جابر بن حيان هو مؤسس الكيمياء الحديثة [1]، مع أنه عاش في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، هذا ما اعترف به علماء الغرب، الذين حاولوا محاولة فاشلة لنسب جابر إلى تراثهم، لما عمدوا إلى التزوير، فقالوا: إن اسمه جربر اللاتيني، وإنه عالم غربي وليس عربي.
فجابر ليس منهم، ومع ذلك جهدوا – ولو تزويراً – ليجعلوه منهم، ونحن مع أن جابراً منَّا، من ديننا، من أرضنا، لم نكلف خاطرنا أن ندرسه، وأن نبعث إنجازاته كما ينبغي، ولم نبذل أي جهد يُذكر – حكومات وأغنياء ومفكرين – للحصول على مخطوطاته المخبأة في مكتبات أوروبة.
أولا: جابر وفالسيو بيرتلو
على الرغم من الجهود والإنجازات العلمية الرائعة التي قدمها جابر بن حيان للحضارة الإنسانية نرى إنكاراً شديداً من بعض الغربيين يهدف إلى طمس هذه الحقائق الواضحة الثابتة، والتي ضاعت في غمرة التعصب الجارف الذي انساق فيه عالم الأدب الأوروبي ضد المسلمين وضد العرب وضد المشرق، فقام عالم أوروبي مستشرق وحاول أن ينكر فضل المسلمين والعرب في حقل الكيمياء، وقام آخرون يدافعون عن الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة ضاعت في صالح المنكرين.
وصاحب نظرية الهدم هذه هو العالم الفرنسي الشهير (فالسيو بيرتلو: 1827 ـ 1907م / 1243ـ1325هـ) القائل في جابر بن حيان: «إن اسمه ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة اسم أرسطو في تاريخ المنطق»، ولكن ما قيمة هذه الجملة كما يقول شوقي جلال إذا نزعنا عن جابر أفضل أعماله، وما قيمتها إذا أنكرنا هذه الأعمال ونسبناها ـ كما يدعي بيرتلو بلا خجل ولا دليل ـ إلى عالم أوروبي مجهول، فالقيمة الحقيقية هي في إثبات الأسس والقواعد والنظريات والاكتشافات التي أسست علم الكيمياء، وهذا ما أراد إنكاره بيرتلو وبطريقة فاضحة.
والمؤلم أكثر من ذلك أن إنكار الحقائق العلمية الكيماوية العربية الإسلامية قد شاع في موسوعات الغرب وقواميسه ومراجعه، وسرى سريان النار في الهشيم، ومن ثم انتقل إلى الكتب العادية والقارئ العادي.
والخطر كل الخطر يكمن في نشر هذه الأضاليل والأكاذيب والبحوث الفجة في الموسوعات والمراجع الكبرى، التي يرجع إليها الكتّاب غير المتخصصين، والذين لا يريدون غير كلمة عابرة يضمنونها بحثهم، ولذلك نقرأ في كثير من الكتب والموسوعات التي تعالج مثل هذه الموضوعات إنكاراً لفضل العرب المسلمين في الكيمياء، وبهذا التكرار تضيع الحقيقة بلا شك.
وكمثال على ذلك انظر الموسوعة الإسلامية التي تتماشى بشكل كامل مع ما قاله فالسيو بيرتلو[2]
فماهي قصة بيرتلو إذن ؟!. إنها تبدأ من ميل هذا الرجل إلى استقصاء تاريخ الكيمياء في القرون الوسطى، فرأى أن هذا العلم كان مقصوراً على المسلمين والعرب منذ القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر الميلادي – الثاني والسادس الهجريين، فدرس الكيمياء العربية الإسلامية دراسة عميقة، فوجد نفسه مضطراً إلى الإطلاع على بعض الأصول العربية للكيمياء، ولكنه كان يجهل اللغة العربية، فلجأ إلى وزير المعارف آنذاك ليتوسط بينه وبين المستشرق الشهير «هودا» مترجم صحيح البخاري، وقد قبل هذا أن يقوم بدور المترجم، فاختار بيرتلو (13) رسالة عربية منها (9) لجابر وقدمها لهودا فترجمها له، وعكف بيرتلو على دراستها والموازنة بينها وبين الكتب اللاتينية المترجمة عن كتب جابر بن حيان.
وفي سنة 1893م / 1311هـ أخرج كتاباً في ثلاثة أجزاء عن الكيمياء في العصور الوسطى، وأوضح فيه شكه في انتساب الكتب المنسوبة إلى جابر، ومنذ تلك اللحظة أطلق على مؤلف الكتب المذكورة اسم (جربر اللاتيني) أو (جابر القرن الثالث عشر) ، وأشير له بـ (Gebir) تمييزاً عن جابر المسلم الذي يُكتب اسمه هكذا (jabir) [3].
وشطر بيرتلو إنتاج جابر بن حيان إلى شطرين، شطر فيه الدسم العلمي ونسبه إلى مؤلف قال عنه إنه مجهول، وإنه انتحل لمؤلفاته اللاتينية في العصور الوسطى اسم (جابر) ليحتمي بسمعته وشهرته، وشطر فيه تفاهة وغثاثة وجعله هو الذي يجوز نسبته إلى جابر العربي.
واتخذ بيرتلو من كتاب «الخالص» لجابر بن حيان في ترجمته اللاتينية نموذجاً للتضليل، فيقول أن هذا الكتاب يدل على أنه لا ينتسب إلى أصل عربي، لا في منهجه المتميز بإحكام السير بطريق الاستدلال حجة إثر حجة، ولا في الحقائق الواردة فيه في الفقرات المقتبسة، كل ذلك جعله يقول إن هذا الكتاب لا يعود إلى أصول عربية، وعلى الرغم من أن بيرتلو يقر بأن طائفة من كلمات هذا الكتاب وعباراته ربما تكون مستعارة من جابر المسلم، إلا أنه يرجح أن الكتاب في جملته من عمل مؤلف لاتيني مجهول في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي – السابع الهجري، لم يبتغي نسب الكتاب إلى نفسه، ونسبه إلى أشهر الأسماء المعروفة عندئذ في علم الكيمياء، ألا وهو اسم (جابر) ليستفيد الكتاب شهرة بشهرة مؤلفه المزعوم.
ومضى بيرتلو يبحث في المخطوطات في المكتبات الأوروبية والتي تشتمل على مادة كيميائية تُنسب إلى جابر بن حيان، ثم انتهى إلى أنه على الرغم من أنه لا يجد مسوغاً لنسبتها إلى جابر، إلا أنه لا يرتاب في أن مؤلفها عربي، وألفها بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر الميلاديان – الثالث والسادس الهجريان، ولماذا جزم بيرتلو بأن هذه المخطوطات من تأليف رجل عربي مسلم ؟ الجواب عنده أن لغتها غامضة ومشوشة وتشتمل على نزعة وإشارات وابتهالات إسلامية !!! [4].
ولحسن الحظ فإن من تصدى لهذه الأكاذيب رجل يعد من كبار مؤرخي أوروبا، ففي سنة 1923م / 1342هـ أثار هذه القضية من جديد العلامة هولميارد أستاذ الكيمياء بكلية كلتون بإنكلترة، وهو رجل ضليع في اللغة العربية يجيدها كأحد أبنائها، ويمتاز بقدرته الفائقة على قراءة النصوص العربية القديمة وتتبعها بسهولة وفهم مصطلحاتها ومعانيها ومغزى ما خفي منها، والمطلع على مؤلفاته يرى أنه يشيد بإبداعات الحضارة الإسلامية وعلمائها في كل مناسبة.
لقد تناول هولميارد بحوث بيرتلو وفنّدها، وأظهر مواطن الضعف والخطأ فيها والكذب، وتتلخص آراؤه فيما يأتي:
- شكك مبدئياً ببيرتلو لاعتماده على غيره بالإطلاع على الأصول العربية.
- أشار إلى جهل هودا بالكيمياء ومصطلحاتها.
- يوجد أكثر من 300 كتاب عربي في الكيمياء محفوظة في مكتبات أوروبة، منها نحو (50) مؤلفاً لجابر بن حيان، وبعض هذه الكتب يربو على ألف صفحة، من بين هذه المجموعة الضخمة انتخب بيرتلو (13) مؤلفاً فقط يبلغ مجموع صفحاتها (205) صفحات فقط، اتخذها مرجعاً لبحوثه، ومثل هذا الأساس الضعيف لا يجوز الاعتماد عليه في الوصول إلى رأي حاسم وحكم سديد.
- وردت أخطاء كثيرة في كتاب بيرتلو تدل على أنه لم يستوف دراسة الكيمياء عند العرب والمسلمين، ومن ذلك قوله أن ابن سينا عاش في القرن الثاني عشر الميلادي – السادس الهجري، مع أنه ولد سنة 980م / 370هـ ، ومات 1037م / 429هـ.
- كذلك أخطأ في ذكر العلماء البارزين من العرب المسلمين، أو في الزمن الذي عاشوا فيه ، ومن المدهش أنه يتوهم أن خالد بن يزيد هو «جالوت» ملك بابل، وأن «سقراط» هو «روروستر»، واعتقد أن جابراً لم يذكر في مؤلفاته نظرية تكوّن المعادن من الزئبق والكبريت، وهذا مخالف للحقيقة لأنه فسرها في كتاب «الإيضاح»، وتوهم بيرتلو أن كلمة «الإستقص» من أسماء الأعلام، في حين أن جابراً كان يقصد بالإستقص الصفات الأربع الملازمة للعناصر، وهي: الرطوبة، والجفاف، والبرودة، والسخونة. ولجابر كتاب اسمه «كتاب أبي قلمون»، وقد أشار إليه بيرتلو باسم كتاب «قلموك» فكأنه لم يدرك أن كيماويي العرب يقصدون بأبي قلمون «اليشب» وهو ضرب من الصوان.
- كثير من المبادئ والآراء الواردة في الكتب اللاتينية موجودة بنصها في كتب أخرى لجابر.
- ينسب بيرتلو للأوروبيين بعض البحوث الكيماوية، ولم يفطن إلى أن العرب توصلوا إليها من قبل.
وانتهى هولميارد إلى أن بيرتلو غير صالح للحكم على هذه الكتب اللاتينية التي يلزم أن تحمل اسم جابر بن حيان العربي المسلم[5].
فهذا الذي تقول عنه الموسوعات، والموسوعة الإسلامية خاصة، أن نسبة الإبداعات الهامة في الكيمياء لجابر بن حيان لم تذكر في الكتب التي تحمل اسم جابر، وإنما لم تظهر إلا في الكتب اللاتينية المكتوبة في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي – السابع الهجري، وهذا بدلاً من التحري الموضوعي لا التقاط المعلومات هكذا كيفما اتفق لملء الموسوعة هذه أو تلك، ولكن من الباحثين العرب والمسلمين من تصدى إلى افتراءات بيرتلو ومن خلفه من جمهرة الكتاب الغربيين الذين أعماهم التعصب عن رؤية الحقيقة الموضوعية، وردوا على هذه الافتراءات بالنقاط الآتية:
- لم يحاول بيرتلو أن يحدد لنا تاريخاً معيناً أو كاتباً بذاته ألّف الأعمال التي تحدث عنها على أساس أنها ليست لجابر بن حيان، ومن الحمق الذي ذكره أن هناك من ألّف هذه الأعمال وتعب وابتكر ثم نسب العمل إلى غيره.
- ونظريته نظرية واهية ضعيفة، ذلك أنه لم يقدم لنا دليلاً مادياً واحداً يدلل على صدقها، فهو يقيم نظريته أساساً على عدم وجود الأصل العربي لكتاب «الخالص» والكتب الملحقة به.
- أما القول بأن الكتاب ليس له أصل عربي، فأمر لا نستطيع الاعتماد عليه وأخذه مأخذ الجد في البحث في هذا الموضوع، ذلك أن كتباً كثيرة من كتب القدماء قد فقدت ولم تحفظ في بعض الأحيان غير ترجمات لها بلغات غير لغتها الأصلية، فنجد مثلاً أن كتباً يونانية هامة مثل رسالة الأحجار لأرسطو، أو التعليقات على الأوبئة لجالينوس، قد فقدت أصولها ولم يبق منها سوى ترجمتها بالعربية، وكان كتاب المناظر لابن الهيثم أيضاً غير معروف إلا في ترجمته اللاتينية حتى عصر قريب حين وجدت نسخة منه.
- ولم يشك أي من الدارسين للكيمياء خلال قرون طويلة في حجة تلك المؤلفات ونسبتها إلى جابر بن حيان، وقد بجله وأجله كثير من فطاحل العلماء في القرن التاسع إلى الثامن عشر، ولم يشك أحد في شيء، أليس هذا وحده يدعونا لأن ننظر إلى بيرتلو نظرة شك؟.
- يرجع تاريخ أقدم مخطوطة لكتاب «الخالص» بالتحقيق إلى سنة 1300م – 700هـ، وهي موجودة الآن في المكتبة الأهلية بباريس (تحت رقم 6514 مخطوطات لاتينية)، وهذا الكتاب لاشك عمل مبتكر لم يسبق له مثيل، لا مجرد جمع لمؤلفات الآخرين، والحقيقة الثابتة أنه ليس من مؤرخ واحد كبر أو صغر مقامه في الشرق أو الغرب يمكنه أن يدلنا على اسم واحد من الكتّاب الأوروبيين في القرن الثالث عشر ، أو القرن الرابع عشر، بل ولا حتى في القرن الخامس عشر كتب بحثاً علمياً مبتكراً يضاهيه أو ينافسه، بما فيهم الأسماء التي ظهرت في تلك الفترة مثل ألبرت الكبير وروجر بيكون وأرنولد الفيلانوفي وغيرهم، والذين اقتصروا على النقل والتوليف لا الابتكار، والذين اعترفوا بنبل وتواضع بجابر بن حيان أستاذاً لأساتذتهم.
- بدت فكرة إنكار نسبة هذا الكتاب لجابر أصلاً من أجل المركبات التي اشتمل عليها وهي: الماء الملكي والحوامض، الأمر الذي لا يجعل لكيمياء العرب والمسلمين قيمة جوهرية بدونها، فأي كيمياء بدون حوامض؟ إذن بدون هذه الأعمال ينتفي فضل العرب والمسلمين الكيماوي وإنجازاتهم الرائعة في هذا الميدان، ويكون الأساس الحقيقي كما أراد بيرتلو منسوباً لعالم لاتيني مجهول الهوية، غير أننا نجد وفي المقام الأول من هذه الناحية أن حامض النتريك قد ذُكر في أحد كتب جابر الأخرى التي لم ينازعه فيها بيرتلو ولا غيره، وأكثر من هذا فإن الكيماويين المسلمين كانوا يعرفون ماهية وتركيب حامض النتريك وغيره من الحوامض، وأهم من هذا كله أن الحوامض والقلويات والتفريق بينهما هي من العمليات الأساسية الكيماوية التي كانت معروفة تماماً في مباحث كيماوية إسلامية أخرى، إذن فتلك الإنجازات الرائعة التي تعد بحق أساس علم الكيمياء الحديث بلا منازع، هي إنجازات عربية إسلامية لا ينازع أو يكابر فيها إلا ضال مضلل، حتى لو افترضنا جدلاً أن تلك الكتب التي ينكرها بيرتلو ليست عربية.
- إن الماء الملكي محلول يذيب الذهب، ظهر لأول مرة في التاريخ على يد جابر بن حيان، فكيف يستطيع إنسان أن يتصور أن عالماً كيماوياً يكتشف هذا المحلول المعجزة ثم يحتاج إلى أن يَنْسِبْ اكتشافه هذا إلى عالم آخر ليصدقه الناس، ويثقوا بعمله على حد ادعاء بيرتلو ؟!. مع العلم أن اختراع مثل هذا الاكتشاف لا يحتاج صاحبه أن يلجأ إلى نِسْبَةِ هذا العمل الفريد إلى عالم آخر، ذلك أن الاكتشاف بحد ذاته يحمل في طياته عنصر حجته، وإن اكتشاف محلول يذيب الذهب لأول مرة في التاريخ ليس له علاقة بالادعاءات الدينية في زمن عصور الإيمان حتى يحتاج إلى تأييد قديس ليغدو مهماً في نظر العالم، فمن هذا المغفل الذي يَنسِبُ مثل هذه المأثرة إلى غيره؟! وما هو السبب في ذلك ؟.
وبعد كل هذا نجد أن بيرتلو لم يكن جاداً في بحوثه هذه، وكان التعصب الأعمى قد أغلق عليه منافذ عقله، فهو لم يعمد إلى تشويه الكيمياء العربية الإسلامية عن طريق تشويه أعمال جابر بن حيان فحسب، بل تناول الرازي أيضاً محاولاً إنكار عمله العظيم، وقد قيض الله رجلاً فاضلاً تناول كتاب الرازي الذي أراد بيرتلو إنكاره ورد حججه بطريقة قاطعة لا تقبل الشك ، وهذا الرجل هو الأستاذ (ر . سيل).
وهذا يؤكد بدون أدنى شك أن بيرتلو بتناوله أعظم عالمين إسلاميين في الكيمياء محاولاً نسب اكتشافاتهم للغرب يدل على تعمّده وبشكل واضح تشويه سبق العلماء العرب والمسلمين في الكيمياء، ومن العار حقاً أن تظل نظرية بيرتلو حتى يومنا هذا يُروج لها هنا وهناك في الموسوعات والقواميس وكتب الدراسة من غير التوقف عندها لحظة واحدة لكشف حقيقتها([6]).
ثانياً: محاولة سرقة إبداعات جابر
لم يكتف الغرب بمحاولة سرقة شخص جابر بن حيان، بل توجه آخرون لسرقة إبداعاته، والأسطر الآتية توضح ذلك.
1- النظريـة الذريـة
لقد أسس جابر بن حيانللنظرية الذرية المشهورة التي تقول: «إن جميع المواد (العناصر) تتكون من دقائق متناهية في الصغر دائمة الحركة لا تقبل التجزئة تسمى ذرات، وإن ذرات العنصر الواحد متشابهة في الخواص متساوية في الوزن، كما تختلف العناصر باختلاف ذراتها، وعندما تتحد الذرات لتشكيل مركبات فإن الاتحاد يتم بين ذراتها الصحيحة».
وبدأت القصة مع جابر حين أدخل إلى صنعة الكيمياء شيئاً جديداً اسمه: علم الميزان، فجعل لكل من الطبائع الأربع ميزاناً، ولما كان الذهب أصبر المعادن على النار، فقد عد جابر أن الطبائع متوازنة متعادلة فيه، أما الفلزات الأخرى فطبائعها غير متوازنة، وفي رأيه إذا تعادلت الطبائع في أي منها أمكن تحويلها إلى الذهب الإبريز.
وقد قام جابر بالتجربة المشهورة الآتية: (زئبق+ كبريت / حجر أحمر) وهو ما يسميه العلماء بالزنجفر، وهما ليستا مادة جديدة في كلتيهما، والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث أنهما تحولتا إلى دقائق صغيرة مختلفة امتزجت ببعض فأصبحت العين المجردة عاجزة عن التمييز بينهما، وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب، ولو كان هناك وسيلة تفرق بين دقائق النوعين لأدركنا أن كلاً منهما متحفظ بهيئته الطبيعية الدائمة.
فهذا التصور والذي ورد في كتاب جابر: «المعرفة بالصفة الإلهية والحكمة الفلسفية» يجلب الدهشة، حيث أن هذه التجربة توحي بالنظرية الذرية المشهورة التي تحدثنا عنها، والتي يدعي علماء الغرب خطأً أن مكتشفها هو العالم الإنكليزي (جون دالتون) الذي عاش فيما بين 1766ـ1844م / 1180ـ1260هـ، وهو عالم مشهور في حقل الفيزياء والكيمياء، وبالتالي لم يزد دالتون أي شيء على نظرية جابر كما يؤكد المختصـون، جابـر الذي عاش قبل دالتون بأكثر من ألف عام، ثم جاء العلم الحديث وطوّر هذه النظرية.
وقد لخص أحد كبار مؤرخي العلوم وهو (هولميارد) هذه النظرية الذرية عند جابر بن حيان مبتدئاً كمدخل لها بتفسير نظرية جابر في طبيعة المعادن.
وقد أدرك جابر هذه الفكرة وهذه النظرية وتبناها لأسباب عديدة، من أهمها:
- إن أغلب العناصر التي عُرفت في عهده استخرجت من كبريتاتها بالتحميص أو بالتشويه كما ذكرها هو، حيث تنبعث غازات الكبريت كثاني أوكسيد الكبريت وغيره أثناء تعدينها.
- إن أكثر العناصر التي حُضرت في ذلك الوقت قد عُدنت من كبريتاتها الأمر الذي يدعو المنتبه لهذه الحقيقة إلى الإيمان بوجود الكبريت في جميع ما استخرج من المعادن آنذاك، وقد كتب جابر في الكبريت كثيراً ووصف جميع أنواعه المعروفة في الوقت الحاضر من الكبريت الذهبي (زهرة الكبريت)، والكبريت العمود، والكبريت المطاط وغير ذلك.
- إن جعل الزئبق من الأساسين الرئيسيين في تكوين المعادن جميعها يرجع إلى أن الزئبق يكون مع أكثر المعادن المعروفة ملاغماً، فهو يتحد ببعضها اتحاداً كيمائياً عن طريق تكوين (الآصرة المعدنية) والتي لم تعرف إلا في القرن العشرين، فيغير من صفات المعادن نفسها، ويظهرها بمظهر آخر، إلا أنه لا يتحد ببعض المعادن البخسة التي عرفت آنذاك، والتي لم يعرف منها سوى الحديد، وقد أشار جابر إلى ذلك في أكثر من موضع في كتابه «كتاب الخواص الكبير»، ونتيجة لما قام به جابر من الدراسات فقد تعرف على كثير من مركبات الزئبق كالسليماني وأوكسيد الزئبق الأحمر، فيكون قد سبق عصره بمئات السنين، مع العلم أن أوروبا جهدت طويلاً من أجل إبراز نظرية جون دالتون: أن الاتحاد الكيميائي يكون باتصال ذرات العناصر المتفاعلة بعضها ببعض، ونسوا أن جابراً قد سبقه بأكثر من ألف سنة [7].
2ـ نظرية السعير
وهي نظرية تُنسب للأسف للعالم الألماني (شتال) ووضعها تحت هذا الاسم، والحق أن جابراً قد قال بهذه النظرية قبل شتال بألف عام تقريباً، عندما قرر حقيقة علمية قال فيها: «إن الأجسام القابلة للاحتراق عندما تحترق يتطاير منها كبريت، ويتخلف الكلس»، وما قاله شتال: «إن الأجسام القابلة للاحتراق عندما تحترق ينطلق منها السعير بشكل لهب أو ضوء أو حرارة، ويتخلف الكلس»، وهكذا فالنظرية واحدة، ولا فارق إلا بالألفاظ، فقد سمى جابر المواد المتطايرة كبريتاً، وسماها شتال سعيراً [8].
3 – نظرية الفلوجستون
كانت مشكلة العلم الكبرى في القرن الثامن عشر الميلادي / الثاني عشر الهجري، هي مشكلة النار، وماهية النار، وكان عالمان ألمانيان وهما: جوهان بتشر، وتلميذه جورج أرنست شتال قد وضعا نظرية في القرن السابع عشر الميلادي / الحادي عشر الهجري، تتحدث عن الاحتراق، وتبين أنها جيدة، وقبل بها المجتمع الألماني بالرغم من أوجه النقص فيها، وحتى بريستلي مكتشف الأوكسجين قبل بنظرية بتشر وهي تفسير الاحتراق بما سماه «الفلوجستون»، ومؤدى النظرية: أن كل مادة تحترق إنما تشتمل على رماد (يسمى كالكس)، أو على مادة قابلة للاشتعال تسمى فلوجستون، وتعني باللغة اليونانية (أنا أشعل النار)، وعندما تنتهي عملية الاحتراق يكون الفلوجستون قد انتهى، وقد عبر عنها بالمعادلة البسيطة الآتية: (معدن + فلوجستون / كالكس).
واعتقد أصحاب هذه النظرية أن باستطاعتهم إعادة الكالكس إلى المعدن إذا ما أدخل في الأخير الفلوجستون، ولما كان الفحم يحترق بسهولة ولا يترك إلا قليلاً من الرماد وجب أن يكون الفحم غنياً بالفلوجستون، فإذا ما عومل الكالكس بالفحم وسُخنا سوية اتحد الكالكس بشيءٍ من فلوجستون الفحم وعاد معدناً إلى أصله.
وبالرغم من الأخطاء في هذه النظرية إلا أنها كانت مفتاحاً في التعدين والحصول على الفلزات (المعادن) من أكاسيدها الموجودة في الطبيعة.
ولكن ما علاقة هذه النظرية بعالمنا جابر بن حيان ؟
لقد أثبت هولميارد أن هذه النظرية ما هي إلا نظرية متولدة عن نظرية جابر في تكوين المعادن، فبعد أن تحدث عن هذه النظرية الأخيرة لجابر، وأشار إلى أنها عاشت حتى القرن الثامن عشر الميلادي / الثاني عشر الهجري، قال: «فنظرية الفلوجستون نفسها بالرغم من قصورها وصفت بأنها الدليل والمصباح المنير للكيماويين في القرن الثامن عشر، كما وصفت أيضاً بأنها درة العصر والكلمة الأخيرة خلال أكثر من نصف قرن، هذه النظرية كانت المولود المباشر لنظرية جابر في تكوين المعادن» [9].
4- إبداعات ملفتة
توصل جابر إلى إبداع مداد مضيء استُخدم في كتابة المخطوطات الثمينة لإمكان قراءتها في الظلام، واستخدم لأجل ذلك المرقيشيا الذهبية (بيريت الحديد، أو كبريتد النحاس)، واستخدمه بدل الذهب الغالي الثمن.
وتوصل جابر أيضاً إلى صنع ورق غير قابل للاحتراق، وذلك نزولاً عند رغبة أستاذه جعفر الصادق حينما وضع كتاباً في الحكمة يسمى «الضيم» وكان عزيزاً لديه، فأراد أن ينسخه على ورق لا يتأثر بالنار، فطلب من جابر أن يحاول تدبير هذا الأمر، فنجح جابر بصنع ذلك، وأُلقي الكتاب في النار فلم يحترق [10].
ثالثا: منزلة جابر في سماء المفكرين
أشاد الأقدمون والغربيون بجابر وإبداعاته المدهشة، فيذكر النديم أن الرازي كان يشير إلى جابر في كتبه عن صنعة الكيمياء بقوله: «قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان»([11])، وأرَّخ القفطي له مبتدئاً القول عنه: «كان متقدماً في العلوم الطبيعية بارعاً منها في صناعة الكيمياء، وله فيها تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة» [12].
وقال عنه المؤرخ العالمي جورج سارتون: «إن جابر بن حيان من أعظم الذين برزوا في ميدان العلم في القرون الوسطى»، وقال عنه ليكلرك: «إن جابراً من أكبر العلماء في القرون الوسطى، وأعظم علماء عصره» [13].
ومع وجود محاولات مدبرة ومبرمجة لسحب اسم العرب والمسلمين من تاريخ الكيمياء، وجب أن نؤكد أن فضل المسلمين في حقل الكيمياء لا ينكره إلا مكابر، فكتب الكيمياء التي وضعها المسلمون كثيرة وهي التي تثبت تفوقهم في هذا العلم، وأنهم هم أول من وضعوا أسس علم الكيمياء ونظرياته التي سار عليها علماء الكيمياء في العالم من بعدهم.
فقد أشاد الأستاذ أ، ج هولميارد بإعجاب لهذه القدرة العربية الإسلامية التي انعكست على خير البشرية جمعاء، وننقل عنه قولين، قال في أولهما: «أزال العلماء المسلمون الأوائل الغموض الصبياني لمدرسة الإسكندرية، وعملوا على تنقية الجو الفكري، كما كانوا شغوفين بالبحث وطلب الحقيقة عملاً بوصية نبيهم: اطلبوا العلم ولو في الصين». وقال أيضاً: «إن الكيمياء الإسلامية قد ارتفعت إلى أن تكون علماً ذا مكانة حقيقية إلى جانب سائر العلوم الأخرى … و لقد كانت التطبيقات للكيمياء الإسلامية عاملاً أساسياً حتى استطاعت أوروبا أن تبدأ بحوثها الكيميائية على أساس واقعي سليم وبنّاء ونظري متسق … لكل هذه الميزات التي حققها لنا الباحثون العرب دعنا نقدم فروض الولاء والتقدير لأتباع محمد» [14].
ومع أن هناك من علماء الغرب من لا يخفي حقده على المسلمين، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى قبول الحقيقة، فانظر إلى قول جان هوبكنز: «عند دراسة علم الخيمياء (الكيمياء) لا يسع الإنسان إلا أن يعترف أن أعداءنا علماء المسلمينطوروا علم الكيمياء إلى درجة اندهشت منها عقولنا، بينما علماء أوروبا يعيشون بجهلهم وغطرستهم » [15].
ولكن يجب القول – لإظهار إهمالنا بحق تراثنا الكيميائي – أن علماء الغرب منذ عصر نهضتهم حتى اللحظة ينكبون على دراسة مخطوطات وإنجازات العرب والمسلمين الكيميائية، بل ترجموا معظم تراثنا الكيميائي إلى لغاتهم، فمثلاً؛ أصدر قسم هندسة المواد في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة سنة 1984م نشرة تبين أن علماء هذا القسم توصلوا إلى سر صناعة الفولاذ الدمشقي الذي صنع منه العرب المسلمون سيوفهم التي كانت مضرب الأمثال في التاريخ بحدة شفرتها ونعومة سطحها ومتانة معدنها.
و قام أحد علماء الكيمياء المعاصرين في أوروبا؛ وهو الدكتور (فلندر بتري) بتحليل نقود عربية ذهبية قديمة من مصادر مختلفة، فوجد أن نسبة السبيكة واحدة فيها جميعاً، ثم وزن العملات الثلاثة – وهي بنفس القيمة – فلم يجد فارقاً في الوزن أكثر من جزء من ثلاثة آلاف جزء من الجرام بين العملة ومثيلتها، ويقول في بحثه الذي نشره: «إن هذه دقة في الصنعة تفوق كل تصور».
