجريحهم في عدالتهم والانتقاص منهم اعتراض على الله ورسوله، وهو فسق سافر.
لكن لا يمنع مقامهم ومكانتهم من الاعتراض على بعض في الرواية والفتوى وبيان أخطائهم ، وقد حصل هذا في عهدهم، والأمثلة على ذلك متوفرة. فلا بد من التفريق بين العدالة والعصمة، إذ إن العدالة لا تمنع من وقوع بعضهم في المخالفات الشرعية أو الأخطاء العلمية الاجتهادية، وإنما المقصود بالعدالة في هذا السياق عدم الكذب على رسول الله ﷺ، ولم يحصل ذلك البتة.
ثالثا: عدم المساس بالنص الثابت بالتواتر
ونعني بالتواتر ما ثبت تواتره يقينًا لا ظنًّا، فإن المقطوع به هو أعلى درجات الثبوت، وأعلى مراتب الأدلة الخبرية، فلا يجوز نقده أو الطعن فيه من جهة ثبوته، لأن الطعن فيه طعن في الحقيقة الشرعية التي بلغت حد اليقين، وما نسميه “المعلوم بالدين من الضرورة”، ورده مخل بعقيدة الإنسان.
رابعا: عدم الاعتداد في النقد إلا بأساس معتبر
لأن النقد في الأصل هو الحكم العلمي على الشيء قولا كان أو فعلا أو تصورا، والقاعدة تقول: “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، والنقد المشروع لا بد أن يكون مبنيا على أسس علمية ومنهجية قائمة على معايير منضبطة، وما ليس كذلك فهو لغوٌ لا يلتفت إليه، والنقد المبني على المزاج والهوى لا يمكن أن يكون مصدرا للحكم، وهذه قاعدة تَحُول دون تمكين غير المؤهلين للنقد من إحداث الفوضى الفكرية أو العبث المعرفي.
خامسا: عدم توجيه النقد إلى صاحب الموضوع بل إلى الموضوع نفسه
فرب قول يصدر من غير معتبر يكون حقا أو يصدر عن مبتدع يكون صحيحًا، فكم من مرويات لأصحاب البدع أخرجها أصحاب الكتب المعتبرة كالصحيحين لقوة ضبطهم وثبوت صدقهم.
قال العلامة محمد البشير الإبراهيمي الجزائري: (إذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن مُوَجهًا إلى الآراء بالتمحيص لا إلى الأشخاص بالتنقيص)([2]).
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي: (ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح من غير تعصب لمذهب معين، ولا إلى قائل معين؛ لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلامه ﷺ، ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرا، ألا ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلامًا حقا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرُها مانعًا من تصديقها في الحق الذي قالَتْه، وذلك في قولها فيما ذكره الله عنها: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾، فقد قال تعالى مصدقا لها في قولها: ﴿وكذلك يفعلون﴾).
فالأصل في النقد أن يتوجه إلى القول لا إلى صاحبه إلا إذا عرف بالكذب أو كان صاحب هوى داعية إلى هواه ونحو ذلك.
